العمال الفلسطينيون بدولة الاحتلال في زمن كورونا

12 ابريل 2020
كانت العمالة الفلسطينية في دولة الاحتلال، وما زالت، أحد أهم الملفات الاقتصادية التي تشكل أهمية وحساسية للحكومات الفلسطينية، أهمية كون هذا القطاع يشكل مصدرا مهما، سواء لدخل المواطنين أو لميزانية السلطة الفلسطينية كما أن الملف حساس ويمثل نقطة ضعف للسلطة الفلسطينية لكونها لا تستطيع توفير بديل للعمال الفلسطينيين..

ووفق الإحصائيات شبه الرسمية، فهناك أكثر من 75 ألف عامل فلسطيني يدخلون يوميا إلى دولة الاحلال بشكل قانوني، عبر المعابر المنتشرة في الضفة، في حين هناك عدد مشابه، يدخلون بشكل غير قانوني "بمساعدة مهربين"، بينما لا تتوفر إحصائية دقيقة لمن يعملون في المستوطنات في الضفة، لكنهم بالآلاف أيضا.

لقد أعادت أزمة وباء كورونا العالمية فتح ملف العمال الفلسطينيين في دولة الاحتلال، وتحدثت السلطة الفلسطينية في أكثر من مؤتمر صحافي أن العمال الفلسطينيين باتوا يشكلون ( ثغرة الخطر)، قال المتحدث باسم حكومة رام الله إبراهيم ملحم: ثغرة الخطر في الوضع الراهن هم العمال، ولكن يمكن تجنب الانزلاق في الخطر بالبقاء في المنازل واتباع تعليمات الحكومة".

كيف تعاملت السلطة الفلسطينية مع هذا الملف الحساس؟ وما هو دور "الإسرائيليين" في موضوع العماله الفلسطينية وكورونا؟ وما هي الخيارات أمام السلطة الفلسطينية؟

نبذة تاريخية

مع نكسة 1967، قام الاحتلال بربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد "الإسرائيلي" وبات "الإسرائيلي" هو المتحكم بالاقتصاد الفلسطيني بشكل كامل، إلى أن جاءت السلطة الوطنية الفلسطينية لتتمكن بناء على اتفاقيات من تحقيق جزء -ولو بسيطاً- من السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني.

لقد شكلت العمالة الفلسطينية في "إسرائيل" حوالى ثلث العمالة الفلسطينية بشكل عام، وتمثل ربع الناتج القومي الإجمالي الفلسطيني، ويقصد بالعمالة الفلسطينية العمال من حملة الجنسية غير "الإسرائيلية"، ويعملون في الأراضي المحتلة، كما أنَّ 70% من العاملين يعملون في مجالات البناء، في حين يعمل 22% منهم في مجالات الزراعة، أما من تبقى منهم 8% فيعملون في قطاع الصناعة والخدمات، علما أن العمال الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات لا يدخلون ضمن نطاق عمل الجهات الرسمية الفلسطينية، وتقدِر دائرة الإحصاء الفلسطيني أن عدد العمال الفلسطينيين في المستوطنات وصل لحوالى 24 ألف عامل في الربع الأول من عام 2017.


لماذا يفضل الاحتلال العامل الفلسطيني؟ وهل هناك أسباب تدفع المُشغل "الإسرائيلي" لاستخدام العامل الفلسطيني رغم ما يصاحب ذلك من مخاطر أمنية على الاحتلال؟

هناك مجموعه من الأسباب تدفع الإسرائيليين لتشغيل العمال الفلسطينيين، وأذكر منها:
1- سهولة الحصول على العامل الفلسطيني، إضافه لسهولة وصول العامل الفلسطيني لأماكن عمله.

2- صرف العامل الفلسطيني لأمواله التي يحصل عليها آخر الشهر ضمن الدائرة الاقتصادية المغلقة نفسها.

3- إتقان العامل الفلسطيني للعمل، إضافه لطاقته الإنتاجية العالية.

4- سهولة التواصل بين العامل الفلسطيني والمُشغل الإسرائيلي، فهناك عدد كبير من العمال يتقنون اللغة العبرية، إضافة لإمكانية تحدث المشغل باللغة العربية.

5- إمكانية التملص من حقوق العامل الفلسطيني.

كيف تعاملت الحكومة الفلسطينية مع أزمة العمال في زمن كورونا؟
مع بداية انتشار وباء كورونا في العالم عاشت بعض الحكومات حالة من التخبط وعدم الوضوح إضافة للتردد، وهذا ما أصاب الحكومة الفلسطينية، ولكن بعد فتره قصيرة سارعت السلطة الفلسطينية لاتخاذ مجموعة قرارات هامة وحساسة وكان لها الأثر الفعلي في الحد من انتشار الوباء..

فقد استطاعت حصر المصادر المتوقعة لوصول الفيروس لفلسطين خاصة السياح والعائدين من الخارج، وتدريجيا تمكنت السلطة من وقف دخول السياح والحظر على القادمين من الخارج إضافة لمحاصره مواقع وجود الفيروس كمدينة بيت لحم، لكن السلطة كانت تدرك أن الخاصرة الأضعف لها ستكون العمال الفلسطينيين العاملين..

اتخذت الحكومة مجموعة من الخطوات تجاه هذه الأزمة، وسأقوم بتناول هذه الخطوات في الأسطر القادمة:
أعطت الحكومة الفلسطينية الخيار للعمال الفلسطينيين بين المبيت في دولة الاحتلال أو العودة للأراضي الفلسطينية قبل تاريخ محدد، فقد أعلنت الحكومة الفلسطينية بنهاية اجتماع لها في 17/3/2020 عن منح العمال ثلاثة أيام لترتيب أمورهم للمبيت في أماكن عملهم بالتنسيق مع مشغليهم، حيث سيتم منع التنقل بين الأراضي الفلسطينية والداخل بعد انتهاء المهلة الممنوحة.
ثم طالب رئيس الحكومة محمد اشتية جميع العمال الفلسطينيين، الذين يعملون في الأراضي الفلسطينيية المحتلة عام 1948، بـ"العودة إلى بيوتهم"، ضمن الإجراءات التي تتخذها الحكومة لمكافحة انتشار فيروس "كورونا" المستجد.

وقررت وزارة الصحة الفلسطينية إخضاع العمال قبل عودتهم إلى منازلهم بالضفة الغربية للفحوصات اللازمة، لكن أعداد العمال كبيرة، ولا يمكن فحصهم جميعا كل يوم لغياب الإمكانيات الكافية، لذلك اكتفت بالطلب منهم الالتزام بالحجز المنزلي لمدة أربعة عشر يوما.

بالرغم من قدرة الحكومة الفلسطينية على التعامل مع وباء كورونا وتمكنها من الحد من انتشاره ومحاصرته في أماكن وجوده، إلا أن ملف العمال الفلسطينيين وكورونا أظهر حالة من الضعف بالتعامل مع الموضوع ويعود ذلك لمجموعة نقاط منها:

- عدم قدرة السلطة على التحكم بالمعابر مع الاحتلال، وبالتالي دخول وخروج أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين دون تمكن السلطة من حصرهم، ويقر مسؤول الملف القانوني في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين محمد البدري: "لا نستطيع السيطرة عليهم ولا يوجد لدينا آليات لمنعهم من التوجه إلى هناك عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي كليا، كما لا يوجد لدى السلطة الفلسطينية أي سيطرة أمنية أو جغرافية على المناطق الفاصلة، وهو ما يستغله العمال للتنقل عبرها دون رقابة.

- لا تملك السلطة القدرة على إيجاد مصادر دخل للعمال الفلسطينيين كبديل عن العمل في دولة الاحتلال.

- لا تملك السلطة كميات كافية من أدوات الفحص، وبالتالي لم تتمكن من إجراء الفحوصات لكل العمال.

- اقتصار قرار السلطة على الطلب من العمال التزام منازلهم وعدم مخالطه الناس، ليس بقرار عملي ولا يمكن الاعتماد عليه، إذ ظهر جليا عدم التزام أعداد كبيرة من العمال بالحجز المنزلي الذاتي، وكان العمال سبب هام في زيادة عدد المصابين، بل كان العمال الفلسطينيون وراء أول حالة وفاة بكورونا في فلسطين.

- ما زالت السلطة للآن لم تبعث برسائل طمأنة للعمال حول توفير الدعم المالي لعائلات العمال في ظل أزمة كورونا، مسؤول الملف القانوني في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين قال "بعض العمال عندما نصحناه بألا يتوجه للداخل خلال انتشار الوباء، قال لنا حرفيا: "أموت من كورونا ولا أموت من الجوع".

العمال الفلسطينيون في زمن الكورونا
يقول الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد إن توقف العمال الفلسطينيين عن العمل في دولة الاحتلال أو تراجع أعدادهم يعني خسارة أقل من ثلث دخلهم الشهري، الذي يفوق مليوني دولار أميركي، وبالتالي تراجع إسهامهم في الناتج المحلي لـ35%، وهو ما سيرفع معدلات البطالة والفقر المتزايدة بين الفلسطينيين، "وتحوم حول 30% لكل منهما".

ويرجح أن ما لا يقل عن 25 ألف فلسطيني من عمال الضفة الغربية وإسرائيل سيفقدون وظائفهم حتى نهاية إبريل/نيسان القادم، لكن "الأسوأ" في رأي سعد أن رأس المال الفلسطيني (القطاع الخاص) لا يحتمل فقط استيعاب هؤلاء العمال العاطلين، بل لا يُعوضهم أيضا، وأضاف "أن 70% من رأس المال الفلسطيني يلتف على حقوق العمال وينتهكها".

في ظل هذه الأرقام والاحصائيات الخطرة وأثرها، سواء على العامل الفلسطيني خاصة أو على الاقتصاد الفلسطيني ككل نجد أنه لا بد للحكومة الفلسطينية من:
1- مطلوب من السلطة الفلسطينية إصدار قرارات واضحة وحازمة في ما يخص العمال الفلسطينيين ووباء كورونا، تشمل الحجز المنزلي أو توفير أماكن حجز مخصصة لهم، إضافة لإجراء الفحوصات لأكبر عدد من العائدين من العمال (مع أن الأولى إجراؤه لكل العمال العائدين).

2- العمل على تفعيل القانون الدولي الخاص بالعمال، وحث منظمة العمل الدولية أن تتابع أوضاع العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلي ومتابعة القضايا المتعلقة بحقوقهم وتعويضاتهم.

3- لا يمكن للسلطة الفلسطينية الاستغناء بالكامل عن العمالة في دولة الاحتلال، لكن المطلوب إيجاد سوق عمل بديل عن الداخل المحتل للحد من أعداد العمال الفلسطينيين في الداخل.

4- التركيز على القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية بما يخلق فرص عمل وتوليد الدخل ورفع القدرة الشرائية للمواطنين، ويساعد في معالجة الاختلالات في سوق العمل.

5- الحث على فتح الأسواق العربية للعمالة الفلسطينية.

6- تشجيع المشاريع الصغيرة الخاصة للفلسطينيين.

7- نظرا لحاجة الاحتلال للعمال الفلسطينيين، على السلطة إيجاد اتفاق عمل يحقق مصالح العمال الفلسطينيين ويصون حقوقهم.

8- إطلاق صناديق التكافل لتعويض العمال الفلسطينيين وتخفيف أعبائهم خاصة في زمن كورونا.

9- توفير قاعدة بيانات تخص العمال الفلسطينيين في دولة الاحتلال.