إسقاط عنصر الزمن في الصراع يجعله تدميريا

09 يونيو 2017
الصورة
+ الخط -
لا يجوز أن نقلل، في الفهم والتحليل، من محورية النزعة التدميرية لدى الدول والجماعات والأفراد في السلوك والصراع، إلى درجة أنه يمكن القول إن التاريخ تفسره النزعة التدميرية والانتقام والكراهية أكثر من النزعة إلى تحقيق المصالح أو التوسع أو الهيمنة، وربما كان ممكنا تجنّب حروب وكوارث كثيرة، لو أنها أديرت على نحو عقلاني، أو على الأقل في اتجاه الأهداف العملية والحقيقية للدول والمجتمعات، ثم وبطبيعة الحال فإنها (الصراعات التدميرية) ترتد على أصحابها، وتعصف بهم؛ إذ لم يحدث أبدا في التاريخ والجغرافيا أن استطاعت دولةٌ أو حضارةٌ أن تحتفظ بقدراتها وهيمنتها، أو أن تظل ضعيفة وفقيرة. وفي ذلك، فإن الدول والمجتمعات يجب أن تحسب حساب التاريخ والمستقبل، عندما تقرّر سياساتها ومواقفها، وكيف تدير علاقاتها وأزماتها وخلافاتها مع بعضها بعضا.
تتبع الدول والمجتمعات، في علاقاتها وتجاربها، القيم والأخلاق التي تدور حولها المؤسسات السياسية والعامة، أو تستهدف تغييرها وتطويرها الحركات والتيارات السياسية والاجتماعية. ولكنها قيم وأخلاق يفترض أن ينشئها موقفٌ عقلاني، فإذا لم تكن الأخلاق والقيم عقلانيةً، فإن السلوك السياسي والاجتماعي، الفردي والجمعي، يتحول إلى تسوياتٍ غير أخلاقية، ويزود التخلف بمبرّراتٍ ومسوغاتٍ دينية أو اجتماعية وثقافية.
ويتصرّف الناس، دولا ومجتمعات وأفرادا، معتقدين أنهم على صواب، ولديهم أسباب جيدة 
لتفسير رؤيتهم، وتحيط باختياراتهم الرغبات العاجلة والمباشرة، والضغوط الناشئة عن الموقف، والميل إلى نسيان حياة الآخرين وتجاربهم وتجاهلهما، وحدود قدراتهم على تدبر نتائج أفعالهم وعواقبها. لكن في هذا الاعتقاد بالصواب وعدم القدرة على رؤية احتمال خطأ الذات وصواب الآخر ومعقوليته، يتحوّل الموقف إلى معتقدٍ راسخ لا يقبل الجدل والمراجعة، ثم في تكرار الأفعال التي نحسبها صوابا نتحوّل إلى مبالين بأفكار الناس ومواقفهم ومعاناتهم، فلا نعود نرى إلا ذواتنا.
وقد يتطوّر التعصب للموقف إلى قسوة وسادية، بل وتكون آلام الآخر متعةً أو مكافأة يحصل عليها المتسلطون والمتعصبون، وقد تنشأ قيم التعصب والقسوة والكراهية ومحفزاتها، بسبب الفشل السياسي أو الفردي، فالناس غالبا ما يكونون قساة، لأن القسوة تبدو أسهل الطرق للتصرف في ظروفهم الخاصة، وقد تكون هناك أسبابٌ قويةٌ لعدم القسوة، لكن الأمر الذي يتطلب مجهودا أقل هو تجاهل هذه الأسباب، بدلا من مقاومة الضغوط من الآخرين، أما اللامبالاة والكسل والجهل عن عمد والخوف من النتائج المجهولة فقد يزيد من المناورة والتلاعب المتعمد لاختيار القسوة.
والحال أن النزعة البشرية في تاريخها الطويل، وفي آليات الدفاع عن الذات، تميل إلى التعامل مع العالم المحيط من دون مساواة في اعتبارات عديدة، تقول كاثلين تايلور: نحن (البشر) بطبعنا وما جبلنا عليه نهتم بأقاربنا (أو الأقارب الرمزيين) وبمن نرى أنهم أعضاء أقوياء في جماعتنا، وبالمعتقدات التي تتفق مع ما نعتقده ونراه، إننا بالطبيعة نولي اهتماما أقل بالغرباء وللناس الأقل في المكانة الاجتماعية أو للأفكار التي تناقض معتقداتنا، ونحن محدودو القدرة على تنظيم المعلومات، ونجهل كثيرا مما تخبرنا به حواسّنا، لأنها لا تتناسب مع ما نريد أن نعتقده وما يرضينا، كما أننا نبتعد عن الموضوعية في رؤيتنا للحياة بمرور الوقت، ونعتبر النتائج المستقبلية والعواقب البعيدة شيئا أقل في الأهمية من الأحداث المعاصرة أو القريبة، وهي ظاهرةٌ يطلق عليها علماء النفس إسقاط الزمن من الاعتبار. ولذلك، عندما نختار أن نكون قساة، فغالبا ما نختار على أساس مدخلاتٍ منحازة، ونفشل في أخذ نتائج الضرر الذي يحدثه في الاعتبار، ومكافآت القسوة لا تدوم طويلا، فالغنيمة تختطف، والتهديد من الضحية يزول، وموافقة الجماعة واضحة، أما عقوبات القسوة فعادة ما تستغرق وقتا أطول كثيرا إذا وقعت بالفعل.
يمكن أن يقلل التعليم من سيطرة المعتقدات الزائفة، فالمعرفة بالحقائق ومعرفة كيف نفكر سوف 
تساعدنا في كشف ملايين الأشكال من الهراء الذي يقدّمه من يستفيدون كثيرا من إقصاء الآخر. وسيمكنّنا بعد ذلك التدقيق في البحث عن أي دليل على ما يُشاع من افتراء أو قذف ضد الأعداء أو الأقليات، وسوف نستطيع أن نميز إذا ما كان أي ادعاء يستند إلى نظرية الماهية والجوهر تجاه الآخر، أي أن جوهر الآخرين فاسد فنرفضهم. وبذلك سوف نتحدّى التنميطات، ويمكننا أيضا أن نعلم أطفالنا التاريخ الصحيح والأفضل، وليس معنى ذلك أن نعيد سرد الأخطاء القديمة، أو نجلد من ارتكبوها، فمن المحتمل أن كل بلد ارتكب الفظائع، وعانى منها، وتعلم التاريخ يمكن، بدلا من ذلك، أن يضع هذه الجرائم في مضامينها، ويظهر أن هناك أسبابا لحدوثها ويطرح الأمل في أن يتم تحاشيها فيما بعد.
وحسب نظرية الكم لعالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل، هايزينبرغ، فإن طبيعة الملاحظة تغير من طبيعة الذي نلاحظه، ويساعدنا التعلم من المجتمع أو التبرير الذي يأتي فيما بعد في أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون، وهذا أيضا يشكّلنا في صورةٍ تتماثل بشكل أفضل مع مدركات الناس عنا وما "يرونه" فينا، ويصل ذلك بنا إلى أن نتبنى توقعات الآخرين عنا، كما لو كانت توقعاتنا نحن، فيصبح ما يتوقعونه لنا هو ما نصير إليه، إننا بذلك نشاركهم معتقداتهم، ونرغب فيما علمونا أن نرغب فيه.
طواعية التشكل وسهولة الانقياد، عنصران حيويان ومهمان في أسلوب حياتنا الحديث؛ فذلك يبقينا متوائمين اجتماعيا، وليست كل احتياجاتنا حتميةً كما تعلمنا أن نعتقد. لكن، لسوء الحظ، يمكن أن تصبح قيمة المعتقدات التي تخلق التحدّي والصراعات من الغير كبيرة نتيجة لذلك، وقد تصعد أحيانا إلى مرتبة المبادئ المقدسة، كما أن بعض المعتقدات يؤدي إلى الصراع، مثل فكرة أن لنا جميعا الحق أن تُحترم معتقداتنا القوية، مهما كان محتواها، وهناك جماعة من الناس تشجع إضفاء القداسة على مبادئها ومعتقداتها، لأنهم هم الذين يستفيدون من ذلك، ويساوون بين نقد هذه المعتقدات وعدم الاحترام، ثم وبفضل الدعاية الماهرة تتحول مصالحنا ومخاوفنا إلى فلسفة وعقائد متماسكة نحارب الآخرين لأجلها.