التعليم الفلسطيني في زمن كورونا

14 ابريل 2020
في 5 مارس/ آذار الماضي، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن تسجيل أول 7 حالات إصابة بفيروس كورونا في فلسطين، تم تسجيلها في مدينة بيت لحم، وهو ما دفع الرئيس الفلسطيني في خطاب متلفز، ألقاه بالنيابة عنه رئيس الوزراء الدكتور محمد إشتية، إلى الإعلان عن حالة الطوارئ في فلسطين، مدة 30 يومًا قابلة للتجديد.

تعاملت الجهات الرسمية الفلسطينية مع هذه الأزمة بمنهج وقائي، حيث أدركت أن الفلسطينيين إذا وصلوا لمرحلة الإصابة والعلاج، فلن يكون بمقدورهم التعامل مع هذه الأزمة؛ لعدم توفر الإمكانيات اللازمة، وتم تجديد الطوارئ لثلاثين يوما جديدة يوم 3 أبريل/ نيسان الجاري، بعد أن ارتفع عدد المصابين إلى 161 مصابا وحالة وفاة واحدة.

مع إغلاق المدارس والجامعات الفلسطينية وتوقف العملية التعليمية، بدأت المؤسسات التعليمية بالبحث عن بديل عن التعليم النظامي، وبرزت هنا فكرة التعليم عن بعد واستخدام التكنولوجيا في التعليم، وبالفعل بادر مجموعة من المعلمين في استخدام البرامج الإلكترونية المختلفة للتعليم وللوصول إلى الطلبة، ومع توقع طول فترة الطوارئ وإغلاق المؤسسات التعليمية، بدأت وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي بالبحث عن بديل عن التعليم النظامي، واستخدام التعليم عن بعد وصدرت مجموعة قرارات وتوجهات لمديريات التربية والتعليم والجامعات لإدارة موضوع التعليم عن بعد.


لا يوجد تعريف واحد حول التعليم عن بعد، يمكن أن يشمل التعريف مصطلح التعليم عبر الإنترنت باستخدام جهاز كمبيوتر شخصي، أو مصطلح التعليم الإلكتروني. فهو بصفة عامة، تعليم يعتمد علي الاتصال بالإنترنت، والتفاعلات تتم عبر المنتديات وتقسم الدورات التعليمية إلي وحدات تحتوي على الفيديوهات والمواد المقروءة التي توفر المعلومات التي تحتاجها لإكمال الواجبات. من المميزات التي يقدمها لك التعليم عن بعد هو توفير المسافة والوقت، ولا يشترط أن يكون معلمك متواجدا معك في نفس المكان.

لكن برزت مجموعة من الملاحظات حول التعليم الفلسطيني في زمن كورونا:
أولا: تأخرت وزارة التربية والتعليم في التعامل مع حالة الطوارئ، وأدخلت المؤسسات التعليمية في حالة ترقب وبحث عن إجابات.

ثانيا: جل المبادرات للتعليم عن بعد كانت مبادرات ذاتية من المعلمين ودون تنسيق مع الوزارة أو مديريات التربية والتعليم.

ثالثا: تركت وزارة التعليم العالي للجامعات والكليات حرية التصرف، وتركت للمؤسسات التعليمية اتخاذ القرارات المتعلقة بالفصل الدراسي، وهذا خلق حالة إرباك سواء لطلاب الجامعات أو المؤسسات التعليمية.

رابعا: أظهر التعليم عن بعد ضعفا تعاني منه العملية التعليمية في فلسطين، فقد برزت قلة الخبرة لدى المعلمين، وضعف البنية التحتية المتعلقة بهذا الشكل من التعليم، إضافة لقلة إقبال الطلبة وخاصة طلبة المدارس، إذ يحتاج التعليم عن بعد وجود بعض المهارات عند المتعلمين والمدرسين، لذلك يجب تدريبهم على طريقة استخدام الإنترنت بشكلٍ عام، وعلى استخدام بعض البرامج التي تخدم العملية التعليمية بشكلٍ خاص، ليستطيع كل منهما التواصل بشكل صحيح وسليم.

خامسا: عدم توفر الإنترنت أو أجهزة الحاسوب أو الأجهزة الذكية لعدد من الطلبة وبالتالي عدم تمكنهم من المتابعة مع معلميهم أو جامعاتهم.

سادسا: التكلفة الاقتصادية العالية، إذ إن تجهيز المادة التعليمية يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة، كما أنّ عملية توزيعها على الطلاب تحتاج إلى رصد مالي كبير، بالإضافة لتكلفة الإعدادات والتجهيزات، ففي وقتنا الحالي اعتمد الطلاب ومراكز التعليم على شبكة الإنترنت كوسيلة للتعليم عن بعد.

سابعا: أظهرت المدارس الخاصة سرعة وفاعلية أكثر في التعامل مع موضوع التعليم عن بعد، وقد يعود ذلك كون الطالب يدفع مقابل التعليم، والمدرسة مُلزمة باستمرارية العملية التعليمية رغم حالة الطوارئ.

ختاما: نحن في فلسطين، واجهنا ظروفاً صعبة، بل ومؤلمة، في العقود القليلة الماضية، وكنا باستمرار ننجح في توفير البدائل. ففي الانتفاضة الأولى مثلاً، وفي ظل الحصار ومنع التجول، تم تنظيم صفوف للتعليم في المساجد والكنائس والجمعيات، ولم تتوقف العملية التعليمية. وفي الانتفاضة الثانية، خلال الحصار والاجتياحات، تم توظيف وسائل إبداعية لاستمرار التعليم.

واليوم، يعيش العالم كله ظروفاً مشابهة لما مرّ به الشعب الفلسطيني، وعليه أن يتكيّف مع هذه الظروف. فالاستسلام ليس من طبيعة البشر الذين لا يعرفون المستحيل، بل يحوّلون المحنة إلى منحة، ويستثمرون الفرص لتجاوز المحن والتحديات، دعونا اليوم نبذل الجهود لإنجاح هذه التجربة، ونوظف العقول والطاقات لحل المشكلات التي تواجهنا. ودعونا ننظر إلى المستقبل نظرة تفاؤل، فربما بعد شهور قليلة من الآن ننظر إلى الخلف لنرى أن ما كنا نعتقد أنه مستحيل، قد تحقق فعلاً، وأننا استطعنا أن نتجاوز المحن والتحديات بالإرادة والإصرار والأمل في حياة أفضل.

مطلوب أن تكون أزمة كورونا فرصة لإعادة الاعتبار لموضوع التعليم عن بعد، وأن تعمل وزارة التربية والتعليم والمؤسسات التعليمية المختلفة على إعادة تأهيل المعلمين وتوفير الأدوات والمحفزات لبناء قاعدة بيانات، مع إعداد منهاج تعليمي إلكتروني لكل المراحل التعليمية.