الذكرى السابعة لـ25 يناير: انقلاب نظام السيسي على "العيش والحرية والعدالة"

25 يناير 2018
الصورة
لم تتحقق معظم مطالب المصريين منذ الثورة (فرانس برس)
تحل الذكرى السابعة لثورة 25 يناير، التي رفعت العيش والحرية والعدالة الاجتماعية مطالب أساسية لها في ميادين الجمهورية المصرية، وسط تساؤلات بشأن ما تبقى من تلك المطالب، بعد ما آلت إليه الأوضاع في البلاد من تردٍ على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما انعكس في دخول ملايين المصريين تحت خط الفقر نتيجة الغلاء غير المسبوق وزيادة معدلات التضخم، مررواً بتحول حق التظاهر إلى جريمة تستحق السجن ووجود نحو 40 ألف مواطن داخل السجون نتيجة اتهامات ذات أبعاد سياسية، فضلاً عن تراجع النشر والتعبير والإعلام، ووصولاً إلى تمدد المؤسسة العسكرية لتكون بديلاً لمؤسسات المجتمع المختلفة في كافة القطاعات.

وتتزامن ذكرى 25 يناير هذه المرة مع استحقاقات مصرية داخلية وأخرى خارجية لا تقل أهمية. في الداخل تأتي الذكرى مع بدء إجراءات الانتخابات الرئاسية التي يصفها المعارضون بالمسرحية الهزلية، خصوصاً أن الأمور تتجه نحو التمديد لحكم قائد الجيش السابق، عبد الفتاح السيسي، لأربع سنوات جديدة، بعد اعتقال المرشح "القوي" سامي عنان، في وقت تنقسم فيه قوى المعارضة ما بين مؤيدة ورافضة لخيار المقاطعة، في غياب تام للضمانات المتعلقة بنزاهة العملية الانتخابية، وانحياز مؤسسات الدولة للرئيس الحالي، بما في ذلك البرلمان الذي بات يعرف بأنه "المقبرة التشريعية لأهداف ثورة يناير". ويختلف هذا المشهد كلياً عن أول انتخابات رئاسية حقيقية شهدتها مصر عقب الثورة عام 2012، والتي انتهت بفوز محمد مرسي، بعد منافسة محتدمة شهدت أعلى نسبة مشاركة في تاريخ مصر، كما شهدت تمثيلاً لكافة التيارات السياسية والفكرية.


كذلك تحل الذكرى السابعة للثورة مع تزايد الهجوم عليها في وسائل الإعلام التي بات النظام المصري مسيطراً عليها بشكل كامل، فما بين نعت الثورة بـ"25 خساير" وما بين انتقادات رسمية من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي للربيع العربي محمّلاً إياه نتيجة ما آلت إليه الأوضاع في عدد من البلدان العربية، تعرضت الثورة وأهدافها لنيران مؤسسات الدولة العميقة التي قادت ما تم التوافق على تسميته بالثورة المضادة.

أما على الصعيد الخارجي، فتترافق ذكرى الثورة مع توتر بين مصر ودول الجوار، تحديداً السودان وإثيوبيا، على خلفية الخلافات بشأن سد النهضة، وسط انتقادات داخلية للنظام وعدم قدرته على الحفاظ على الأمن القومي المصري بعد التنازل عن تيران وصنافير، بما تمثله من أهمية استراتيجية للسعودية أولاً، ومن ثم عدم القدرة على ضمان المصالح المصرية خلال استكمال إثيوبيا إجراءات بناء السد.

لكن الأخطر أن الذكرى تأتي مع الدفع الأميركي لتصفية القضية الفلسطينية وفرض القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، عبر ما بات يصطلح على تسميته بـ"صفقة القرن"، التي يؤدي النظام المصري دور الضاغط لفرضها، وهو ما ظهر بوضوح من خلال التسريبات الصوتية التي نشرت أخيراً أو من خلال ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، والذي أظهر كيف يريد النظام المصري الترويج للقبول بمقترحات دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، وأنه لا فرق بين القدس التي يراد فرضها كعاصمة لإسرائيل وبين رام الله.

العيش

كان العيش أول المطالب التي رفعتها 25 يناير كرمز دالٍّ على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، في إشارة إلى المطالبة بالعيش الكريم ورفع المستوى الاقتصادي، وهو المطلب الذي دفع الكثير من أبناء الشعب البسطاء للانضمام إلى جموع الثورة وموجاتها الهادرة في الميادين، بعد نحو 30 عاماً قضاها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك في الحكم دخل خلالها ملايين المصريين تحت خط الفقر.

وعلى الرغم من أن المؤشرات الاقتصادية الأبرز كانت توضح ارتفاع نسبة النمو وقتها لـ7 في المائة، إلا أنه في المقابل، بعد تحليل بيانات ذلك النمو، يتضح أن ثماره لم تكن تتساقط سوى على 1 في المائة فقط من المصريين، وهم شريحة رجال الأعمال التي صنعتها لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل والتي كان يقودها جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع، والذي كانت تتم تهيئته لخلافة والده.
بعد الثورة، وبالتحديد ما أن استقرت الأوضاع وانطلقت الانتخابات الرئاسية عام 2012 وظهرت نتائجها، حتى بدأت المؤشرات الاقتصادية تأخذ في التعافي والصعود مجدداً، خصوصاً في ظل بيئة سياسية منفتحة لا تعرف الاحتكارات، وبدأ تطبيق منظومة العيش الجديدة التي كانت حلماً لإنهاء ظاهرة طوابير العيش، والتي كانت واحدة من أبرز ظواهر عصر محمد حسني مبارك، فتم توفير الخبز لمحدودي الدخل والبسطاء من خلال منظومة عادلة تضمن وصول دعم الخبز لمستحقيه بطريقة كريمة. وفي ما يخص الدعم العيني المتمثل في بطاقات التموين، تم رفع مستوى المواد الغذائية المقدمة من خلاله في إطار منظومة جديدة أيضاً أشرف عليها باسم عودة، وزير التموين السابق في حكومة الدكتور هشام قنديل، وتمثلت في تقديم أنواع أكثر جودة من الزيت، والأرز والسكر وإدخال سلع إضافية.
وبعدما كانت معظم المؤشرات الاقتصادية خلال مطلع 2013 تشهد صعوداً، إلا أن المشهد تبدل بعد انقلاب الثالث من يوليو/ تموز، وسط صرخات البسطاء من تردّي الأوضاع الاقتصادية، وزيادة معدلات التضخم لنسب قياسية، حيث تحل الذكرى السابعة للثورة وسط معدلات تضخم تجاوزت الـ31 في المائة، وكذلك أيضاً وسط قرارات اقتصادية هي الأعنف منذ أكثر من نصف قرن.

ارتفعت الأسعار على نحو غير مسبوق في مصر (خالد دسوقي/الأناضول)


ففي الذكرى الرابعة للانقلاب، وبالتحديد خلال العطلة الرسمية في الثلاثين من يونيو/ حزيران 2017، قررت الحكومة المصرية رفع أسعار الوقود بدءاً من صباح الخميس 1 يوليو، بنسب تراوحت بين 42 و55 في المائة.
وفيما ارتفعت الأسعار، بما في ذلك سعر أسطوانة غاز الطهو المنزلي التي تعتمد عليها الغالبية العظمى من المصريين في الريف والصعيد، إلى الضعف، وصل سعر الدولار الأميركي إلى رقم قياسي، إذ بلغ نحو 18 جنيهاً، في حين أنه في ظل أصعب مراحل ثورة الخامس والعشرين من يناير، وحتى قبل الانقلاب على الرئيس محمد مرسي لم يتجاوز سعره الـ7 جنيهات ونصف الجنيه.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد ارتفع الدين الخارجي لمصر بواقع 41.6 في المائة إلى 79 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2016-2017 في 30 يونيو، حسبما أعلن البنك المركزي المصري، وبهذا يكون الدين الخارجي قد زاد نحو 23.2 مليار دولار في السنة المالية 2016-2017 مقارنة مع السنة السابقة. كما ازدادت شراهة النظام الحالي منذ وصوله للحكم في 2014، في سياسة الاقتراض من الخارج، وكان آخرها قرض صندوق النقد الدولي المقدر بـ12 مليار دولار وسط شروط مجحفة، أدت إلى مزيد من المعاناة للطبقات الكادحة، في ظل عدم التفات النظام السياسي للتحذيرات من المتخصصين. ووسط مزيد من التحذيرات، أبرم النظام المصري اتفاقاً مع الجانب الروسي يقضي باقتراض القاهرة 25 مليار دولار لإقامة مشروع الضبعة النووي، في قرض قياسي تتحمل تبعاته الأجيال المقبلة.


الحرية


الحرية كانت المطلب الثاني الذي رفعته ثورة 25 يناير، خصوصاً أنها انطلقت في البداية كتظاهرات غاضبة ضد ممارسات وزارة الداخلية، بسبب ظاهرة التعذيب في أقسام الشرطة، والتي أسفرت عن مقتل الشاب خالد سعيد في محافظة الإسكندرية على أيدي اثنين من أمناء الشرطة، وكذلك الشاب السلفي سيد بلال في الإسكندرية تحت التعذيب بمقر أمن الدولة بالإسكندرية.

لكن تحل الذكرى السابعة للثورة وأوضاع الحريات في مصر تشهد مزيداً من القيود والاعتقالات والممارسات المتعارضة مع المواثيق والأعراف الدولية.
وكان من أبرز المصادفات أن تحل الذكرى السابعة للثورة، وسط تشابه كبير في ممارسات الداخلية. فمع بداية يناير/ كانون الثاني الحالي، كان قسم شرطة المقطم، شاهداً على مقتل شاب يدعى محمد عبد الرحمن، ويشتهر في منطقة سكنه باسم "عفرتو"، تحت التعذيب على أيدي أفراد القسم، في ظل تبرؤ وزارة الداخلية من ذلك، زاعمة أنه مات نتيجة جرعة مخدرات زائدة، قبل أن تحيل النيابة ضابطاً ومعاون مباحث للمحاكمة الجنائية بتهمة قتل "عفرتو" في رواية تكاد تكون متطابقة مع ما حدث للشاب خالد سعيد نهاية عام 2010.
ويتواجد بالتزامن مع الذكرى السابعة للثورة نحو 40 ألف مواطن داخل السجون نتيجة اتهامات ذات أبعاد سياسية، غالبيتها العظمى بسبب التظاهر. كما شهدت مصر، خلال الأعوام الأخيرة، حركة متصاعدة في بناء السجون، إذ أصدرت الحكومات المتتابعة في عهد عبد الفتّاح السيسي والرئيس السابق المؤقت عدلي منصور، 9 قرارات تقضي بإنشاء 16 سجناً جديداً خلال عامين ونصف عام فقط، افتتح بعضها رسميّاً، وأخرى لا تزال قيد الإنشاء.


نحو 40 ألف مواطن داخل السجون نتيجة اتهامات ذات أبعاد سياسية (هشام فتحي/الأناضول)



أما على صعيد حرية النشر والتعبير والإعلام، فقد ازدادت الأوضاع سوءاً عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، والفترة التي تبعتها حتى عام 2013، فتم التوسع في مصادرة الصحف والمطبوعات. كما حجبت المواقع الإخبارية بقرارات غامضة، حتى وصل عدد المواقع المحجوبة إلى نحو 74 موقعاً إخبارياً لا يوجد بينها رابط سوى أنها غير خاضعة لتوجيهات الأجهزة السيادية المصرية.
ولعل من أبرز المتغيرات التي طرأت على الساحة المصرية مع حلول الذكرى السابعة للثورة، دخول أجهزة الاستخبارات المصرية سوق صناعة الإعلام، حيث تنافس جهازا الاستخبارات العامة والحربية، فضلاً عن الأمن الوطني، على شراء القنوات والصحف والإذاعات، للسيطرة على منع ظهور المعارضين. وسار الإعلام المصري كله في اتجاه واحد هو "تلميع النظام"، وهو ما حصل في تملك جهاز الاستخبارات الحربية لفضائية دي إم سي، وإذاعة 90 90، وصحيفتي الوطن والدستور، فيما قام جهاز الاستخبارات العامة بتملك قنوات أون، والعاصمة، وإذاعة دي أر إن.
وتم منع الكثير من الكتاب الصحافيين البارزين من الكتابة بأشكال مختلفة، وفي مقدمة هؤلاء فهمي هويدي، الذي تعللت صحيفة الشروق بأنه في إجازة صيفية لم يعد منها بعد رغم انتهاء فصل الصيف، ومن قبله بلال فضل. حتى أن الكتّاب الذين دعموا انقلاب الثالث من يوليو لم يسلموا عندما أبدوا موقفاً ناقداً لسياسات النظام الحالي، وكان في مقدمة هؤلاء الكاتبة الصحافية غادة الشريف التي تم منعها من الكتابة في صحيفة المصري اليوم.

كذلك تم منع العديد من الوجوه الإعلامية التي كانت مصاحبة لثورة يناير، من الظهور على الشاشات والبرامج الحوارية، وفي مقدمة هؤلاء ريم ماجد، ويسري فودة، ودينا عبد الرحمن، وحافظ الميرازي، وباسم يوسف. مظهر آخر من المظاهر التي قامت ثورة 25 يناير للقضاء عليها، وهي المحاكمات الاستثنائية، إلا أنها عادت بقوة في ظل النظام الحالي، وبالتحديد مع حلول الذكرى السابعة للثورة، فتم التوسّع في المحاكمات العسكرية. وتعددت الأحكام الصادرة منها وطاولت الآلاف، وتراوحت بين الإعدام والسجن لمدد متفاوتة، إلا أن التطور الأخطر كان في تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 19 متهماً صادرة من محكمتين عسكريتين، نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ومطلع يناير الحالي.

العدالة الاجتماعية

كانت العدالة الاجتماعية المطلب الثالث الذي تغنّى به الثوار في ميدان التحرير، حالمين بعدالة غابت كثيراً في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، في ظل سيطرة رجال الأعمال على المشهد، وحصولهم على كافة الامتيازات المجتمعية والسياسية وغيرها، في حين تدافع عامة المصريين للدخول تحت خط الفقر جماعات، وهو المشهد الذي بات يتكرر بشكل كبير، مع ظهور فئات مجتمعية جديدة في صدارة الفئات التي تحصل على امتيازات على حساب البسطاء، وفي مقدمة هذه الفئات فئة ضباط الجيش وقياداته.


حلت المؤسسة العسكرية بديلاً لمؤسسات المجتمع المختلفة في كافة القطاعات (أحمد زكريا/الأناضول)

وحلت المؤسسة العسكرية بديلاً لمؤسسات المجتمع المختلفة في كافة القطاعات، وحصل قادتها وأفرادها على امتيازات مالية متتالية، من زيادة الرواتب والمعاشات لأكثر من 4 مرات عقب الثلاثين من يونيو بزيادات كبيرة، في حين ظلت مرتبات ودخول عوام المصريين ثابتة لا تتحرك أمام زيادات ضخمة في أسعار السلع الحياتية اليومية، وسط اتجاه من جانب النظام لتسريح عدد كبير من موظفي الجهاز الإداري للدولة، المقدّرين بمليون موظف.
وهو ما بدأت تظهر ملامحه في عدد من التحركات أخيراً، أبرزها مشروع قانون يستعد النائب محمد أبو حامد، عضو ائتلاف دعم مصر المشكل من جانب أجهزة الأمن، يقضي بتخفيض أعداد الموظفين. كذلك حمل تصريح للسيسي نفسه خلال مؤتمر "حكاية وطن"، الأسبوع الماضي، والذي أكد خلاله أن هناك نحو مليون موظف يشكلون زيادة بالجهاز الإداري للدولة ويمثلون عبئاً على الموازنة العامة، وسط خطة لدى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة المعني بشؤون موظفي الدولة، لتقليص الأعداد.

ولعل من أبرز المظاهر أيضاً لغياب العدالة الاجتماعية، مع حلول الذكرى السابعة للثورة، اعتماد النظام الحالي لخطة تقضي برفع الدعم عن المواطنين، لتخفيض عجز الموازنة. ويؤكد مراقبون أن كل ما يسميه النظام الحالي بقرارات الإصلاح الاقتصادي لا يتحمل تبعاته سوى الفقراء، إذ تم تخفيض الدعم عن أسعار الوقود والكهرباء والغاز المقدم للشرائح المنزلية، في حين كانت النسب المئوية لرفع أسعار تلك المواد للمصانع كثيفة استهلاك الطاقة على سبيل المثال أقل كثيراً، في وقت أهدر فيه النظام مليارات الدولارات على مشروعات غير مجدية كان الهدف منها ترسيخ حكم دولة المؤسسة العسكرية، مثل "ممر قناة السويس الجديد الذي تجاوزت كلفته الـ60 مليار جنيه مصر، العاصمة الإدارية التي لن تستفيد منها سوى الفئات الأعلى دخلاً".

وفي السياق، يقول الخبير الاقتصادي عادل عامر إن "العدالة الاجتماعية لم تتحقق حتى الآن رغم قيام ثورة 25 يناير، ورغم ما حدث في 30 يونيو، لأن هناك خللاً كبيراً في وضع الموازنة العامة للدولة بعد 30 يونيو، بعد أن أصبحت توجَّه إلى خدمة الدين"، مشيراً إلى أن 40% من المصريين باتوا تحت خط الفقر.
كما يؤكد أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي هو الذي يتم من خلال اتخاذ قرارات قائمة على العدالة، فعلى سبيل المثال يتم رفع أسعار الطاقة للمصانع كثيفة الاستخدام للطاقة سواء المازوت أو الكهرباء، ورفع أسعار المياه لشرائح معينة من المواطنين الذين يسكنون القصور والفيلات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، في ظل وجود حمامات سباحة.