الحكومة التونسية بعد اختبار الشارع: هل تسقط في المعارك السياسية؟

تونس
وليد التليلي
13 يناير 2018


مع عودة الهدوء الأمني التدريجي إلى المدن التونسية، بدأ السجال السياسي يأخذ مجراه لتقييم حصيلة الأيام الماضية وجرد قائمة الرابحين والخاسرين من تطور الأحداث. وينعقد، اليوم السبت، اجتماع الموقّعين على وثيقة قرطاج مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في محاولة يبدو أنها ستكون الأخيرة لإنقاذ هذه الوثيقة.
وبرزت في الأيام الأخيرة معارك كبيرة بين الحكومة و"الجبهة الشعبية" من جهة، وحركة "النهضة" و"الجبهة" من جهة أخرى، وإن كانت معلومة للجميع من قبل، فإنها أصبحت أكثر حدّة بعد الأحداث الأخيرة، ولعل سجالها سيتواصل في الفترة المقبلة، خصوصاً أن هناك مواعيد مستقبلية مهمة.

في الأثناء، يحاول أكثر من طرف الاستفادة من تطور الأحداث، إذ تؤكد الحكومة أنها صامدة، ويسعى وزراؤها لإقناع التونسيين بصحة خياراتهم وحتميتها لإنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية، بعد أن تهرّبت الحكومات السابقة من مسؤولياتها ومن اتخاذ القرارات الصعبة. في المقابل، تبرز دعوات حزبية عديدة لإقالة الحكومة بسبب فشلها.
ودعا الأمين العام لحركة "مشروع تونس"، محسن مرزوق، إلى التفكير في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، معلناً أن حزبه سيحسم موقفه من وثيقة قرطاج، اليوم السبت، بعد اجتماع المكتب السياسي. وأكد مرزوق أن حركته ساندت حكومة الشاهد باعتبارها حكومة وحدة وطنية تضم وزراء مستقلين وليس باعتبارها حكومة متحزبة، معتبراً أن "حكومة المحاصصة لم تعد قادرة إلا على مراكمة الأخطاء، ويجب إيقاف عبث حزبي النداء والنهضة فيها وفي مصير دولة وأمة".

من جهته، أكد حزب "البديل التونسي"، الذي يرأسه رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، ضرورة التقاء الأحزاب السياسية حول ''عقد اقتصادي واجتماعي وسياسي فعلي لإشراك كل الأطياف السياسية في وضع خارطة طريق كفيلة بتصحيح المسار، وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة ومتحررة من الرهانات الحزبية، لتسيير الدولة وتأمين الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة مع الالتزام بعدم الترشّح''.
واستنكر الحزب في بيان له، كل توظيف للاحتجاجات الأخيرة واستغلالها للقيام بأعمال تخريب وحرق، داعياً التونسيين إلى الضغط على ما وصفها بـ"الإدارة الرديئة للشأن العام، بالتحركات المدنية والاحتجاجات السلمية دون الانسياق وراء أعمال الشغب والمساس بالمكتسبات العامة والخاصة". وعبّر عن "تفهّمه للاحتجاجات السلمية وخروج الناس إلى الشارع للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية المشروعة نتيجة ضعف الإدارة السياسية وغياب رؤية واضحة لتسيير شؤون الدولة، ما أدى إلى تكريس واقع تغلب عليه الحسابات الحزبية الضيقة".

وفي السياق نفسه، جدّد حزب "بني وطني"، الذي يرأسه الوزير الأسبق المنشق عن "نداء تونس" سعيد العايدي، الدعوة لعقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية، لافتاً إلى أن ذلك يحتاج لحوار وطني مسبق، سياسي بامتياز، يكون قاعدة هذا العقد وشرطاً أساسياً لتحقيقه. وحذر من الانسياق في حوار وطني يقتصر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، دون التطرّق إلى جذور الأزمة منذ 7 سنوات بل منذ سنوات قبلها، لأنّ ذلك سيحوّل الحوار إلى مجرد وسيلة لامتصاص غضب المواطن وإفراغ أهداف الحوار من محتواها، وفق قوله.

ورأى الحزب أنّ مراجعة النظام السياسي أصبحت ضرورية أمام التداخل الصارخ بين المصالح الحزبية ومؤسسات الدولة التي تشهد اليوم وضع "دولة الحزب"، إذ تحوّلت أجهزة الدولة إلى وسائل لتحقيق مصالح الأحزاب الحاكمة. وحمّل الحكومة المسؤوليّة الكاملة لأنها لم تكن قادرة على إيقاف نزيف هذا التداخل الخطير بل كانت محوره. واعتبر أنّ هذه الحكومة وحزبيها الرئيسيين، "النهضة" و"النداء"، وكل من شاركها الحكم ''فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد الحلول الاقتصادية"، وأن قانون المالية لسنة 2018 كارثي.
واعتبر الحزب أن وثيقة قرطاج ولدت ميتة، إذ كانت ذات محتوى سياسي هزيل لا يرتكز على برنامج تنفيذي لوحدة وطنية حقيقية بل كانت أقرب منها لوثيقة توافق سياسي، داعياً إلى ضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني بمنأى عن الحسابات الحزبية حتى تستطيع تدارك الحياد عن مسار الانتقال الديمقراطي، بحسب البيان.


في المقابل، قال الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، إن الحل للخروج من الأزمة الراهنة ليس في تغيير الأشخاص أو الحكومات بل في اتخاذ القرارات والإجراءات القادرة على تلبية متطلبات التونسيين في التنمية والعمل والمساعدة على الاستقرار الاجتماعي. وقال الطبوبي في افتتاح مؤتمر الاتحاد في أريانة، إن "الحل لا يكمن في تغيير الحكومات، والاتحاد لا يدعم الأشخاص بل البرامج والخيارات القادرة على الإجابة على القضايا الحارقة"، مضيفاً "نحن مع الاستقرار السياسي، لأن القضايا أعمق من تغيير الحكومات، على الرغم من وجود ضعف في أداء بعض الوزارات بسبب المحاصصة الحزبية والتعيينات وفقاً للولاءات"، مشدداً على أن "تونس اليوم في حاجة إلى الكفاءات لا إلى أشخاص لا يغادرون مكاتبهم المغلقة".

من جهته، اعتبر الأمين العام لحركة "النهضة"، وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، زياد العذاري، أن "أحداث التخريب والفوضى الأخيرة، يقف وراءها من يستهدف الحكومة ورئيس الحكومة واستقرار البلاد"، وأن "هناك من يستهدف يوسف الشاهد شخصياً، ويستهدف الائتلاف الحاكم". وأضاف العذاري في تصريح إذاعي، أن "من يطالب بالتنمية والاستثمار لا يدعو إلى الشارع، لأنه مدخل إلى الفوضى، والممارسة الديمقراطية تكون مؤطرة وتخضع إلى شروط". كما اعتبر أن من يصف المنظومة والحكومة بالفشل، "يحمل منطقاً طوباوياً، وهناك من يعيش في الثورية البدائية التي تدعو إلى هدم كل شيء"، متابعاً: "هذا الخطاب الفوضوي البدائي الشعبوي، حان الوقت لتجاوزه".

ويتضح أن فكرة حكومة الكفاءات المستقلة أصبحت مطلباً لأكثر من جهة حزبية، على الرغم من التمثيل المحدود لهذه الأحزاب ووزنها البرلماني والشعبي. ولكن الأزمة تحيل إلى التساؤل حول مدى قدرة الحكومة على الصمود، وحول نوايا حزبي "النداء" و"النهضة" بعد الانفصال المؤقت وفك الارتباط، ونوايا السبسي بخصوص الشاهد وحكومته.
ولئن استطاعت الحكومة أن تصمد أمنياً، بنِسَب متفاوتة ولكنها أنجع من الاحتجاجات السابقة، فإنها تبقى في مواجهة مشروعها الاقتصادي الذي يحظى برفض شعبي كبير، لدى الأغلبية الصامتة التي لم تخرج إلى الشارع ولم تتظاهر في الطرقات، ولكنها تشتكي من غلاء المعيشة وتراجع قدرتها الشرائية.

وللتذكير، فإن رئيس الحكومة السابق، الحبيب الصيد، قال في يناير/ كانون الثاني من العام 2016، إن هناك احتجاجات سلمية ومشروعة يقوم بها عدد من الشباب العاطل من العمل، بينما توجد احتجاجات تحركها بعض الأطراف، رافضاً ذكر هذه الجهات التي يتهمها، مشيراً إلى أن التحركات تحولت ليلاً إلى عمليات نهب وشغب. وأكد الصيد وقتها أن الحكومة الحالية لا تملك عصا سحرية لفض كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد. هذا الكلام الذي سبق إقالته في تلك الفترة، يتجدد اليوم بالمواصفات والأساليب نفسها تقريباً، فهل ينجح الشاهد في ما فشل فيه الصيد؟

ذات صلة

الصورة
الشموع تضئ شارع بورقيبة بتونس  تضامنا مع بيروت(العربي الجديد)

أخبار

احتشد مساء الخميس عدد من التونسيين من حقوقيين ونشطاء بالمجتمع المدني ومنظمات أمام المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة تضامنا مع الشعب اللبناني، مؤكدين تعاطفهم مع بيروت وأهالي الضحايا ومؤكدين أنهم لن يبخلوا بأي مساعدة ممكنة.
الصورة
مجلس الشعب التونسي يجدد الثقة برئيسه راشد الغنوشي (فيسبوك)

سياسة

اجتازت تونس اليوم اختباراً ديمقراطياً جديداً بتجديد الثقة في رئيس مجلس الشعب، راشد الغنوشي، مع رفض غالبية البرلمانيين لائحة لسحب الثقة منه بالتصويت رفضاً أو برفض المشاركة، الشيء الذي أسقط اللائحة.
الصورة

أخبار

أكد الرئيس التونسي، قيس سعيّد، اليوم الثلاثاء، لوزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، أن تونس حريصة على "تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين" ومستعدة للمساهمة في إيجاد تسوية سياسية يقبل بها الليبيون.
الصورة

سياسة

لا يتوانى الرئيس التونسي قيس سعيّد في خطاباته من التحذير من مؤامرات داخلية وخارجية تحاك للبلاد، ما قد يعد تمهيداً لفرض تدابير استثنائية استناداً للدستور. فما هي هذه التدابير؟