"معجم الدوحة التاريخي": الضاد نحو المستقبل

10 ديسمبر 2018
الصورة
من مخطوطة عثمانية
+ الخط -

يشكل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، أكبر مشروع وأضخمه على الإطلاق، يُعنى بمعجَمة اللغة العربية، وفق الطرق العلمية العالمية، كما هي متوفرة في معجم أكسفورد الإنكليزي، أو المعجم التاريخي للغة الفرنسية، من حيث الشمولية والدقة والتوثيق للغة العربية والثقافة والأفكار، ورصد التغيرات التي طرأت وتطرأ على العربية وطاقاتها التعبيرية وتاريخيتها.

بهذا المعنى يمثل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، الذي يطلق في 10 من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، منعطفا حضاريا ونقلة نوعية في تاريخ اللغة العربية، وإسهاما علميا لتعزيز مكانة لغة الضاد وتوطيدها كلغة للحاضر والمستقبل، بالاستفادة من رصيدها المعجمي الهائل ومنتوجها الإبداعي والفكري والتداولي، وغزارة ما تقدمه اليوم، خصوصا في عالم الميديا الجديدة، وهي طاقة لم تعرفها اللغة العربية في أي لحظة من لحظات تاريخها السابق.

ويعتبر أهل الاختصاص من خبراء اللغة العربية وعموم المثقفين هذا الحدث مفصليا في تاريخ المعاجم العربية، وربما العالمية أخذا بعين الاعتبار تاريخ اللغة العربية الطويل وعراقتها وصعوبة إعداد معجم يؤرخ لألفاظها وتأكيد التواريخ والتحقق من المصادر.

ومن خلال جهود الفريق العلمي المشرف على إنجاز هذا المشروع الذي أطلق في 25 مايو/أيار 2013، ترشح الكثير من التفاصيل، التي قدمت في فترات الإعداد السابقة، خلال السنوات الخمس الماضية، ضمن ورشات علمية ودورات أكاديمية، انصبت على الجوانب العلمية والفكرية والثقافية والتقنية.

كما جرى وضع أساسات المعجم العلمية والمنهجية والتقنية، وتعبيد الطريق أمام الخبراء لبناء أول معجم تاريخي للغة العربية، وفتح آفاق جديدة وواعدة لصناعة معجمية عربية متطورة.


الانطلاقة من أقدم نص
من بين هذه التفاصيل أن هذا المعجم يرصد ألفاظ اللغة العربية منذ بدايات استعمالها في النقوش والنصوص، وما طرأ عليها من تغيرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصية متتبعا الخط الزمني لهذا التطور، وبالنظر إلى تاريخ اللغة العربية الطويل وضخامة حجم نصوصها يجري إنجاز المعجم على مراحل.

وستعرض مواد المرحلة الأولى الممتدة من أقدم نص عربي موثق إلى نصوص عام 200 للهجرة، والمتضمنة زهاء مئة ألف مدخل معجمي عبر بوابة إلكترونية متطورة تقدم أنواعا عدة من الخدمات اللغوية والمعجمية والإحصائية غير المسبوقة.

وشارك في بناء المعجم المستند إلى أكبر مدونة للغة العربية ودون العودة لأي قاموس قائم قرابة ثلاثمئة من أساتذة الجامعات والخبراء والعلماء في عدد من الدول العربية، من الأردن والإمارات وتونس والجزائر والسعودية وسورية والعراق وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن.

يتزامن موعد إطلاق معجم الدوحة التاريخي للغة العربية مع عقد الدورة الـ12 من اجتماعات المجلس العلمي الذي يضم نخبة من كبار علماء العربية ويناقش إجراءات الشروع في بناء المرحلة الموالية من المعجم الممتدة حتى عام 500 للهجرة وما بعدها حتى زمننا الراهن.

من أهداف المؤسسة التي تشرف على هذا المشروع، إنجاز معجم تاريخي للغة العربية، وبناء مدونة لغوية عربية شاملة، واستخلاص معاجم فرعية من المعجم التاريخي للغة العربية، وإصدار دراسات وأبحاث معجمية.

وتستعين في ذلك، بفريق عمل كبيرـ يتطور ويتمدد مع الوقت، نظرا للحاجات والتحديات المطروحة على هذا المشروع، ومن هؤلاء: الخبراء اللغويون والحاسوبيون المؤهلون، إنشاء المدونات الإلكترونية. الاعتماد على البرامج التقنية والحاسوبية المطورة.

انتهاج سياسة المؤتمرات والندوات وورش العمل والدورات التدريبية لتطوير العمل والوقوف عند المشكلات المستجدة، خصوصا الرهان على التقانة في تنفيذ هذا المنجز العلمي الرائد.


مصادر المعجم
من أين يستقي هذا المشروع الكبير مادته، أو مواده؟ الجواب تقدمه الأرضية التي شكلت نقطة انطلاق العمل على معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وتؤكد أن المدونة اللغوية تستقي مادتها من مصادر اللغة العربية المضمنة في بيبلوغرافيا المرحلة الأولى المنجزة حسب المراحل الموضوعة، وتضم كمّا وافيا من النصوص التي تعكس واقع اللغة العربية في بيئاتها ومراكزها الثقافية والعلمية والحضارية التي شهدت نموها وتطور دلالات ألفاظها وتراكيبها. وقد انطلق العمل وفق الخطة والمراحل الآتية:

- جمع الوثائق والنصوص المنتمية للمرحلة من المواقع الإلكترونية.
- مقابلة وثائق المدوَّنة للوقوف على أفضل النسخ المتاحة إلكترونيًّا.
- توثيق جميع العناوين غير الموَثقة من مظانِّها المطبوعة والمحقّقة.
- إعداد قائمة بالوثائق غير الموجودة في صورة رقميَّة، والعمل على تجميعها من مصادر مختلفة.
- رقن الوثائق غير المتاحة في صورة رقمية.
- إدخال محتويات الوثائق الواردة في الببليوغرافيا المنجزة.
- توحيد الصيغة النّصِيَّة لجميع الوثائق.
- مطابقة عناوين وثائق المُدَوَّنة بعناوين الوثائق في البيبليوغرافيا.
- تصميم قاعدة بيانات خاصة بالمدونة اللغوية.
- تطوير أداة للبحث في قاعدة البيانات الخاصة بالمدونة اللغوية.

وقد خضعت المدونة اللغوية إلى عدة مراجعات آليا وبشريا لتقليص الأخطاء الإملائية والطباعية وغيرها الواردة فيها، ساهم فيها أعضاء من المجلس العلمي للمعجم. وتسعى الهيئة التنفيذية إلى إتاحة إمكانية البحث في هذه المدونة اللغوية بعد استكمال المتطلبات التقنية والبرمجية.


المعجمة
المعاجم أنواع متعدّدة؛ فمنها المعاجم اللغوية العامّة، وتتفرّع إلى معاجم آنيّة ترصد ألفاظ اللغة المستعملة في مرحلة معيَّنة من مراحل اللّغة، ومعاجم تاريخيّة ترصد ألفاظ اللّغة في مراحل استعمالها المختلفة.

والمعجم التاريخي للغة العربيّة، هو المعجم الذي يتضمّن "ذاكرة" كلّ لفظٍ من ألفاظ اللّغة العربيّة، تسجِّلُ - بحسب المتاح من المعلومات - تاريخَ ظهوره بدلالته الأولى، وتاريخَ تحوّلاته الدّلاليّة والصّرفيّة، ومكانَ ظهوره، ومستعمليه في تطوّراته إن أمكن، مع توثيق تلك "الذّاكرة" بالنّصوص التي تشهد على صحّة المعلومات الواردة فيها.

وعلى الرّغم من التّراث المعجمي الضّخم الذي خلّفه علماء اللّغة العرب القدامى، ومن جهود المحدثين في هذا المجال، فإنّ اللّغة العربيّة لا تزال تعاني اليوم من قصورٍ معجميٍّ واضح المعالم مقارنةً باللّغات العالميّة الحيّة. ومن أهمّ ملامح هذا القصور، غياب معجم تاريخيّ للّغة العربيّة، سيمكّن إنجازه من سدّ ثغرة هذا الغياب، ومواكبة تطوّر اللّغة العربيّة، علاوةً على استيعاب هذه الألفاظ في مدوّنةٍ لغويّةٍ واحدةٍ. وسيسهم هذا الإنجاز في الارتقاء باللّغة العربيّة إلى مصافّ اللّغات العالميّة الحيّة، التي تملك معاجمَ تاريخيّةً متجدِّدةً؛ كالإنجليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإسبانيّة، والرّوسية...


مختبر تفكير
ضمن التراكم الذي حققه فريق البحث، قام المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات بإصدار كتاب "نحو معجم تاريخي للغة العربية"، يعتبر من الناحية العلمية، مشتل أفكار للمشروع الكبير، وتوقعا للصعوبات المحتملة، وحوارا داخليا بين الخبراء لتقديم الحلول، وقد قدّم الكتاب الدكتور عزمي بشارة بمقدمة عنوانها "ربَّ همّة أحيت أمّة". ويعالج الكتاب قضايا لغوية ملحة وشائكة ومعاصرة مثل "المدّونة اللغوية" و"المدونات المحوسبة" و"تقنيات الإفادة من المدونات المحوسبة" و"التصميم الحاسوبي للمدونات" و"البرامج الحاسوبية".

كما تناول الكتاب دراسات منهجية في شأن المعجم التاريخي للغة العربية ومنهج أوغست فيشر في المعجم التاريخي وغير ذلك من الموضوعات المهمة. وقد شارك في بحوث هذا الكتاب مجموعة من الباحثين اللغويين من لبنان وسورية والمغرب وتونس وموريتانيا ومصر والأردن والسعودية، الأمر الذي يدل مجدداً على الحاجة إلى جهد جبار لإنجاز مهمة المعجم التاريخي للغة العربية الذي أخذ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على عاتقه رعايته.

وقد تشكّل مجلس علمي للمعجم مؤخرا برئاسة الدكتور رمزي بعلبكي، وبدأت مؤسسة المعجم بالعمل في إطار المركز العربي. ويأمل واضعو الكتاب أن يسهم هذا الجهد في تغطية بعض جوانب القصور المعجمي قياسا على اللغات العالمية الحية مثل الإنكليزية مثلا. أما المساهمون في بحوث الكتاب فهم: بسام بركة، وحامد السحلي، وحسن حمزة، ورشيد بلحبيب، وعبد الحق لخواجة، وعبد الرزاق بنور، وعبد العزيز الحميد، وعبد العلي الودغيري، وعبد المجيد بن حمادو، وعبد المحسن الثبيتي، وعز الدين البوشيخي، وعز الدين مزروعي، وعودة أبو عودة، ومحمد رقاس، محمد العبيدي، ومحمد ولد بباه، والمعتز بالله طه.


ليست التجربة الأولى
يؤكد عز الدين البوشيخي، المدير التنفيذي لمشروع المعجم، سواء في مقالاته العلمية أو في أحاديثه الإعلامية، أن اللغة العربية المستعملة منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، لم تستوعب منها المعاجم قديمها وحديثها إلا القليل، وظل كثير من مفرداتها المستعملة خارج دائرة المعاجم لأسباب عديدة، منها سبب منهجي اختاره علماء العربية آنذاك المتمثل في شرط "الفصاحة"، فأُقصيت بموجبه كثير من المفردات المستعملة على ألسنة الشعراء وأقلام الكتاب والأدباء المولّدين".

لم تُدرج تلك المعاجم كثيراً من المفردات ومعانيها المختلفة لسبب منهجي آخر تمثّل في عدم إدراج المفردات المطردة في الاشتقاق، بحسب البوشيخي، الذي يرى أن "المجهود المعجمي العربي، قديمه وحديثه، لم يستطع أن يمثل قدرة المتكلم العربي المعجمية إلا جزئياً، ولم يتمكن من بناء "ذاكرة" للكلمة العربية تحفظ تاريخها في الاستعمال".

وبالتالي ياتي هذا المشروع ليسد النقص الحاصل في المعاجم العربية التقليدية، مثل معجم العين، أو المعاجم التي تلت ذلك.

ويوضح البوشيخي بأن المراد بالمعجم التاريخي للغة العربية، المعجم الذي يُثْبِت ألفاظ اللغة العربية، لفظاً لفظاً، راصدا تاريخ ظهوره بدلالته الأولى، وتاريخ تحولاته البنيوية والدلالية، ومستعمليه في تطوراته، مع توثيق كل ذلك بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة عن كل لفظ. وعادة ما يتمّ الخلط بين مفهوم المعجم التاريخي للغة، والمعجم الموسوعي الذي يشمل كل شيء، وهذا النوع من الخلط بين مشروعين متمايزين في الماهية والوظيفة، هو الذي يؤدّي إلى تداخل في عدد من المهام، وتكون نتيجته تعقيدا كبيرا في العمل، وبالتالي عسرا في التنفيذ وصعوبته.

أمّا العنصر الثاني، فهو وضع خطة تنفيذية تبيّن الكيفية التي يمكن بها، وفق مراحل وآليات ومتطلبات محددة، الوصول إلى الهدف ضمن مسار زمني محدد. والعنصر الثالث، عدم إغفال أي شكل من أشكال النجاح أو الفشل في التجارب السابقة للمعاجم التاريخية للغات، سواء أكانت عربية أم أجنبية.

ويؤكد البوشيخي في حوار سابق مع "العربي الجديد" أن اللغة هي الوسيلة التي نعبّر بها عن أفكارنا، وتطور الفكر لا يتمّ دون تطور اللغة، واللغة كما قال الفلاسفة قديمًا هي مرآة الفكر. حينما نرصد تطور اللغة على المسار التاريخي، نحن نرصد، في الوقت ذاته تطور الفكر الذي عبر بهذه اللغة. وحين نرصد تطور المصطلح العلمي، فنحن نرصد تطور العلم. وحينما نرصد تطور العلم، نرصد تطور التفكير العلمي. فنحن نرصد بالفعل كيف تطور الفكر العربي على مدى هذه القرون. ولهذا فإن أهمية المعجم التاريخي للغة العربية، لا تكمن إطلاقًا عند كونه معجمًا فحسب، وإنما تكمن في ما يقتضيه وينتج عنه ويتراكب معه سواء في المستوى الحاسوبي والبرمجيات والتطبيقات والبرامج الحاسوبية، أم في ما يتعلق بما سيتيحه من الدراسات والأبحاث لإعادة التفكير النقدي، ومراجعة الأحكام التي صدرت عن عدد كبير من المفاهيم والافتراضات التي أقيمت في معظمها على التخمين لا على اليقين. وسنتيح بهذا المعجم، المادة التي تسمح للباحث والدارس أن يصدر حكمه بيقين.

المساهمون