بين الإبداع والنقد... النص الأدبي إذ يغالب سطوة المنهج

30 يونيو 2019
+ الخط -

مناسبة هذه التدوينة ما يلاحظه المتتبع لما ينجز وينشر من بحوث ودراسات تعنى بنصوص الأدب العربي وأجناسه المختلفة، أقصد ذلك التهافت الغريب الذي يطبع تلك الأعمال القرائية أو النقدية من إسقاطات لمناهج غربية حديثة وأدواتها في دراسة هذا الأدب؛ قديمه وحديثه.

فبقليل من الرصد والمتابعة، نسجل عناوين تكاد تصدر بها معظم تلك الأعمال، فنقف مرة تلو أخرى على: أسلوبية كذا.. سيميائية كذا.. حجاجية كذا.. أو تداولية كذا.. مما يوحي للقارئ - وحتى قبل أن يلج عوالم تلك الدراسات - بمدى الحضور القوي الذي سيضطلع به المنهج المعتمد في القراءة والتحليل.

ويتأكد الأمر لدينا أكثر عند تصفحها، لتبدو لنا سطوته بارزة، وذلك بشغله ومصطلحه المساحة الكبرى من البحث أو الدراسة - أي نعم هناك تفاوت في مدى تمكن الباحث من أدواته ومفهوماته الإجرائية - مع تراجع نصيب النص المدروس إلى الوراء أمام قوة تلك الأدوات، وهو أمر أجد فيه الكثير من التجني على نصوصنا الأدبية القديمة والحديثة.


وفي نفس السياق كذلك، يلاحظ المتتبع أن كتب النقد الأدبي تمثل أكثر المراجع تداولاً بين الطلبة والباحثين، فقد تسابق المؤلفون يقدمون ترجمات أو دراسات فيها كثير من التنظير والتأريخ للدرس النقدي الغربي الحديث، فلا يهم النص بقدر أهمية المنهج وأدواته، فكان أن أهملت النصوص وساد الجهل بها وبمضامينها وقضاياها.

وقد يقول قائل إن الأمر في البحوث الجامعية مختلف؛ فالطالب في الغالب يكون منتمياً لوحدة دراسات عليا أو دكتوراه في إطار مشروع بحثي معين، وبالتالي وجب عليه الخضوع لمقتضياتها استكمالاً لسنوات دراسته وتتويجاً لها، نعم وهو أمر صحيح، وبالتالي فالنصيب الأكبر من المسؤولية تتحمله المؤسسات الجامعية وفرق البحث فيها بالدرجة الأولى.

ولست هنا بصدد تبخيس ما ينجز من مجهودات داخل فضاءات الدرس في الجامعات العربية - أسجل هنا تجربة خضناها في سنوات خلت في جامعتنا، وحدة للدراسة والبحث، اتخذ لها عنوان: النص الشعري القديم في ضوء المناهج الحديثة؛ وقد تنوعت موادها ما بين قراءة النصوص الشعرية القديمة والوقوف على أهم قضاياها، هذا مع الانفتاح على مناهج الدراسة الأدبية الحديثة من بنيوية وأسلوبية وغيرها - لكني أرى أن تتضافر الجهود بشكل أكبر ويتعمق الوعي لدى مراكز البحث الجامعي والباحثين بأهمية العودة إلى قراءة النصوص الأدبية المختلفة والعلم بها - خصوصاً القديم منها - بالتزامن مع الانفتاح على الدرس النقدي الحديث.

وقد يذهب آخر بالقول إن هذه المرحلة التأسيسية ينبغي أن تضطلع بها المؤسسات الثانوية، وأن يخبرها الطالب بنفسه؛ نعم وهو أمر كان متحققاً مع جيل الماضي، لكنه لم يعد كذلك مع جيل اليوم لدواعٍ وأسباب لعلنا جميعاً ندركها، وهو واقع وجب علينا التعامل معه والبحث عن سبل لتجاوزه؛ التزاماً بالمسؤولية التربوية والأخلاقية التي تتحملها المؤسسات الجامعية.

فالطالب من وجهة نظري، يجد نفسه في ظرف وجيز وقد انتقل في دراسته الأدبية من التمييز بين أنواع النصوص وبعض خصائصها، إلى دراسة اتجاهات النقد الأدبي الحديث ومختلف مدارسه ومناهجه، وهو أمر أراه يشكل له قفزة كبيرة إلى الأمام، تجعله في حالة من التيه، قد لا يخرج منها إن لم يتخذ له مرشداً وموجهاً في ذلك.

وقد مضى جيل الرواد من الأدباء والنقاد والباحثين العرب الذين نفضوا غبار تراثنا الأدبي، فأثروا مكتباتنا بتحقيقاتهم ودراساتهم لنصوصه، جيل أرى أن جامعاتنا وطلبتنا ما زالوا بحاجة إليه، فأن تتم الاستعانة بأسماء كطه حسين والعقاد ومحمد مندور والنويهي وإحسان عباس وشوقي ضيف وغيرهم ليست أمراً منكراً، بل هو مما قد يساعد الأجيال الحالية والقادمة على الاستئناس بنصوص أدبنا العربي وتشبعها، وأيضاً مما يحقق سلاسة الانتقال لمستوى دراسة الاتجاهات النقدية الحديثة بمرجعياتها المعرفية المختلفة، ويردم الهوة التي قد تستحكم بين طلبتنا وبين الدرس الأدبي وتنفرهم منه.