الوضع "الطبيعي الجديد" للاقتصاد المصري

02 يناير 2018
الصورة
تراجع في مستوى معيشة المصريين بعد التعويم (العربي الجديد)
+ الخط -


شاع استخدام تعبير "الوضع الطبيعي الجديد"، أو الـ New Normal، خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة، وخاصة في أعقاب أحداث الحادي عشر من ايلول / سبتمبر 2001، وكانت أشهر المناسبات التي سمعنا به فيها عندما استخدمه الاقتصادي الشهير محمد العريان في وصف الحالة الاقتصادية التي أدت لحدوث الأزمة المالية العالمية في 2008-2009.

وبعد استخدام العريان للتعبير، تلقفته وسائل الإعلام الشهيرة وأعادت إنتاجه، فجاء في نشرات محطة ايه بي سي الإخبارية، وسمعناه من هيئة الإذاعة البريطانية، وقرأناه في جريدة النيويورك تايمز.

وفي كل حالات استخدامه، كانت السمة الأساسية هي التعبير عن حالٍ كان يفترض ألا يكون إلا استثناء، لكنه أصبح لظروف معينة وضعاً طبيعياً، اعتاده الجميع، وصار ما دونه هو الاستثناء.

وفي وطننا العربي، كثُرَت الأوضاع الجديدة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وعانت الشعوب منها بصورة مؤلمة، لكن كان الأكثر إيلاماً هو محاولات المستفيدين من تلك الأوضاع، أو المتسببين فيها، اعتبارها "أوضاعاً طبيعية جديدة"، وهو ما أدى بالكثيرين للانغماس في محاولات التعايش معها، بدلاً من العمل على الرجوع إلى الأوضاع "التي كانت طبيعية".

وشهدت مصر واحدة من أكثر الحالات الصارخة للأوضاع الاقتصادية الطبيعية الجديدة، وكانت التحولات كبيرة وصادمة، وعصفت باستقرار حياة أكثر من 90% من الشعب المصري بطبقاته المختلفة، إلى أن فوجئنا بظروف لم يكن أشد المتشائمين يتخيل الوصول إليها، ناهيك عن اعتبارها أوضاعاً طبيعية.

فبعد أن كان الدولار يُشترى بحوالي ستة جنيهات مصرية، وصل إلى ما يقرب من العشرين جنيهاً، قبل أن يستقر عند مستوى 17.75 جنيهاً للدولار، وأصبح وصوله لمستوى 17.50 يعد انخفاضاً.

وبعد أن سعدنا بمبلغ الـ 1200 جنيه مصري الذي تم إقراره كحدٍ أدنى للأجر، وكان وقتها يساوي أكثر من 160 دولارا، إذا بنا أمام واقع يقول إن هذا الحد الأدنى لن يتجاوز السبعين دولاراً.

وبعد أن كانت معدلات الفائدة على أذون الخزانة لمدة عامٍ واحدٍ تتراوح بين 12% و 13%، لم نعد نندهش عندما نراها تتجاوز العشرين بالمائة، بل وانتشرت في البنوك، العامة والخاصة، الأوعية الادخارية التي تدفع للعملاء معدلات فائدة تصل إلى عشرين بالمائة، وكنا في بداية السنوات السبع الأخيرة نندهش إذا رأينا معدل الفائدة يقترب من 12%.

ودخلنا تلك السنوات العجاف بديون خارجية لا تتجاوز الخمسة والثلاثين مليار دولار، وإذا بها في الوضع الطبيعي الجديد تتجاوز تسعة وسبعين ملياراً، ثم ها هي الحكومة تتفق على اقتراض ما يزيد عن عشرين ملياراً أخرى لإنشاء محطة الضبعة النووية، بالإضافة إلى "بضعة مليارات من الدولارات" تعتزم الحكومة إقتراضها مع مطلع العام الجديد عن طريق بيع سندات بعملتي الدولار واليورو، كما أعلن وزير المالية.

ولكي تكتمل صورة الوضع الطبيعي الجديد فيما يخص الديون الخارجية، جاءت النسبة الكبرى من القروض الجديدة، أكثر من 90% منها، دون الحصول على موافقة البرلمان، خلافاً لما ينص عليه الدستور المصري الحالي.

ولم ينج الدين العام المصري من الأوضاع الطبيعية الجديدة، فقد تجاوز الرقم 3.5 تريليونات جنيه، ليغطي الناتج المحلي أكثر من مرة وربع، وكانوا من قبل يقترضون أقل من ثلاثة أرباعه، وقد أدى ذلك إلى استحواذ بند خدمة الدين العام وحده على ما يزيد عن 35% من إجمالي نفقات الحكومة في العام، وبمبلغ لا يقل عن أربعمائة مليار جنيه، لو قسمت على عدد أيام السنة، لتجاوز الإنفاق اليومي مبلغ المليار جنيه. وهذا المبلغ يخص الفائدة المدفوعة على المبلغ المقترض فقط، ليبقى أصل المبلغ المقترض كما هو دون تغيير.

هذه الأوضاع هي ما يحاول البعض تسويقه لنا باعتباره الوضع الطبيعي الجديد للاقتصاد المصري. لكن هيهات هيهات لما يسوقون، فقد فات عليهم أن هذا الوضع، وإن بقي لبعض الوقت، فإنه غير قابل للاستمرار.

فالمواطن المصري لن يستطيع الاستمرار في العيش مع السعر الحالي للدولار، ولن يصمد أجر لا يتجاوز 2.5 دولار في اليوم أمام الارتفاعات المتتالية للأسعار، خاصة مع اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي على إلغاء الدعم على كافة أنواع الوقود – باستثناء الغاز المسال – بنهاية يونيو/حزيران 2019، وهو ما بدأ بالفعل منذ العام الماضي، وبلغت نسبة ارتفاعات أسعار بعض أنواعه 100%.

كما أن معدلات الفائدة الحالية لا تسمح بزيادة معدلات الاستثمار، على الرغم من اتفاق الجميع على أن تلك الزيادة لا غنى عنها لتحسين أوضاع الوطن والمواطن، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية المنشودة. ولو أعاد أغلب أصحاب الأعمال حساباتهم، لآثروا السلامة، وباعوا مشروعاتهم، واحتفظوا بأموالهم في أي بنك أو اذن خزانة، يحقق لهم 20%، بعيداً عن أي مخاطر أو تعقيدات روتينية.

أما مستويات الدين الحالية فهي قاصمة، ولو توقفت الحكومة عن الاقتراض الإضافي تماماً لسنوات، لزادت الديون بمعدل 14% - 15%، وهي متوسط تكلفة القروض الحالية.

ولو استمرت معدلات النمو الحالية 4% - 5%، مع معدلات الفائدة الحالية على القروض (14% - 15%)، فإن النتيجة الحتمية هي انخفاض معيشة المواطن المصري بمعدل 9% -11% كل عام، وهو ما يعني استحالة اعتبار تلك أوضاعاً طبيعية جديدة!

أعرف جيداً أن المسؤولين في الحكومة الحالية سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يقتنعون، وينتظرون فيضان الخير من قناة السويس الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، وحقول الغاز الجديدة!

لكن يجب الحذر. فالاقتصاد ليس كالسياسة أو الاجتماع. ولو فرضت الظروف على المواطنين تقبل الأوضاع الطبيعية السياسية والاجتماعية الجديدة، فإن احتمالات تقبل الأوضاع الاقتصادية الجديدة تكاد تكون معدومة.

ومع نفاد الحلول، فقد نجد أنفسنا نبحث عن جزر جديدة "لردها لأصحابها"، أو أراضٍ لبيعها، ولا أظن الشعب سيتسامح وقتها كما فعل من قبل.

المساهمون