الزعتر يدعم نساءً في عين الحلوة

19 اغسطس 2020
الصورة
تنظيف الزعتر من الشوائب (العربي الجديد)
+ الخط -

رحلة يومية تخوضها نساء كثيرات في مخيم عين الحلوة باتجاه الجبال المحيطة، لقطاف الزعتر وبيعه، وتوفير دخل يعينهن في وجه الأزمة المعيشية الحالية

في ظل الضائقة المعيشية للفلسطينيين في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، في صيدا، جنوبي لبنان، بالترافق مع الأزمة الاقتصادية الكبرى في لبنان، وفقدان كثيرين عملهم، باتت الجبال التي ينبت فيها الزعتر (أو الصعتر) ملجأ لكثير من نساء المخيم خصوصاً. فهذه النبتة تشكل مصدر دخل يكفي الأسر في الاتكال على نفسها. وحين يبدأ موسم الزعتر تتوجه النساء إلى الجبال لقطافه. يجهزن العدة، ويحملن الزوادات، ويخرجن باكراً في ساعات الصباح الأولى، قاصدات أماكنه. وبذلك، يحصلن على ما يمكنهن بيعه من الزعتر، كما يمضين أوقاتاً ممتعة في أحضان الطبيعة.

رجاء إبراهيم واحدة من الباحثات عن الزعتر. بعد جلبه إلى المنزل تنظفه من الأعشاب الأخرى إن وجدت، ثم تجففه استعدادًا لـ"دقه"، أي طحنه باستخدام أدوات يدوية غالباً، مثل المدقة المستخدمة لأكلات الكبة (لحوم نيئة وغيرها) في لبنان. هكذا يصير الزعتر جاهزاً للبيع، وتُضاف إليه في هذه العملية، غالباً، عدة مكونات أبرزها السماق والملح. وقبل تجهيزه للاستخدام في المناقيش (معجنات تخبز في فرن أو فوق صاج) يضاف إليه السمسم والزيت.
تقول رجاء، غير المتزوجة، بل تعيش مع والدها المسنّ ووالدتها وأخواتها الثلاث، وجميعهن يعملن في إعداد المونة (المؤونة) البيتية، إنّ لكلّ موسم مونته، من الزعتر إلى الحرّ (الفلفل) المطحون، بالإضافة إلى العمل في قطاف موسم الأكيدنيا (المشمش الهندي) في موسم قطافه، وتوضيبه، علماً أنّ حقول قضاء صيدا مشهورة به. وبمثل هذا النشاط للأسرة تتمكن من إعالة نفسها من دون الحاجة إلى أحد.
رجاء وأسرتها من بلدة عمقا بفلسطين المحتلة. تعيش في مخيم عين الحلوة، وتقول عن نفسها: "لم أكمل تعليمي، فقد توقفت عنه بعدما أنهيت الصف الثامن الأساسي، وبعد ذلك بقيت في البيت لمساعدة أمي في تدبيره، إلى أن احتجت للبحث عن عمل. صرت أعمل بالإعانات الغذائية، فعندما كانت وكالة أونروا توزع تلك الإعانات المعروفة بالإعاشات، كنت أشتري ما لا يحتاج إليه مستحقها، منه، مهما كان، كالزيت، والحليب، والطحين وغيره، ثم أبيعه لمن يحتاج إليه. وهو عمل بقيت فيه نحو سبع سنوات إلى أن توقفت أونروا عن توزيع الإعاشات، فلم يعد لديّ عمل، وكانت أختي معتادة على قطف الزعتر في موسمه فبتّ أذهب معها، علماً أنّ عملي بالدرجة الأولى هو لإعالة والديّ". 

الصورة
زعتر عين الحلوة- العربي الجديد

تتابع لـ"العربي الجديد": "كانت أختي تذهب مع صديقاتها لقطف الزعتر، فصرت أرافقهن. لكن، لم يقتصر العمل على الزعتر، بل نعمل في قطاف الزيتون، وبإعداد الحرّ (الفلفل) المطحون. كذلك، نعمل في دقّ (طحن) السماق، بالأجرة لمن يريد، وغيرها من أعمال ترتبط بالمواسم". تعلق: "كلّ هذا أفضل من العمل لدى الآخرين، لكنّنا في الأساس اخترنا العمل في المنزل لفقداننا فرص العمل في الخارج. نحن أربع بنات في البيت، نعمل جميعاً مع والدتنا، وكلّ ما نحصل عليه من دخل مقسّم علينا جميعاً".
أما خولة عبد الهادي، وهي من بلدة غوير أبو شوشة، في فلسطين المحتلة، وتعيش في مخيم عين الحلوة، فتقول: "لم أتعلم، ولم تكن لي مهنة أعتمد إليها. حاجتي للمال جعلتني أعمل في أكثر من مجال، ففي البداية عملت في الخيام الزراعية، إذ نقطف الخضار ونقتلع الأعشاب الضارة التي تنبت بين الزرع، وكنت بحسب ما أذكر في العشرين من عمري يومها قبل أكثر من ثلاثين عاماً، فعملت هناك نحو خمسة أعوام، وبعدها أوقف صاحب العمل مشروعه، فبقيت بلا عمل لنحو خمسة أعوام أيضاً إلى أن تزوجت. لم أرزق بأولاد، وبسبب وضع زوجي المادي الصعب قررت العمل في قطاف الزعتر في موسمه ودقّه وبيعه". تعلّق: "الذهاب لقطاف الزعتر عمل وتسلية في الوقت نفسه، فزوجي يعمل في بقالة في سوق مخيم عين الحلوة، ويتقاضى بعد زيادة يوميته من 15 ألف ليرة، عشرين ألف ليرة لبنانية (أي أقل من 3 دولارات يومياً بحسب سعر الصرف الفعلي، وهو 7000 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد) بعد تدهور سعر صرف الليرة. بيتنا بالإيجار تبلغ قيمة إيجاره الشهري 200 ألف ليرة (نحو 30 دولاراً)، بالإضافة إلى اشتراك المولد الكهربائي، والإنترنت والحاجات المعيشية اليومية. لذلك، قررت العمل والمساعدة، كما أنّني وابنة زوجي نعمل لدى سيدة في المخيم كلّ يومين فنساعدها في تنظيف المنزل، وتعطينا لقاء عملنا عن كلّ يوم عمل، نحن الاثنتين، ستين ألف ليرة لبنانية (نحو 8.5 دولارات)".

من المعروف أنّ الزعتر هو طعام الفقراء في لبنان غالباً، ويباع الكيلوغرام الواحد منه في سوق المخيم بستين ألف ليرة (نحو 8.5 دولارات) إذا كان مخلوطاً بالسمسم، وبخمسين ألفاً (7 دولارات تقريباً) من دون سمسم.