منقوشة

26 يوليو 2020
الصورة
تنتفخ على نار حامية (جوزيف عيد/ فرانس برس)

"بخيل سأل زوجته: ماذا طبختِ لنا اليوم؟ فأجابت: زعتر وزيت. فزجرها صارخاً: اللعنة عليكِ... طبختان!". هذه النكتة المتداولة منذ زمن طويل في لبنان، وبلهجة ومصطلحات إحدى المناطق التي يُفقدها التحويل إلى الفصحى وقعها وتأثيرها، تعتمد كما الرسم الكاريكاتوري تضخيم الموقف والمبالغة فيه لتسليط الضوء على نقطة محددة. فأكلة الزعتر - أو الصعتر- والزيت النباتي مع الخبز، الشعبية جداً، ليست أكلة مكتملة الأركان. هي ليست طبخة في الأساس، بل مجرد وسيلة لإسكات البطون الجائعة، لا سيما بطون الصغار، مع كلّ ما في التراث من شواهد حول قدرتها السحرية على تمكينهم من حفظ دروسهم بسهولة.
الشكل الأكثر شهرة من الزعتر والزيت، هو المنقوشة. تلك القطعة من عجين القمح، التي تقصد المخبز لشرائها "مصلحة" (بمعنى جاهزة)، أو تجلب خليط الزعتر والزيت معك، وتطلب عجينة توزع عليها ما جلبت، وتنتظر خروجها من الفرن، أو من فوق الصاج، محمّصة الوجه، تحمل فقاعات كبيرة وصغيرة بحجم ما نقشت فوقها بأصابعك قبل إدخالها إلى الفرن.
لكنّ المنقوشة، التي تدلّ على منقوشة الزعتر باختصار، بات لديها منذ عقود طويلة عدة أشقاء، أولها منقوشة الجبنة، واللحمة بعجين، والصفيحة، ثم تشكيلة من اللحوم كالكفتة والسجق والمرتديلا والحبش، والأجبان والألبان المختلفة كالقشقوان والبلغاري والأجبان الثلاثة واللبنة، والخضروات كالبندورة والبصل، والسبانخ، ثم الكشك، واختراعات كثيرة تدخل في إطار البيتزا والفطائر. وبينما ارتفع سعر منقوشة الجبنة، وهي الأرخص مباشرة بعد الزعتر، إلى 5 آلاف ليرة (3 دولارات أميركية وثلث) أقلّه، ناهيك عن ارتفاع كلّ تلك الأنواع المذكورة أكثر من ذلك بكثير، تقول عاملة الصاج في الحيّ الشعبي إنّها تخجل من طلب هذا السعر من زبائنها، ما دفعها إلى وقف بيع جميع الأنواع في ما عدا المنقوشة الأصلية: "سنعود كما كان أجدادنا... زعتر فقط لا غير".
منقوشة الزعتر نفسها التي لطالما كانت الفطور الأساسي لكثير من اللبنانيين بسعرها جاهزة الذي لا يتجاوز 500 ليرة (ثلث دولار) ثم ألف ليرة (ثلثي دولار) قبل فترة، باتت الآن بألفي ليرة (دولار وثلث)، كأنّها تطبق المتوالية الهندسية لمالتوس، على مستوى ارتفاع الأسعار، بسخرية معكوسة تواكب الانهيار في الليرة اللبنانية وقدرة اللبنانيين الشرائية؛ فكلما انخفضت القيمة الشرائية ارتفع سعر المنقوشة.

لا منطق في ذلك، لكنّه منطق خاص بمن يقفون خلف هذا الانهيار في القدرة الشرائية، أولئك الذين يختبرون مدى قدرة اللبنانيين على الصبر وتقليص ما يستهلكون، حتى تصبح نكتة الزعتر والزيت حقيقة، في أنّ هذين المكونين اللذين يختلطان ليشكلا تلك الأكلة الفقيرة، هما طبختان كاملتان في حقيقتهما، ولا يجدر بأحد أن يعدّهما معاً... إذا ما استمرّ قادراً على الحصول عليهما.