برلمان ما بعد الثورة: مقبرة تشريعية لأهداف 25 يناير

25 يناير 2018
الصورة
دعم ائتلاف الأغلبية قرار إلغاء بطاقات دعم الخبز(فرانس برس)
+ الخط -
تحطّمت جميع أهداف الثورة المصرية منذ انقلاب الثالث من يوليو/ تموز 2013، وما تبعه من قرارات وتشريعات ترمي لتقييد الحريات، وإفقار المصريين، وانتهاك كراماتهم. ولعب مجلس النواب الموالي دوراً فاضحاً في التصديق على المئات من مشاريع قوانين السلطة التنفيذية، والتي انحازت التشريعات الاقتصادية منها إلى شريحة رجال الأعمال، ومضاعفة الرسوم والضرائب المفروضة على محدودي الدخل، والحقوقية منها لتقييد حق التظاهر وحرية العمل النقابي، في حين أفضت القضائية من تلك القوانين لإهدار ضمانات المتهمين في المحاكمة العادلة.

وتحلّ الذكرى السابعة للثورة، ومصر على مشارف انتخابات رئاسية، ترجّح التقديرات أن تنتهي بالتمديد لحكم عبد الفتاح السيسي لأربع سنوات جديدة، في وقت تنقسم فيه قوى المعارضة ما بين مؤيدة لخيار المقاطعة ورافضة له.

ويستهدف البرلمان تمرير ثلاثة مشاريع قوانين خلال دور انعقاده الجاري، بغرض حذف "غير المستحقين" من بطاقات دعم التموين والخبز، وربط استحقاق الدعم الحكومي بتنظيم الأسرة، إيذاناً باستبعاد أكثر من 20 إلى 30 مليون مواطن من المستفيدين، بحسب التصريحات الرسمية، عقب الانتهاء من منظومة إعادة هيكلة الدعم، وتحديد ضوابط الاستبعاد منه.

تقييد الحريات

في التاسع من الشهر الجاري، وافق مجلس النواب على قرار السيسي بتمديد حالة الطوارئ في البلاد لثلاثة أشهر جديدة، اعتباراً من 13 يناير/ كانون الثاني، للمرة الرابعة على التوالي، في انتهاك صريح للمادة 154 من الدستور، التي تنصّ على "عدم إعلان حالة الطوارئ إلا لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وعدم مدّها إلّا لمدة أخرى مماثلة".

وبارك البرلمان قرارات السيسي المتوالية لفرض وتمديد حالة الطوارئ في جميع أرجاء البلاد، بعد أن كانت مقتصرة على مناطق في شمال سيناء فقط، بحجة أنه "إجراء ضروري لحفظ استقرار البلاد"، ابتداءً من 10 إبريل/ نيسان 2017، في أعقاب تفجيرات استهدفت كنيستين بمحافظتي الغربية والإسكندرية، ذهب ضحيتها 44 قتيلاً، إضافة إلى عشرات الجرحى.

ورفض مجلس النواب مناقشة أي تعديلات مقترحة على قانون التظاهر، واقتصرت موافقته على تعديل محدود اختص المادة العاشرة، بناءً على حكم صادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها، وذلك باستبدال وزير الداخلية بـ"قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة"، لإصدار قرار منع التظاهرة أو إرجائها أو نقلها، في حالة وجود ما يهدّد الأمن والسلم.

وتمسّك البرلمان بعدم إدخال أيّ تعديلات متعلّقة بتخفيف العقوبات الواردة في المادة التاسعة عشر من القانون، والتي تصل إلى السجن المشدد مدة لا تقلّ عن عشر سنوات، وبغرامة لا تقلّ عن ثلاثمائة ألف جنيه، ولا تتجاوز خمسمائة ألف جنيه، لكل من حاز على سلاح أو مواد حارقة أو نارية أثناء مشاركته في التظاهرة.

كما وقّع عقوبات مُشددة بحقّ الجماهير بقانون الرياضة الجديد، وصلت إلى الحبس سنة، وغرامة 200 ألف جنيه، لكل من أنشأ أو نظّم ورابط رياضة بالمخالفة لنظم الهيئات الرياضية، والحبس 3 سنوات، وغرامة 300 ألف جنيه، إذا باشر أي من المنتمين إليها "نشاطاً يعبّر عن وجودها، أو ينشر أفكارها بأي صورة كانت"، في استهداف لروابط "الألتراس" الكروية.

وأقرّ مجلس النواب، في 5 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، مشروع قانون مقيّد لحرية العمل النقابي، إذ اشترط تشكيل اللجنة النقابية العمالية من خلال 150 عضواً على الأقل، وسط رفض عمالي واسع من قيادات النقابات المستقلة، لعدم استجابة القانون للمستجدات الراهنة، وكفالة حق الحرية النقابية، وحق العمال في تكوين نقاباتهم من دون قيود.

 


كرامة مُنتهكة

شدّد مجلس النواب مدة الإدارج بقوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، لتصل إلى 5 سنوات بدلاً من 3 سنوات، وأقرّ بفصل محكمة النقض في قضايا الإرهاب، بدعوى تسريع وتيرة محاكمات المتهمين، علاوة على منح هيئة المحكمة سلطة الإفراج عن المقبوض عليه أو حبسه احتياطياً، لحين الانتهاء من نظر الدعوى.

وانتهت اللجنة التشريعية في البرلمان من مناقشة تعديلات قانون الإجراءات الجنائية، التي طاولت أكثر من 300 مادة، في جلسات متسارعة، تمهيداً لإصداره نهائياً في فبراير/ شباط المقبل، والتي شملت حظر بثّ جلسات المحاكمات بأي طريقة كانت، إلّا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة القضائية، ومنحه سلطة سماع كل الدعاوى، أو بعضها، في جلسة سرية، ومنع فئات من حضورها.

كما أقرت التعديلات بـ"حظر تداول أي بيانات أو معلومات تتعلق بالقضاة، أو أعضاء النيابة العامة، أو الشهود، أو المتهمين، عند نظر المحكمة لأي من جرائم قانون الإرهاب"، مع اكتفاء ممثلي جهات التحري الأمنية بعرض "أمارات قوية"، عوضاً عن الأدلة، لاستصدار أوامر قضائية بمراقبة الأشخاص والمساكن، وتفتيشها، ومراقبة الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وحسابات البريد الإلكتروني.

تجدر الإشارة إلى أن أقسام الشرطة والسجون المصرية تكتظّ بالآلاف من المحبوسين احتياطياً، على ذمة قضايا لم تصدر فيها أحكام، أو من دون الخضوع إلى المحاكمة، أو العرض على النيابة المختصة من الأصل، على الرغم من تجاوز فترة حبسهم الاحتياطي المقررة قانوناً بعامين، ومن بينهم صحافيون، وهؤلاء لا يجوز حبسهم احتياطياً في قضايا النشر، من دون أي تحرك نيابي في هذا الصدد.

أمّا بخصوص مشاريع القوانين المنوي تمريرها خلال دور الانعقاد الجاري للبرلمان، فبحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، فإن عدد المستفيدين من بطاقات الدعم العيني انخفض إلى 68 مليون مصري بحلول منتصف عام 2017، مقابل 69 مليوناً في منتصف عام 2016، بينما رصد إحصاء لوزارة التموين "نقص بيانات تسعة ملايين مواطن، خلاف عدم تحديث عشرة ملايين آخرين لاستمارة البيانات الخاصة بهم".

انتفاضة الخبز

وفي 8 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقعت وزارة التموين عقد اتفاق مع وزارة الإنتاج الحربي (تابعة للجيش)، بشأن تولّي الأخيرة "الإدارة والإشراف على تشغيل منظومة الخبز والسلع التموينية"، بهدف الوصول إلى "قاعدة بيانات موحّدة لجميع المواطنين المدرجين على البطاقات، وبيان مدى استحقاقهم الدعم التمويني من عدمه". فيما شهدت سبع محافظات مصرية تظاهرات حاشدة في مارس/ آذار 2017، نتيجة تقليص حصّة المخابز من الدقيق المدعوم، وعدم تمكّن حاملي بطاقات التموين الورقية من الحصول على حصصهم اليومية، ما دفع المواطنين إلى قطع عدد من الطرق الرئيسية، والسكك الحديدية، في أحداث استدعت مشاهد "انتفاضة الخبز" للمصريين في يناير/ كانون الثاني 1977.

وسارع ائتلاف الأغلبية النيابية (دعم مصر)، لإعلان دعمه آنذاك لقرار إلغاء بطاقات دعم الخبز في بعض المحافظات، بدعوى استرداد أموال الدعم الصادر عن وزير التموين، علي المصيلحي، تمهيداً لتخفيض حصة الفرد اليومية من الخبز إلى ثلاثة أرغفة بدلاً من خمسة أرغفة، وزيادة فرق نقاط الخبز عن كل رغيف من 5 قروش إلى 20 قرشاً.


ضرائب عمياء

في ما يخصّ ملف العدالة الاجتماعية، أقرّ البرلمان تمديد قرار تجميد العمل بضريبة الأرباح الرأسمالية المحددة بنسبة 10 في المائة لثلاث سنوات إضافية، حتى مايو/ أيار 2020، استناداً إلى قرار من المجلس الأعلى للاستثمار، برئاسة السيسي، الذي أصدر أيضاً قراراً بتعليقها في 2015 لمدة عامين، استجابة لمطالب رجال الأعمال المحسوبين على النظام.

في المقابل، فرض مجلس النواب العديد من "الضرائب العمياء" على المواطنين، لعل أبرزها ضريبة القيمة المضافة بواقع 14 في المائة على أغلب السلع الأساسية، والخدمات العامة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدل التضخم، وصل إلى 30.7 في المائة خلال عام 2017، مقارنة مع العام السابق له، وفقاً للبيانات الرسمية.

كذلك، أقرّ البرلمان في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تعديلاً على أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة، يقضي بتوسيع الشرائح الضريبية على بيع السجائر ومنتجات التبغ، وفرض زيادة تراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة جنيهات على عبوة السجائر المحلية والمستوردة، وأخرى بواقع 175 في المائة على ضريبة الجدول المفروضة على بيع المعسل.

وفي الشهر التالي، وافق مجلس النواب على مشروع قانون التأمين الصحي الشامل، الذي أعدّته الحكومة، ويفرض اشتراكات جبرية على جميع المواطنين، بمن فيهم الفقراء ومحدودو الدخل، بنسبة تصل إلى 7 في المائة من إجمالي دخل الأسرة الواحدة، فضلاً عن إخراجه المستشفيات الحكومية غير المؤهلة من نظام التأمين الجديد، بهدف طرحها للبيع أمام القطاع الخاص.

 

رسوم جديدة

وفرض القانون مجموعة جديدة من الرسوم، من بينها تحصيل ألف جنيه عن كل سرير عند استخراج تراخيص المستشفيات والمراكز الطبية، و150 جنيهاً إضافية على رسوم تسيير وتجديد تراخيص السيارات، ومبلغ يراوح بين ألف و15 ألف جنيه عند التعاقد مع النظام الجديد للعيادات الطبية، ومراكز العلاج، والصيدليات، وشركات الأدوية، وفقاً لقواعد اللائحة التنفيذية للقانون.

إلى ذلك، يصوت البرلمان، نهاية يناير/ كانون الثاني الجاري، بشكل نهائي، على تعديل تشريعي بشأن رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، والذي يفرض زيادات جديدة على رسوم 27 خدمة، مثل رسوم تجديد رخص تسيير السيارات لنحو ثلاثة أضعاف، واستخراج وتجديد جواز السفر بما يعادل أربعة أضعاف، وطلب الحصول على الجنسية المصرية إلى مائتي ضعف.

المساهمون