العدالة الاجتماعية جوهراً للصراع والتنمية

28 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
لم تعد العدالة الاجتماعية فكرة نضالية، أو مطلباً للمحرومين والمهمشين والمناضلين والمعارضين المعزولين، لكنها اليوم تتحول إلى مشروع عالمي، تتحدث عنه المنظمات الدولية والحكومات والأحزاب الكبيرة المؤثرة بمختلف اتجاهاتها وجذورها الفلسفية والفكرية، فالعدالة تصعد اليوم في الفكر والسياسة والصراع أيضاً، باعتبارها محور الاختلاف والجدل، والمعيار الأساسي في تقييم التنمية والإنفاق والسياسات والميزانيات. وبالطبع، ليست العدالة اكتشافاً متأخراً في السياسة والتنمية. لكن، ثمة اتجاه عالمي مؤثر يعلي من شأنها، ويعتبرها أولوية قصوى، بدأ ذلك منذ تسعينات القرن العشرين، إدراكاً بعالم جديد ونظام عالمي جديد يتشكلان، ثم كان الربيع العربي حدثاً مؤثراً في العالم، ومازال يؤثر ويفعل، وإن كان ذلك في صمتٍ وهدوء. لقد جعل الربيع العربي موضوع العدالة شأناً عالمياً وفردياً واجتماعياً، .. كيف يمكن إنزال الظلم، وإعلاء العدالة الاجتماعية؟
سيكون أكبر خطأ تقع فيه الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، وكذلك المنظمات والأحزاب والجماعات، إذا نظرت إلى الربيع العربي، باعتباره صراعاً سياسياً مرتبطاً بأحداث وأزمات محددة، بعضها حسم وبعضها الآخر مازال عالقاً، أو إذا نظرت إلى الأحداث بأنها انتصار فئةٍ وهزيمة أخرى، فالربيع، في واقع الحال، عمليات تغيير عميقة وصامتة في الوعي والذهنية، توظف الحالة الشبكية والمعرفية في إعادة بناء وصياغة ثقافية وعقلية، ولا تشكل أحداث الصراع العنفي والأزمات السياسية سوى قشرة رقيقة من الحالة الجديدة المتشكلة. وفي المقابل، فإن عمليات الإصلاح، في كل مستوياتها، في حاجةٍ أن تتحول من الشعور بالظلم إلى إدراك واع وعقلاني للعدالة، هل العدالة عملية عقلانية أم اخلاقية؟
تبدو الإجابة بديهيةً، بالطبع، في أن الشعور أو الادراك الأخلاقي لا يكفي؛ لاعتبارات عدة،
أولها أن إدراك المظالم يدفعنا إلى صياغة نظرية علمية للعدالة، كما يدفعنا إلى التفكير في العدل والظلم، كما أن حل الصراعات وبناء العقد الاجتماعي لا يمكن تأسيسه من غير فلسفةٍ سياسيةٍ وعلمية للعدالة، ذلك أن جميع الأطراف تعتقد أنها تمثل العدل، وترى مطالبها ومصالحها عادلة. ويتمتع جميع الناس، على مختلف اتجاهاتهم، بشعور بالرضا، حتى الذين يرتكبون المجازر والجرائم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك لأجل قضية عادلة! هذا الرضا عن الذات المرافق للحكمة المؤسسية يمنع الدراسة النقدية للنتائج الفعلية.
وبالتأكيد أيضاً، فإن الشعور بالظلم وبناء إدراك علمي للعدالة لا يعملان من غير إدارة واقعية للبيئة الاقتصادية والاجتماعية، فالتراث المديد في التحليل الاقتصادي والاجتماعي للعدالة لم يقدر على تجاوز حقيقة أن النجاح في تحقيق العدالة يعتمد على الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتغيرة.
يقول أمارتيا سن الفيلسوف الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل: لم يكن فهم العالم قط مسألة تسجيل لانطباعاتنا المباشرة، الفهم ينطوي حتماً على التفكير، وعلينا أن نقرأ ما نشعر به، وما يبدو أننا نراه، ونسأل إلام تشير تلك المدركات؟ وكيف يمكن أن نأخذها في الاعتبار من دون أن تسيطر علينا؟ وما موثوقية مشاعرنا وانطباعاتنا؟ قد يفيد الإحساس بالظلم بوصفه إشارة تدفعنا إلى التحرّك، لكنها إشارة تتطلب معاينةً دقيقة، ولا بد من أن يكون هناك تدقيق في سلامة الاستنتاج القائم على هذه الإشارات.
ثمة حاجة إلى النقاش العقلاني مع النفس، ومع الآخرين، في معالجة المزاعم المتعارضة أكبر 
من الحاجة إلى ما يمكن تسميته ''التسامح الانعزالي'' بحل كسول، من قبيل ''أنت محق في مجتمعك، وأنا محق في مجتمعي''، فالتفكير والتدقيق المحايد أمران جوهريان. لكن حتى أقوى المعاينات الانتقادية قد تبقى فيها حجج متعارضة متنافسة لا تزول بالتدقيق المحايد.
ومن المحتمل أن تكون المظالم التي يمكن تسويتها مرتبطةً بانتهاكاتٍ سلوكيةٍ أكثر مما هي مرتبطة بنواحي قصور مؤسّسية، فالعدالة مرتبطة، في النهاية، بطريقة حياة الناس، لا بطبيعة المؤسسات المحيطة بهم فحسب. وعلى سبيل المثال، هناك فئات محرومة اجتماعياً حتى في بلدان غنية جداً وديمقراطية، مثل الأفارقة الأميركان الذين يتمتعون بمستوىً من التنمية والخدمات، مثل مواطني جاماياكا وسريلانكا وأرجاء واسعة من الهند والصين، ذلك أن ارتفاع الدخل، وإن كان يساعد على التمتع بخدمات صحية واجتماعية، فإنه يعتمد أيضاً على التنظيم الاجتماعي والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، ونوع المدارس والتعليم، والتكامل الاجتماعي.
أفضل فهم للعدالة هو الفهم السياسي، وعلى الأشخاص المعقولين أن يحترموا المبادئ، حتى لو كانت على حساب منافعهم الخاصة، شرط أن يفعل الجميع ذلك، والمجتمع حسن التنظيم هو الذي ينظمه بكفاءة مفهوم سياسي للعدالة، يشمل البنية الأساسية للقانون الأساسي، والفضاء المستقل، ومفهوماً قانونياً للملكية، كما أن الأسرة تشكل الإطار الاجتماعي الخلفي أو العدالة الخلفية. وفي ذلك، يملك المواطنون قوة أخلاقية عظيمة، تتمثل بالحس بالعدالة والقدرة على تحصيل مفهوم الخير. وفي ذلك يمكن تسوية الصراعات تسويةً سلميةً معقولةً، تتنازل وتكسب فيها جميع الأطراف، .. وأظن أن هذا هو الدرس الأول للربيع العربي.