الحفر بعيداً في ذاكرة الأمة

10 ديسمبر 2018
الصورة
من مخطوطة كتاب "المسائل في العين" (القرن الثالث الهجري)
+ الخط -

في 2013، أطلق "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" مشروع معجمٍ تاريخي للغة العربية، ضمن الشعور بحاجة إلى معجم يتيح لمستعملي العربية ودارسيها أن يقفوا على تاريخ كل كلمة وتحوّلات دلالاتها على مرّ العصور.

يثير مشروعٌ بهذا الحجم أكثر من سؤال، ليس على المستوى اللغوي فحسب، بل يتجاوزه إلى أبعاد حضارية: ما الذي يضيفه المعجم التاريخي إلى لغة وثقافة ما؟ وإلى أي حد يمكن أن يفيد المعجم التاريخي قطاعات ثقافية معرفية أخرى؟ وكيف جرت الاستفادة من تجارب ثقافات أخرى في صناعة هذا المعجم؟

يجري، اليوم، الإعلان عن الجزء الأول من "المعجم التاريخي" والذي يرسم تاريخ العربية من بداياتها إلى القرن الثاني الهجري. يقول رئيس المجلس العلمي للمعجم، رمزي بعلبكي، في حديث إلى "العربي الجديد": "هذه الخطوة هي الثمرة الأولى للجهود التي بُذلت خلال السنوات الخمس الماضية، حيث نقدّم ما أُنجر إلى اليوم ضمن هذا المشروع الفذّ الذي كان من حقّ العربية على أبنائها أن ينجزوه منذ عقود".

يرى بعلبكي أن ما يجري تقديمه يمثّل "اللبِنة الأولى في بناء ذاكرة الأمّة لأن اللغة هي الخزّان الذي حفظ إسهام العرب في المعارف الإنسانية، وهو إسهام يجمع بين المعارف الدينية واللغوية والأدبية والفلسفية والعلمية... كلّ ذلك سيظهر تباعاً في المدوّنة التي يستند إليها هذا المعجم".

يضيف المعجمي اللبناني: "يقيني أن المادّة الهائلة التي يتضمّنها المعجم من شواهد ونظائر ساميّة وتأصيل للألفاظ، مع إمكانيات بحث إلكترونية لا تكاد تُحصر، ستساهم في نهضة حقيقية في الدراسات الأدبية والاجتماعية، وحتى العلمية نظراً لما يشتمل عليه المعجم من مفردات ومصطلحات في شتّى ضروب التصنيف. ومثلما أسهمت المعاجم التاريخية للّغات الحيّة في إحداث نهضة فكرية وحضارية، من المؤمَّل أن يكون هذا المعجم أساساً صلباً في النهوض بالأمّة إلى ما تطمح إليه من الارتقاء والتقدّم".

من جهته، يرى المدير التنفيذي للمعجم، عز الدين البوشيخي، في حديثه إلى "العربي الجديد" أن هذا المشروع سيقدّم إلى ثقافتنا "إضافة نوعية"، حيث يشير إلى أن "المعجم التاريخي باعتبار أنه يجمع ألفاظ لغة ما من النصوص الحية، ويرصد ما طرأ عليها من المعاني، يبيّن كيف تطوّرت اللغة على أكثر من مستوى. وإذا علمنا أن اللغة مرآة العقل، فإن التطوّر الذي تعرفه كل لغة يعكس تطوّر فكر المتكلّمين بها، وكيفية إدراكهم للعالم الخارجي، وكيفية استعمالهم اللغة في التعبير عن أفكارهم وعواطفهم وحاجاتهم".

يشير البوشيخي أيضاً إلى أن المعجم التاريخي "يقدّم معلومات مهمّة عن ثقافة المجتمع المتكلّم بهذه اللغة، فيعرّفنا على ألفاظ الحضارة كألفاظ اللباس وألفاظ الأطعمة، وألفاظ التقاليد والعادات والعلاقات، وتطوّرها على مرّ العصور. كما أن النصوص التي يستشهد بها المعجم تقدّم صورة واقعية شديدة التنوُّع عن التراث الأدبي والعلمي والفكري للمجتمع".

وحول الاستفادة من تجارب ثقافات أخرى في صناعة هذا المعجم، يقول الباحث اللغوي المغربي: "قبل أن نشرع في إنجاز "معجم الدوحة التاريخي" اطّلعنا على التجارب السابقة لهذا الصنف من المعاجم في اللغات العالمية الحية كالإنكليزية والألمانية والفرنسية وغيرها، وأخضعناها للدراسة والتحليل، وأفدنا من المنهجيات المختلفة في تأليفها. إلّا أن وضع اللغة العربية مختلف عن تلك اللغات من جهات عدّة، منها الامتداد التاريخي والتوسّع الجغرافي، ومنها ضخامة التراث الفكري الذي كُتب بها، ومنها مشاكل النص التراثي المتعلّقة بالتوثُّق من نسبته إلى مؤلّفه، وتاريخ تأليفه، وصحّة ألفاظه... كل ذلك أدّى إلى أن نجتهد في ابتداع حلول لكل تلك المشكلات، والاستعانة بالعلماء والخبراء لتطوير صناعة معجمية عربية متطوّرة".

على مستوى آخر، يلفت عضو المجلس العلمي للمعجم، علي أحمد الكبيسي، إلى أن "أهمية المعجم التاريخي لا تقتصر على بيان معاني ألفاظ اللغة العربية وتتبّع التطوّرات الدلالية والتركيبية التي أصابتها من خلال سياقات استعمالها وعبر الأزمان التي مرّت بها، ولكنه سيوفّر فرصاً عديدة للباحثين والدارسين للاطلاع على معارف لم تكن متوفّرة من قبل، ففي كل مدخل من مداخل هذا المعجم يمكن استنباط معلومات متنوّعة تكون أساساً لدراسات وبحوث تاريخية واجتماعية وفكرية متنوّعة، يُضاف إلى ذلك ما يتيحه المعجم من إمكانات عديدة لوضع معاجم عربية متخصّصة وغير متخصّصة. وسوف يسهم في تطوير وابتكار طرق جديدة في مجال المعالجة الحاسوبية للغة العربية".

وحول أهمّ التطويرات المتوقّعة حين يمر المعجم إلى المرحلة الثانية، يقول المعجمي القطري: "قُسّم إنجاز هذا المعجم إلى خمس مراحل. وبعد الانتهاء من المرحلة الأولى، سيبدأ الاستعداد للخطوة الموالية، والتي تتناول فترة مهمّة في الثقافة العربية تشمل قرون العصر الذهبي في الحضارة العربية الإسلامية، أعني القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية التي ازدهر فيها البحث والتأليف والترجمة وتنوّعت العلوم، ولذلك فمن المتوقّع أن تتضخّم المدوّنة اللغوية للمعجم ويزداد العمل صعوبة وجهداً".

المساهمون