"إدمان النهب" .. هذا الوباء العربي

12 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
في زيارة إلى دولة عربية، سئل وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية في حينه، كولن باول، عن أمنية يحب أن يحققها، كجزء من طقس الكرم العربي الحاتمي، فرد الرجل بأنه يتمنّى قيادة سيارة مرسيدس فاخرة، (لاحظ أنه لم يطلب امتلاكها). وكان له ما طلب. باول، وهو مجرد مثال على مناخ عام في الديمقراطيات العريقة، كان قبل توليه منصبه ذاك قائد الأركان الأميركية المشتركة. ولكن مشوار الرجل الطويل، بمقياس الرواتب في الولايات المتحدة الأميركية، فلم يتمكن من امتلاك "مرسيدس فاخرة". 
أما بيل كلينتون، بعد 14 عامًا في منصب حاكم ولاية، وثمانية أعوام رئيسا، فلم يستطع شراء منزل إلا بالحصول على قرض قيمته ميلونا دولار. وهناك قصص كثيرة مشابهة في التفاصيل والدلالات في مذكرات نانسي ريغان، القادمة هي وزوجها من هوليوود إلى البيت الأبيض. ويقينًا، لا يعني هذا أن الساسة في الديمقراطيات الغربية ملائكة، لكنه يعني أن وباء "إدمان النهب" ليس مرضًا غربيًا. ويتأكد من ذلك من يتأمل حجم ثروات كثيرين جداً من رجال الجهاز التنفيذي في دول عربية كثيرة، وكذلك المسوولون السياسيون العرب بعد خروجهم من السلطة. التفاصيل، في حالات كثيرة، مذهلة، فما يكشف، منذ سنوات، من أسماء عربية متورّطة في "وثائق بنما" وأشباهها يشيب لهولها الولدان، وتلك من فوائد البلاغة العربية.
والمعلومات التي تراكمت خلال العقود القليلة الماضية، وهي يقينًا عينة ممثلة وليست حصرًا، تدفع إلى التساؤل عن غواية النهب، ولماذا تحوّلت وباءً، وبعض الأدوار السياسية التي تقوم بها هذه الثروات المهولة، يمكن أن تكون أكثر إضرارًا بالمستقبل السياسي للعالم العربي. وأذكر قبل سنوات، عندما كنت أقدّم برنامج "ملفات ليبية" على شاشة فضائية عربية، أن مسؤولا ليبيا سابقا حكى (المعلومات تم بثها ولم تكن خارج التصوير) أن الدكتاتور المخلوع معمر القذافي دفع (قبل سقوط نظامه بوقت قصير) لرئيس جنوب أفريقيا السابق، جاكوب زوما، رشوة، مليار دولار نقدًا، مقابل دعم جنوب أفريقيا نظامه في الاتحاد الأفريقي. وكثير مما قاله مسؤولون ليبيون كانوا ضيوفًا في حلقات البرنامج يؤكد أن تعامل شريحة كبيرة من أصحاب السلطة في عدد من الدول العربية يحتاج أن يكون موضوع "دراسة نفسية" لاستكشاف الديناميات النفسية التي تحكم مراحل تطور هذا "الوباء"، وصولًا إلى أن يصبح "إدمانًا".
وضوابط المساءلة والتتبع والتفتيش وغيرها جميعها جزء من رد الفعل الذي تأخر كثيرًا، فما
شهده العراق منذ سنوات، وما يتداوله المحتجون اللبنانيون، وما يتسرّب من معلومات، من آنٍ إلى آخر، في الإعلام الغربي عن ثروة هذا المسؤول أو ذاك (وبعضهم عسكريون) ربما يفرض ضرورة وضع الظاهرة تحت مجهر البحث، من حيث هو سمة شخصية. ومما قد لا يحتاج إلى برهنة أو سوق أدلة، فإن كثيرين يمكن أن يصبحوا "قادرين" على نهب المال العام، أو تبديده، ويمتنعون طوعًا، واستكشاف السمات النفسية (وأيضًا الأخلاقية) للمرضى بـ "إدمان النهب" جزء رئيس من الفهم، وخطوةٌ لا غنى عنها للعلاج. وقد فاجأني صديق كردي عراقي كان مقربًا من الرئيس جلال طالباني، عندما سألته بعد قليل من زوال نظام صدام عن تجربة السلطة، فتكلم طويلًا عن الفساد المالي، وقال بأسى: "للأسف... كثيرون ممن شاركونا مسيرة مناهضة صدام، أثبتت التجربة أنهم أسوأ بكثير مما كنا نظن".
والنهم والنهب، أقله في التجربة العربية خلال السنوات القليلة الماضية، يستدعيان شريكًا ثالثًا: التباهي. وما زلنا خلال الأسابيع القليلة الماضية نشاهد في الصور المنتشرة في الإعلام بعض مفردات الحياة العائلية لمسؤولين سوريين: القصور، السيارات الفخمة، ... في وقت يموت فيه سوريون (ربما عجزنا عن إحصاء أعدادهم) في الداخل والخارج، جوعى ومرضى وخائفين و...
مؤكّد أن التفسير لا يعني التبرير، وأن النهب مجرّم ومدان، قليله وكثيره، لكن ما يظهر على السطح من تفاصيل موغلة في الإسراف، يجعلني أتساءل (وربما شاركني آخرون الدهشة): لماذا لا يشبع أحدهم بعد نهب أول مليون؟!