تناتيش ونغابيش

12 يوليو 2020

كانت أسابيع قليلة قد مرت على مقتل الرئيس أنور السادات، وكان أستاذ الاقتصاد الدكتور جلال أمين يسير على كورنيش الإسكندرية، عندما رأى العمالقة نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإبراهيم فرج جالسين معاً على كافتيريا الشانزيليزيه التي صارت مكانهم المفضل بعد هدم مقهى بيترو الشهير، استجمع شجاعته لكي يذهب إليهم ويعرفهم بنفسه، فدعوه للجلوس وطلب منه نجيب محفوظ أن يجلس على شماله لكي يتمكّن من سماعه، وبالطبع دار الحديث حول الرئيس السادات وتداعيات مقتله، فلم يستطع الدكتور جلال أن يخفي معارضته لحكم السادات معبراً عن رأيه فيه بصراحة، وهم استمعوا إليه بهدوء شديد حتى انتهى، وبعد لحظات من الصمت قال له نجيب محفوظ: "بس إنت ظالم السادات لإنه عمل حاجات كويسة"، فسأله جلال أمين باهتمام "حاجات زي إيه"، ليرد نجيب محفوظ بهدوء: "إنه مات"، وغرقوا جميعاً في ضحك عاصف.

تذكرت هذه الواقعة حين قرأت كتاب الدكتور جلال أمين "مصر والمصريون في عهد مبارك" الذي أصدرته دار "ميريت" قبيل خلع حسني مبارك، والذي بدأه الدكتور جلال باستعراض لحظة التفاؤل التي عاشتها مصر في بدايات حكم مبارك، والتي بدأت نهايتها بالنسبة له عندما سمع بحزن بالغ من الدكتور لطفي عبد العظيم رئيس تحرير مجلة "الأهرام الاقتصادي" (والتي كانت قد تحولت خلال تلك الفترة إلى منبر حر لمختلف الآراء) أنّ "صحافياً وطنياً كبيراً نصحه بعدم الإفراط في التفاؤل، وأنّ سياسياً كبيراً آخر أسرّ له بأنّ هناك ما يشير إلى أنّ المافيا قد نجحت في إحكام سيطرتها بعد أن اقنعت الرئيس بأن يصير رئيساً للحزب الحاكم وليس رئيساً مستقلاً فوق الأحزاب كلها"، ليأخذك الكتاب بعد هذه اللحظة التي لم تطل من التفاؤل، في رحلة مثيرة عبر سنوات العصر المباركي التي شهدت تجسيداً مذهلاً ومؤلماً لنظرية (الدولة الرخوة) التي أبدعها الاقتصادي السويدي العظيم جونار ميردال، حيث يصير الفساد والرشوة نمطاً للحياة، وتصدر القوانين لكي لا تُطبّق وتخف قبضة الدولة على كل شيء لا يخصّ أمنها السياسي.

لا يعفي الدكتور جلال في كتابه قوى المعارضة من مسئوليتها عن المحنة التي عاشتها مصر طيلة عهد مبارك، محذراً من "لجوء قوى المعارضة إلى استغلال موجة الإحباط العالية السائدة الآن لتحقيق مكاسب وقتية، بتلبية حاجة الناس الطبيعية إلى سماع من يردد شكاويهم ويمدهم بمادة متجددة للبكاء والنحيب، لأنّ الخطأ هنا لا يكمن فقط في تجاهل الجوانب المضيئة والواعدة بل في تعطيل تحويلها إلى عمل إيجابي"، مشدداً في آخر سطور كتابه على "أهمية الإعتراف بأن قضية النهوض في مصر هي في الأساس قضية مدى طويل، على عكس ما توحي به معظم قوى المعارضة الحالية من إمكانية تحقيق الأهداف في يوم وليلة بمجرد تغيير بعض الوجوه أو استبدال مجموعة من المسؤولين بغيرهم، فكما استغرقت مسيرة الانحطاط نحو 40 عاماً، فإنّ المسيرة العكسية قد تحتاج إلى هذا الزمن أو أكثر، فتحقيق الأهداف المرجوة يتوقف على اشتداد سواعد قوى الإصلاح في الداخل التي لا زالت ضعيفة ومشتتة ومفتقدة للرؤى الواضحة وللتمييز الكافي بين التغيير المطلوب والتغيير الممكن، بل وبين القوى الوطنية وغير الوطنية، وبين المناصرين لقضية النهضة والمعادين لها، كل هذا لايمكن إلا أن يحدث بالتدريج، والاستعجال قد يؤدي إلى تكرار خيبة الأمل ومن ثم يضر بقضية النهضة المنشودة أكثر مما ينفعها".

لكن الغريب أن الدكتور جلال أمين نسي هذا الكلام المهم بعد فترة قصيرة من اندلاع ثورة يناير، حيث غلب على حواراته ومقالاته في تلك الفترة انتقاد ما آلت إليه الأحوال في مصر بعد ثورة يناير، بل وأصبح بعدها من المروجين للأفكار التي تشكك في وجود قوى خارجية وراء اندلاع ثورة يناير، ثم أصبح بعدها من الذين ينظرون إلى عبد الفتاح السيسي بوصفه منقذاً للبلاد من أزمتها، بل إنني سمعته بأذنيّ يقول إنه لا يشعر بالقلق من أن يكون عبد الفتاح السيسي ديكتاتوراً، وأنه بنص تعبيره "لا يعتبر حكم العسكر بالضرورة مرادفاً للديكتاتورية، ولا يعتبر الديكتاتورية دائماً سيئة بالشكل الذي معظم الناس تتوقعه"، ومع أنني كنت أعرف أنّ هذا الرأي نابع من شك عميق وقديم يمتلكه الدكتور جلال في جدوى الديمقراطية والانتخابات، إلا أنني كنت أتمنى بوصفي من محبيه ـ وهي أمنية فات أوانها للأسف ـ أن يتذكر نصيحته السابقة لقرائه بألا يتعجلوا تحقق الإصلاح الشامل الذي يمكن أن يستغرق أربعين عاماً، وأن ينتظر سنوات أقل بكثير قبل أن يسارع إلى دعم جنرال قاتل يعتقد الكثيرون الآن ـ بما فيهم بعض مؤيديه السابقين ـ أنّ أفضل ما يمكن أن يقدمه للبلاد والعباد، هو أن يموت. 

....

في الجزء الثالث من كتابه الجميل "حديث الأربعاء" كتب الدكتور طه حسين هذه السطور المذهلة عن أخلاق المثقفين ومعاركهم الصغيرة في زمنه "الجميل"، والتي ستندهش من انطباقها الكامل على زماننا ومثقفيه، يقول الدكتور طه حسين: ".. انظر إليهم حين يعرض لهم ناقد بما لا يحبون، وأكثرهم لا يحبون إلا الثناء، انظر إليهم كيف يستقبلون هذا النقد ضيقين به ثائرين بصاحبه، ثم كيف تفسد له حياتهم فساداً، وتضطرب له أمورهم اضطراباً، فإذا هم يشغلون عن الإنتاج وعن تقويم المعوج من آثارهم بالدفاع عن أنفسهم، كأنهم هوجموا مهاجمة تعرضهم للخطر الذي ليس بعده خطر وللموت الذي ليس بعده نشور... بعض هؤلاء سيطر عليهم الغرور فملأ قلوبهم وعقولهم، وصرفهم عن العناية بالفن والحرص على الإجادة والرغبة في الإتقان، وخُيِّل إليهم أنهم قد بلغوا الكمال أو تجاوزوا إلى ما هو فوق الكمال، هناك آمنوا بأنفسهم، واستيقن كل واحد منهم أنه نابغة، وأنه آية بين أترابه، وأنه مظلوم في هذا العصر الذي يعيش فيه، ويعجب الناس به لكنهم لا يوفونه حقه من الإعجاب، ويؤمن الناس له ولكنهم لا يوفونه نصيبه من الإيمان، ثم أخذوا يبحثون عما يحول بينهم وبين مايرون أنه أهل له من الإكبار والإعجاب، فلم يتهموا أنفسهم بضعف، ولم يظنوا بأنفسهم قصوراً أو تقصيراً، لأنهم فوق الضعف وفوق القصور والتقصير عند أنفسهم على أقل تقدير، ولم يشكوا في أنّ الناس يقرأونهم، وكيف يستطيع الناس ألا يقرأونهم وهم ينزلون عليهم الآيات إذا أصبحوا وإذا أمسوا، ولم يشكوا في أن الناس يرضون عنهم، وهل وصل الناس من الجحود والغفلة إلى حيث لايرضون عن هذا البيان المعجز، والسحر الذي ليس إلى تقليده من سبيل.

انظر إليهم حين يعرض لهم ناقد بما لا يحبون، وأكثرهم لا يحبون إلا الثناء، انظر إليهم كيف يستقبلون هذا النقد ضيقين به ثائرين بصاحبه

أكتب هذا وقد وصلت إلى الأنباء بأنّ جماعات كتابنا المحدثين ثائرة فائرة وهائجة مائجة وقاعدة قائمة في هذه الأسابيع منذ أخذ بعضهم ينقد بعضاً... فترى كيف يفسد ما بين الأصدقاء وكيف يستحيل الحب إلى بغض، والود إلى عداء... أأخلاق أدباءٍ هذه أم أخلاق صبيانٍ يحتاجون إلى التربية والتنشئة، إنني أكره لهم أن يطغى الغرور على نفوسهم فيفقدها ما يقوم النفس الكريمة من اعتدال المزاج وصفاء الطبع، واستقامة الخلق، والتواضع الذي لاسبيل إلى الكمال من دونه.

... وأكثر من هذا كله أن يعظم التنافس بينهم وأن ينكر بعضهم بعضاً ويزدري بعضهم بعضاً، ويبلغ بهذا أنك تنقد اثنين منهم في فصل واحد، فإذا أحدهما ساخط عليك ضيق بك، يقطع ما بينك وما بينه من صلة، لا لأنك ظلمته... بل لأنك قرنته إلى صاحبه، وماينبغي أن يكون له شريك.. هذه أخلاق لا ينبغي أن تكون للشبان فضلاً عن أن تكون للذين يرون أنهم نابهون وأنهم قادة الرأي... أيها السادة إن كنتم متواضعين فقوموا مايظهر لكم من عَوَج، وأصلحوا مايظهر لكم من فساد، فإن كنتم مغرورين فاستمتعوا بغروركم وانظروا إلى أنفسكم في المرآة ثم امتلئوا بها عجباً وتيهاً، ولكن لا تَعدوا هذا ولا تتجاوزوه إلى أخذ الناس بما تحبون أنتم ولا يحبون هم، فذلك ليس لكم، ولن يُقِرَّكم أحد على أن تتطلبوه وتطمعوا فيه".

سأترك لك التعليق، أما أنا سأكتفي بالحوقلة والترحم على طه حسين.