الخليجيون وتحدِّي العيش بدون عمالة وافدة

04 يوليو 2020
الصورة
توقعات بانخفاض معدل التوظيف بشكل عام في دول الخليج (فرانس برس)

تفعل أزمة انهيار أسعار النفط وكورونا المزدوجة ما بوسعها لقطع الحبل السّرِّي الذي يربط الخليجيين بالعمالة الوافدة التي يستحيل الاستغناء عنها في دول الخليج والتي يتَّكل مواطنوها على العمال الأجانب في أداء أبسط الوظائف، فقد أجبر انخفاض أسعار النفط الحكومات الخليجية على الاستسلام لسياسة شدّ الأحزمة وذلك انصياعًا لما تُمليه الحقبة الجديدة من التقشُّف.

ومن ناحية أخرى حوَّلت جائحة كورونا معسكرات العمل المزدحمة والمساكن الضيِّقة المكتظّة، التي تؤوي العمالة الوافدة، إلى بؤرٍ ساخنة لتفشِّي هذا الفيروس الذي يتربَّص بالمواطنين الخليجيين من كل ناحية ودفعهم إلى مطالبة حكوماتهم بحمايتهم باتِّخاذ كافة الإجراءات اللازمة والضرورية حتى إن استدعى الأمر ترحيل العمالة الوافدة.

والسؤال الذي يُطرح بقوّة هنا، هل سيتمكَّن الخليجيون من الاستغناء عن العمالة الوافدة من آسيا وأفريقيا والدول العربية وقبول أداء كل الوظائف مهما كانت طبيعتها، من تعليم، تمريض، توصيل، تنظيف، بناء، فلاحة، تصنيع، خدمة الأكثر ثراءً، إلخ من الخدمات التي تتطلَّب جهدًا كبيرًا وصبرًا مريرًا ونفسًا طويلًا مقابل أجر زهيد مقارنة بالأجور المرتفعة التي تعوَّد المواطن الخليجي على تقاضيها؟

جزء من الإجابة عن هذا السؤال يكمن في مدى انزلاق المزيد من المواطنين الخليجيين نحو براثن الفقر المدقع والبطالة، ولا سيَّما إذا ازدادت حدّة الإجراءات التقشُّفية والتي عادة ما تكون أشدّ وطأة وألمًا على الطبقة المتوسطة والفقراء.

وبالرغم من جهود توطين الوظائف وتشجيع توظيف الخليجيين في القطاع الخاص، لا يزال انخراط الخليجيين طاغيًا في القطاع الحكومي حيث يعمل ما يقرب من ثلثي مواطني دول الخليج العربي في هذا القطاع الذي يقدِّم مزايا مالية وأجورًا عالية.

ويعتبر القطاع الخاص الملاذ الرئيسي عندما تضغط الإجراءات التقشُّفية على الإنفاق في القطاع العام، وستُفسح أزمة كورونا والنفط مجالًا أكبر للخليجيين في القطاع الخاص من خلال إعادة العمالة المهاجرة إلى ديارها، فقد قدَّر تقرير "Oxford Economics"، الصادر في 22 مايو/ أيار 2020، عدد العمالة الأجنبية التي ستغادر السعودية والإمارات خلال العام الجاري بحوالي 1.7 مليون عامل وما يقارب 900 ألف عامل أجنبي على التوالي. كما توقَّع التقرير انخفاض معدل التوظيف بشكل عام في دول الخليج بنحو 13 بالمائة.

يتمسَّك مؤيِّدو طرد العمالة الوافدة من الخليج بحجّة توفير تحويلاتهم البالغة نحو 120 مليار دولار سنويًا ظنًّا منهم أنّها ستكفي لسداد فاتورة أجور الخليجيين العاملين في القطاع الحكومي

لطالما تحجَّجت الحكومات الخليجية بمزاحمة العمالة الأجنبية لنظيرتها الخليجية على فرص العمل في القطاع الخاص وها هو تأثير دومينو "كورونا" قد أطلق صافرة بداية موسم حافل بالتفنيشات مُخليًا الساحة للخليجيين، فهل هُم على استعداد لسدّ الفراغ الذي تخلِّفه عودة العمالة الوافدة من حيث جاءت؟ علمًا أنّ هذه العمالة تشكِّل العمود الفقري للقطاع الخاص في سوق العمل الخليجي بنسبة تُقدَّر بنحو 89 بالمائة، حيث تُقدَّر نسبة مشاركة العمالة الأجنبية في سوق العمل بـ95 بالمائة في قطر، 86 بالمائة في الكويت، 81 بالمائة في سلطنة عمان، 73 بالمائة في البحرين و57 بالمائة في السعودية، وفقًا لإحصائيات برنامج أسواق العمل والهجرة والسكان في الخليج (GLMM).

وبحسب آخر تقارير منظمة العمل الدولية، لا يزال الأجانب يشكِّلون أكثر من 90 بالمائة من العاملين في القطاع الخاص بالإمارات.

ويتمسَّك مؤيِّدو طرد العمالة الوافدة من الخليج بحجّة توفير تحويلاتهم البالغة نحو 120 مليار دولار سنويًا ظنًّا منهم أنّها ستكفي لسداد فاتورة أجور الخليجيين العاملين في القطاع الحكومي والبالغة، حسب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2018، 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول (والمُقدَّر بحوالي 1.65 ترليون دولار حسب إحصائيات البنك الدولي)، أي ما يعادل 165 مليار دولار.

لقد شرعت بعض الدول الخليجية وبالأخص السعودية والكويت بخفض الإنفاق، تخفيض رواتب فئة كبيرة من العمال والموظفين بنسب تصل حتى 50 بالمائة، وقف صرف بدل غلاء المعيشة، رفع ضريبة القيمة المضافة، التوسُّع الحكومي في سياسة الاقتراض الخارجي والداخلي لتغطية الفجوة التي خلَّفتها الأزمة المزدوجة، وسحب مليارات الدولارات من صناديق الثروة السيادية الخليجية، وليس من المستبعد أن يطاول التقشُّف أسعار السلع الأساسية والوقود.

وإذا ازدادت حدّة الإجراءات التقشُّفية التي تتَّخذها الحكومات الخليجية لمواجهة الأزمة المزدوجة، فستنحسر الطبقة الوسطى للأسفل صوب الفقر، وسيفرض هذا الواقع الجديد، لا سيَّما على المنضمِّين الجدد للطبقة الفقيرة، قبول فرص عمل بمؤهِّلات أدنى ورواتب أقلّ وساعات عمل أطول لضمان القوت اليومي بشكل يصون كرامتهم.

لا يزال احتمال نشر الحكومات الخليجية لمعدلات الفقر بين سكانها مساويًا للصفر، ولكن بالرغم من ذلك تنشر المنظمات الدولية بين الحين والآخر تقارير تؤكِّد حقيقة وجود الفقر في المجتمعات الخليجية. فقد أشار تقرير للبنك الدولي عن الفقر صدر عام 2013، إلى أنّ معدل الفقر في السعودية يُقدَّر بـ12.7 بالمائة، وأنّ 60 بالمائة من السكان لا يملكون منازلهم الخاصة.

وحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش "Human Rights Watch" لسنة 2017، بلغ معدل الفقر 19.5 بالمائة في الإمارات.

ويؤكِّد التقرير على أنّ فجوة الثروة بين الأغنياء والفقراء هناك هي واحدة من أسوأ الفجوات في العالم. وأفاد تقرير صادر عن مشروع بورجن "The Borgen Project"، وهي منظمة غير ربحية هدفها محاربة الفقر في العالم، في عام 2017، بأنّ الكويت توظِّف 75 بالمائة من مواطنيها في القطاع الحكومي، وهو ما يترك عاملًا واحدًا من بين كل أربعة عمال دون دخل لإعالة أسرهم.

كما أشار هذا التقرير إلى أنّ أكثر من نصف مليون كويتي يعيشون في منازل مستأجرة، و100 ألف آخرين تقدَّموا بطلبات لحكومتهم للحصول على منازل، لكنّهم لم يتلقّوا مساكنهم الخاصة بعد.

وأضاف التقرير أنّ العديد من الموظفين الكويتيين يشهدون الفقر في آخر 15 يومًا من كل شهر حتى حصولهم على راتب الشهر التالي بسبب ارتفاع الأسعار والإيجارات وأقساط القروض. كما أكَّد تقرير آخر صادر عن مشروع بورجن في عام 2019، أنّ حوالي 12.2 بالمائة من سكان البحرين يعيشون بأقلّ من 5 دولارات في اليوم، كما يوجد تفاوت كبير في الدخل، حيث يستحوذ أغنى 20 بالمائة من البحرينيين على 41.6 بالمائة من دخل سكان البحرين، وهذا ما يدلّ على أنّ معدلات الفقر ستأخذ منحنًى تصاعديًا خطيرًا إذا أبت جائحة كورونا الرحيل واستعصى رفع أسعار النفط والحفاظ على استقرارها عند المستوى الذي يضمن توفُّر مناصب شغل حكومية للخليجيين.

خلاصة القول إنّ تلك الأرقام تكشف أنّ للفقر في دول الخليج العربي أنيابا ستنمو لتعضّ المزيد من الخليجيين الذين سيسقطون من غربال التقشُّف نحو براثن الفقر إذا خرَّت قوى الحكومات الخليجية أمام توحُّش أزمة كورونا والنفط، وهذا ما سيحوِّل مناصب العمل التي ستتركها العمالة الوافدة وراءها إلى مغناطيس شديد الجاذبية للمواطنين الخليجيين الأكثر فقرًا والأشدّ ضعفًا واحتياجًا، ويبقى السؤال المثير للجدل: هل هم مستعدُّون لقبول تلك الوظائف؟