اليمن في 11 فبراير: سلمية الثورة إلى حرب الانقلاب

11 فبراير 2017
الصورة
تحولت الثورة إلى مسلحة بفعل الانقلاب (أحمد الباشا/فرانس برس)
+ الخط -


في الذكرى السادسة لثورة 11 فبراير/ شباط 2011، يبدو اليمن وقد قطع شوطاً كبيراً بإسقاط الثورة المضادة، بعد أن حاولت اختطاف مسار التغيير، الذي نادى به الشباب الثائرون قبل ست سنوات، لكن السلمية التي كانوا يرفعونها تحولت مع الانقلاب، إلى عنف مسلّح يدفع ثمنه اليمنيون حتى اليوم. وتتباين الآراء التقييمية بين من يلقي المسؤولية على الثورة المضادة وحدها، وبين من يرى أن قوى الثورة نفسها لم تكن منسجمة بالقدر الذي يكفي لتحقيق أحلام الثوار. مع العلم أن قوى الثورة تألفت، في بادئ الأمر، من الشباب الذين خرجوا متأثرين بموجة الربيع العربي في أكثر من دولة عربية، للمطالبة بالتغيير وإسقاط النظام الذي اعتبروه عائلياً. وفي وقت لاحق، ومع طول أمد الثورة، أصبحت القوى الحزبية والاجتماعية المختلفة بواجهة الثورة، وفي مقدمتها أحزاب اللقاء المشترك، وتكتل المعارضة قبل الثورة، المؤلف من حزب الإصلاح والاشتراكي والناصري وأحزاب أخرى صغيرة، وقوى أخرى من الحوثيين إلى الحراك الجنوبي. كما أدت القبيلة دوراً بارزاً جنباً إلى جانب مع الشخصيات العسكرية والمدنية التي انشقت عن النظام. وبعد ست سنوات باتت أغلب هذه القوى متفرقة، فالحوثيون وحدهم صاروا مع المخلوع علي عبدالله صالح، فيما الحراك الجنوبي ينظم أوراقه بعيداً، ونزحت أغلب القيادات الحزبية والسياسية والشخصيات المشاركة بالثورة، إلى خارج البلاد، منذ اجتياح الحوثيين العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، ثم تصاعد الحرب مع بدء التدخل العسكري العربي في 26 مارس/ آذار 2015.

في هذا السياق، يلخّص فؤاد، أحد جنود الجيش ممن جرى تجنيدهم في صفوف قوات الشرعية، الموقف بالتالي: "جئناهم بالسلمية وكانت أعظم ثورة، لكنهم حاولوا الالتفاف على الثورة بالانقلاب، وها نحن قادمون إليهم بالسلاح"، في إشارة إلى الهجوم على تحالف الانقلاب المؤلف من الموالين للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح وجماعة أنصارالله (الحوثيين). ويرى فؤاد في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "الثورة مستمرة ولكنها تطورت إلى ثورة مسلحة".

وفي عام 2011، انقسمت القوى اليمنية بين الثورة التي انضمت إليها جميع أحزاب المعارضة تقريباً، وعدد كبير من الشخصيات المحسوبة على النظام نفسه، بما فيها قيادات في حزب المؤتمر (الحاكم قبل الثورة)، وقيادات عسكرية. وسيطرت القوى المؤيدة للثورة على أجزاء من العاصمة، فيما تخندق النظام بالأجزاء الأخرى. وفي عام 2014، تحالف الحوثيون مع الرئيس المخلوع، واستعادوا السيطرة على العاصمة، ليجبروا الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي، على مغادرتها في فبراير/ شباط 2015، قبل أن يتسبب الانقلاب بالحرب الأوسع في تاريخ البلاد. ومع تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، انحسر مشروع الانقلاب، شيئاً فشيئاً، بدءاً من خسارته المحافظات الجنوبية والشرقية للبلاد، مروراً بمحافظة مأرب المحاذية لصنعاء من الشرق، وصولاً إلى الجوف وأجزاء من تعز والشريط الساحلي الغربي، وحتى أجزاء من صنعاء.



في مأرب، تألفت قوات الجيش من ألوية انحازت إلى الشرعية، ومجنّدين أغلبهم من شباب الثورة ورجال القبائل المؤيدين لها، الذين يقفون اليوم على بعد عشرات الكيلومترات من صنعاء، ويتوعدون بالدخول إليها لإنهاء بقايا النظام السابق، وسيطرة الانقلابيين حالياً. وكان الحوثيون أنفسهم جزءاً من الثورة في بادئ الأمر، لكنهم في الواقع لم ينسجموا مع القوى التي تصدرت واجهتها، ومنها حزب الإصلاح ذو التوجه القريب من الإخوان المسلمين، والعسكريين المنشقين عن النظام، وعلى رأسهم اللواء علي محسن الأحمر (آنذاك)، والفريق حالياً ونائب رئيس الجمهورية منذ إبريل/ نيسان 2016.

تبدو مأرب اليوم كما لو أنها محور حركة الثورة وقواها التي خرجت بوجه نظام صالح، فيما عدن باتت العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية التي أوجدتها الثورة لمرحلة انتقالية، كان من المقرر أن تستمر لعامين، لكن الأوضاع والتحولات التي شهدتها الأعوام الماضية، وأبرزها الثورة المضادة، أوجدت وضعاً ملغوماً دفع لتأجيل الانتقال السلمي، وتحول الانقسام السياسي إلى انقسام بالسيطرة الجغرافية، بين المحافظات الشمالية التي يسيطر الانقلابيون على الغالبية منها، وبين الجنوب والشرق والوسط، الواقعين تحت سيطرة خليط من قوات الشرعية والقوى المحلية، يجمعها موقفها ضد الانقلاب.

ويتفق أغلب الثوار بعد ست سنوات، على مسؤولية صالح وبقايا نظامه عما آلت إليه البلاد من حرب منذ ما يقرب من عامين، لكنهم يختلفون في مدى تقييم هذه المسؤولية، بين من يلقيها على الطبيعة الخاصة للنظام الذي استهدفته ثورة فبراير، وبين من يلقي جزءاً منها على قوى الثورة نفسها.



في هذا الصدد، يقول عضو اللجنة التنسيقية للثورة، عبدالهادي العزعزي، لـ"العربي الجديد"، إن "نظام صالح ذا البنية المترابطة كان نظاماً من الفوضي الظاهرية التي أنهكت اليمن قرابة ثلاثة عقود ونصف، وأرهقت البلاد منذ عامين. وما يجري هو تطور طبيعي جداً لعدم فهم الأنظمة العربية لنظام صالح وبنيته الداخلية وعلاقاته عامة".

ويشرح العزعزي، الذي يعمل حالياً وكيلاً لوزارة الثقافة، أن "صالح بنى نظاماً عصبوياً عائلياً قبلياً جغرافياً، وكان حليفاً منذ البداية لنظام من الأسر الزيدية (المحسوبين على الحوثيين) شكّله في الأساس ما يعرف بالأجهزة العميقة لبنية نظام سلطته". وأوجد "نظاماً مائعاً يمسك هو مفاصله بقوة حديدية وأوجد نظامين للجيش وعدداً من الأجهزة الأمنية، وكوّن إمبراطورية مالية وأصبح بيده جيش لا أحد يعلم كم عدده، هل هو جيش أم مليشيا. وكوّن بالتالي نظاماً مالياً فاسداً وخلق منظومات مالية تهيمن على 80 في المائة من دخل الجمهورية اليمنية، وقام بإفقار كل القوى التي لا يضمن ولاءها له".

من جهته، يقول الناشط الحقوقي، نجيب السعدي، لـ"العربي الجديد"، إنه "كانت في اليمن ثورة سلمية في عام 2011 ضد نظام صالح قام بها شباب أنقياء"، لكنه يرى أن "هذه الثورة تعثرت بسبب سلبية تعاطي القوى السياسية مع الثورة التي لم تكن على قدر الحدث. وأيضاً هناك من كان مع الثورة ودخلها في سبيل أجندة خاصة، ومثّلت لهذه القوى حصان طروادة لتحقيق أهداف خاصة". ويضيف أن "انقلاب جماعة الحوثي على أهداف الثورة ومحاولة السيطرة على الحكم وفرض أجندتها بقوة السلاح غيّر قواعد اللعبة، إذ تحالف الحوثي الذي كان جزءاً من الثورة مع نظام صالح، ليتم توجيه البلاد إلى صراع جمهوري إمامي (النظام الذي كان سائداً في اليمن قبل ثورة سبتمبر/ أيلول 1962)، لأن الحوثيين يحاولون إحياء فكرة الإمامة، وأصبحت أحداث اليوم امتداداً لثورة سبتمبر 1962 أكثر منها امتداداً لثورة فبراير 2011".

إلى ذلك، يرى محافظ الجوف الأسبق، حسين العجي العواضي، أن "مسار ثورة فبراير يتوقف على قدرة الشرعية على خلق نموذج أفضل يلبي طموحاتنا في محافظات الشرعية". ويقترح أن "يخرج الإصلاح والحراك من الذهنية الإقصائية"، قائلاً في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "أخطاء ما بعد الثورة، يتحملها الجميع، وفي المقدمة تحالف اللقاء المشترك، لأنه لم يتم التوافق على ما بعد صالح، لذلك عرقلوه عندما رأوه يترنّح. ما أدى إلى القبول به شريكاً، وأقصد هنا صالح، لا حزب المؤتمر".

المساهمون