مطابخ بيتية... فلسطينيون يحوّلون منازلهم إلى مصدر رزق

11 اغسطس 2020
الصورة
تجيد إعداد المعجنات (مجدي فتحي/ Getty)

بعض النساء اللواتي يهوين الطهي ويتمتعن بحسّ المغامرة في فلسطين، اخترن الطبخ البيتي والترويج للمأكولات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد حوّلن الهواية إلى مصدر رزق 

اختارت فلسطينيات يهوين الطهي، تحويل بيوتهن إلى مطابخ. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تمكنّ من تسويق المأكولات التي يصنعنها وبيعها، ما وفّر لهن مصدر رزق. لكن الأمر لا يقتصر على النساء فقط، وإن كنّ كثيرات.
قررت نسرين غزال (38 عاماً)، التي تتحدر من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، تجربة الطبخ المنزلي وتسويق مأكولاتها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وبات مطبخها اليوم أحد أشهر المطابخ التي تحظى بإقبال كبير من قبل الناس. كان ذلك قبل سبع سنوات، حين قررت الاستقالة من عملها في إحدى مؤسسات المجتمع المدني والانخراط في مجال جديد مختلف كلياً، هي التي تحمل شهادة بكالوريوس في القانون، ودراسات عليا في العلوم الإنسانية من جامعة إيطالية.

وحين اشتهرت غزال، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي زوجها مالك عبده مدة أربع سنوات ونصف السنة. وعلى الرغم من زيادة الأعباء عليها خصوصاً أنها أم لثلاث طفلات، إلا أن ما حدث معها شكل دافعاً إضافياً لها لتجتهد وتطور عملها وأسلوبها في الطبخ.
تقول غزال لـ "العربي الجديد": "أهوى الطهي منذ صغري. لذلك، افتتحت مشروعي الخاص، وهو مطبخ تبولة، لإعداد الأطعمة الجاهزة، على الرغم من التعب وساعات العمل الطويلة، واختلاف الأذواق. لكنني أتفهم أن لكل واحد منا طريقته في الأكل وذوقه الخاص". البداية كانت مع اشتراك غزال في مسابقة "شيف فلسطين"، وقد نالت المركز الثاني فيها، ما عزز لديها الرغبة في الطبخ. واليوم، باتت تتقن إعداد مختلف أنواع الأطعمة إضافة إلى الحلويات على أنواعها. 
واستفادت غزال من وسائل التواصل الاجتماعي وعلاقاتها من خلال عملها السابق، وبدأت تصوير ونشر ما تعده من أطباق وتأخذ على محمل الجد كل الملاحظات التي تصلها من الزبائن. وأنشأت صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي باسم مطبخ تبولة. كما تتابع بعض مشاهير الطبخ عبر فيسبوك ويوتيوب. وتقول غزال: "عالم الطعام والطبخ كبير. ولكل شخص  طريقته وأسلوبه في الطهي. لذلك، أتابعهم لأطور نفسي. صحيح أن كثيراً من المواد الخام لا تتوفر في أسواقنا مثل أنواع محددة من اللحوم والأجبان والبهارات، لكنني أحاول أن أملأ الفراغ من خلال المطبخ الفلسطيني، وابتكرت أكلات جديدة لاقت قبولاً".

الصورة
مطابخ بيتية في فلسطين (العربي الجديد)

المسخن والمفتول
استطاعت عائشة حسن (52 عاماً)، وهي من ضواحي مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، افتتاح مطبخ متخصّص بالأكلات التراثية، يوفر فرص عمل لخمس نساء بشكل دائم، وأخريات يعملن بحسب الحاجة. تقول: "دعوت أقاربي إلى العشاء وقدمت لهم المسخّن، فأثنوا عليه. صحيح أنّني اعتدت إعداده قبل زواجي، لكن كلامهم دفعني جدياً للتفكير بالعمل في مجال الطهي وإعداد المسخن لمن يطلبه". وكانت حسن تخشى أموراً عدة، أولها أنها تسكن في قرية، ومعظم النساء فيها يتقنّ إعداد المسخن، إضافة إلى خشيتها رفض عائلتها. لكنها تقول إنها ما إن طرحت الفكرة خلال سهرة عائلية، حتى قوبلت بدعم كبير وغير مسبوق من زوجها وأولادها. "فرحت كثيراً، وأعلنت لأهالي القرية أنني جاهزة لتلبية طلبات الزبائن من المسخن، لتنهال عليّ الاتصالات من النساء قبل الرجال، خصوصاً خلال الولائم والأفراح والدعوات".
بنات حسن ساهمن في الترويج لمأكولاتها، فيما عمل زوجها وابنها على تأمين المواد ونقل الطلبيات إلى المنازل. وخلال أقل من عامين، كانت العائلة تنشئ مطبخاً متخصصاً بالأكلات التراثية، مثل المسخن والمفتول والقِدرة والزرب والمنسف والكبة، وغيرها. وتقول حسن: "وصلنا إلى معظم البلدات المجاورة، واليوم بات المطبخ مصدر رزق لنساء يعملن معي بشكل دائم. وفي حال كانت هناك ولائم وأعراس، أستعين بأخريات. صحيح أن العمل تراجع بسبب حالة الطوارئ نتيجة تفشي فيروس كورونا، لكن الناس بطبيعة الحال لا تتوقف عن الأكل".

الحلونجي 
ولا يقتصر إعداد الطعام والحلويات على النساء. فارس أنيس يتقن إعداد الخبز والمعجنات على أنواعها، مستفيداً من عمله السابق في أحد الفنادق في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 لنحو عشر سنوات. يقول أنيس لـ "العربي الجديد": "منذ عامين، واجهت مشكلة في عملي، وجلست أسابيع عدة أبحث فيها عن فندق أو مطعم أعمل به في الضفة الغربية لكنني لم أوفق. بكل صراحة، كان الراتب المعروض علي قليلاً جداً بالمقارنة مع ما كنت أتقاضاه، حتى جاء يوم كنت أتصفح فيه مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا بي أقع على صفحة تروج لأنواع مختلفة من الكعك التقليدي والمعجنات. أعجبتني الفكرة، وبدأت أعد الأصناف التي أتقنها وأصورها وأنشرها على بعض المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة برقمي، فبدأت الاتصالات تتوالى، وكانت البداية". و"الحلونجي" هو الاسم الذي اختاره أنيس له، والذي ينهي من خلاله تغريداته ويعدد مكونات ما يصنعه من أطعمة وحلويات وتحديداً "الكروسان".

يقول: "يمكنك أن تصنع من الدقيق عشرات بل مئات الأنواع من المعجنات. البعض يضيف إليها الجبن والبيض والزعتر، وهو ما نطلق عليه المناقيش. لكن الفن هو في الابتكار". 
ما يميز الحلونجي هو قدرته على لفت الأنظار من خلال الزينة. ويقول: "العين تأكل قبل الفم أحياناً. وهذا ما أؤمن به. لذلك، أضفي على المعجنات والكعك لمسة جمالية مستعيناً بالفاكهة والجبن والكريما والمكسرات وغيرها".