قانون الهجرة... محاولات إصلاح في الولايات المتحدة

قانون الهجرة... محاولات إصلاح في الولايات المتحدة

17 مارس 2021
الصورة
تحرك سابق لدعم بقاء "الحالمين" في الولايات المتحدة (جوناثان نيوتن/ Getty)
+ الخط -

بعد خلاص الولايات المتحدة من رئيسها السابق دونالد ترامب الذي أصدر قرارات متشددة ضدّ المهاجرين، يحاول المشرّعون التوصل إلى إصلاح هذا الملف، في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن

طرح نواب من الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، في أعقاب انتخاب الرئيس جو بايدن، مشروع قانون شامل حول الهجرة، رفعوه إلى الكونغرس الأميركي (يضمّ مجلسي النواب والشيوخ). ويعدّ مشروع القانون، الذي يؤيده الرئيس بايدن، من أكثر المشاريع القانونية الطموحة التي قدمت في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة حول قضية الهجرة، التي تشغل السجال السياسي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري عادة، وتشكل ركناً أساسياً في الحملات الانتخابية لأيّ مرشح. 

وكان بايدن قد وعد الناخبين الأميركيين، منذ طرح اسمه لرئاسة البلاد التي يشكل المهاجرون قسماً كبيراً من سكانها، بإجراء إصلاحات جذرية على نظام الهجرة الأميركي المعقد، والذي يعدّ واحداً من أكثر المواضيع الساخنة والمثيرة للجدل بين الأميركيين عموماً والسياسيين خصوصاً. وقد يتفق كثيرون حول كون أميركا "بلد المهاجرين" لكنّ الخلافات تظلّ عميقة عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل المتشعبة حول من يحق لهم الهجرة إلى البلاد أو البقاء فيها بشكل قانوني.
ومن أبرز القضايا الخلافية بين الأميركيين التي يحاول المشروع حلّها هي أوضاع قرابة 11 مليون مهاجر يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. يطرح المشروع مساراً مدته ثماني سنوات لجعل أوضاع أغلبهم قانونية بشكل رسمي ويشترط أن يكونوا قد وصلوا إلى الولايات المتحدة بحلول الأول من يناير / كانون الثاني الماضي. 

الصورة
آمال كبيرة معلقة ببايدن وإدارته (غوليرمو آرياس/ فرانس برس)

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المهاجرين المعنيين ليسوا مجموعة متجانسة من الناحية القانونية، إذ يشمل هذا الرقم قرابة 3.3 ملايين شخص من المهاجرين الذي يطلق عليهم اسم "الحالمين" وهم من جاءوا في الغالب، في سن صغيرة، برفقة أحد والديهم إلى الولايات المتحدة، كما يشمل عمال المزارع وعائلاتهم وأطفالهم، ويشمل كذلك من حصلوا على "حماية مؤقتة" لأسباب مختلفة. ويمكنّ مشروع القانون هؤلاء المهاجرين من شرعنة أوضاعهم والحصول على إقامة دائمة ثم الحصول على الجنسية خلال ثلاث سنوات وليس ثماني سنوات. ويخصص مشروع القانون موارد إضافية لتفتيش الحدود كما غيرها من الضوابط المرتبطة بالهجرة القانونية واللجوء.
هناك اعتقاد خاطئ، خصوصاً بين المحافظين واليمينيين، يفيد أنّ المهاجرين "غير القانونيين" في الولايات المتحدة يعيشون على حساب الدولة أو يستغلونها في حين يثبت واقع الحال العكس. ويرى خبراء اقتصاديون أنّ أحد أسباب النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، يعود للأجور المتدنية التي يحصل عليها المهاجرون من دون أوراق قانونية أميركية. وأكثر القطاعات استفادة من العمالة غير القانونية هي الزراعة والبناء وشركات التنظيف والفنادق والمطاعم. كذلك، يدفع معظمهم ضرائب دخل إلى الخزانة الأميركية بالمليارات سنوياً، على الرغم من أنّهم يقيمون ويعملون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، ولا يمتلكون رقم ضمان اجتماعي، لتقديم ملفات الضرائب وتسديدها، ولا يحصلون على أيّ عوائد مادية وفوائد خدمية في المقابل. وهذا ممكن إدارياً لأنّ دائرة الضرائب، أو كما تسمى رسمياً "دائرة الإيرادات الداخلية" تصدر رقماً ضريبياً لأيّ مسدد للضرائب، من دون ربط ذلك بوضعه القانوني، في الوقت الذي تتعهد فيه بعدم تحويل تلك الأسماء إلى دائرة الهجرة. ويقدم الملايين من المهاجرين غير القانونيين على هذه الخطوة على أمل أن يُسنّ قانون يوماً ما يسمح بتغيير وضعهم. مما يعني أنّ دفعهم للضرائب وعدم وجود سجل إجرامي لهم، سيفتحان الطريق أمامهم لتحقيق ذلك.

من جهته، يصف جيريمي روبينز، المدير التنفيذي  لمنظمة ومركز أبحاث "الاقتصاد الأميركي الجديد" وهي منظمة أسسها الملياردير الأميركي وعمدة نيويورك السابق مايكل بلومببيرغ، سياسات بايدن حول الهجرة، لـ"العربي الجديد" بأنّها من الضروري أن تتبع سياسات الهجرة الذكية. يقول إنّها ستساعد في تنمية الاقتصاد الأميركي وخلق فرص عمل أفضل للجميع. ويلفت إلى أنّ شرعنة أوضاع المهاجرين من دون أوراق ثبوتية، لا تعني منافستهم للأميركيين أو غيرهم من الأجانب الذين يعيشون في الولايات المتحدة بشكل قانوني، على فرص العمل، كما يشاع من قبل المعارضين. 
ويشرح في هذا السياق قائلاً: "الأغلبية الساحقة من المهاجرين، أي ما يصل إلى 88 في المائة، هم في سنّ العمل، ويأتون إلى الولايات المتحدة لأنّهم يريدون العمل، ويريدون تحسين مستوى معيشتهم ومعيشة عائلاتهم. وسوق العمل الأميركي يستوعب معظمهم الآن، لأنّه سوق ضخم وبحاجة لتلك الأيدي العاملة". يتابع: "بالإضافة إلى دفعهم الضرائب والتي تصل بحسب تقديراتنا إلى نحو 30 مليار دولار سنوياً، فإنّهم كذلك يضخون أضعاف هذا المبلغ إلى الاقتصاد الأميركي عن طريق استهلاكهم، كما أنّهم أسسوا مئات الآلاف من الشركات الصغيرة والمطاعم وغيرها".
يشير روبينز إلى أنّ مشاكل نظام الهجرة الأميركي تسبق فترة حكم الرئيس السابق دونالد ترامب وهجومه على المهاجرين. ويرى أنّ ترامب استغل الأوضاع التي كانت أصلاً سيئة لدى كثيرين منهم وعلى عدة أصعد. وحول الإصلاحات التي من الضروري أن تنفذها إدارة بايدن إن أرادت فعلاً إجراء تغييرات جذرية، يقول: "الولايات المتحدة حالياً، لا تعطي ما يكفي من تأشيرات العمل للأجانب، الذين يعيشون خارجها، من ذوي الكفاءات العالية الذين يحتاجهم السوق الأميركي مما يضر بشكل كبير بقدرة البلاد على التنافس دولياً، خصوصاً إذا استمر هذا الوضع". 

الصورة
هل يتغير الوضع على الحدود المكسيكية - الأميركية؟ (جون مور/ Getty)

ويرى أنّ الولايات المتحدة تهدر فرصة ثمينة إذا استمرت في تطبيق هذه السياسات، خصوصاً أنّها من الدول التي يرغب كثيرون في الهجرة إليها. ينتقد سياسة ومقاربة وتعامل حكومات الولايات المتحدة تجاه قضية الهجرة والمهاجرين، خصوصاً تحت حكم ترامب، ويقول: "شيدنا آلية ضخمة لأمن الهجرة وترحيل المهاجرين الذين لا يحملون أوراقاً ثبوتية أميركية. وكالة الهجرة ضخمة إلى حدّ أنّ ميزانيتها تفوق ميزانيات جميع الوكالات الأخرى المسؤولة عن تنفيذ القوانين، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي) ووكالة الاستخبارات المركزية (سي أي إيه) مجتمعة. وعلى الرغم من كلّ هذا، ما زلنا لا نسيطر على من يمكنه أن يدخل البلاد أو لا. أما إنفاق المزيد من الأموال لتوظيف المزيد من الحراس فلن يحلّ المشكلة، بل علينا التفكير بما يمكن أن نقوم به لإصلاح هذا الوضع".
يتساءل روبينز عن الجدوى من جعل الولايات المتحدة أقل جاذبية للمهاجرين، كما حاولت إدارة الرئيس ترامب أن تفعل. ويقول في هذا السياق: "في السنوات الأربع الأخيرة، كانت هناك محاولات لوقف مجيء المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وجعله حافلاً بالمخاطر والآلام التي لا نهاية لها. أولاً، لا يمكن القيام بذلك، من الناحية الإنسانية أو حتى العملية. ستبقى الولايات المتحدة أكثر جاذبية، خصوصاً لهؤلاء الذين يعانون من فقر شديد ويعيشون تحت وطأة العنف الشديد في بلادهم، وهي واحدة من الدوافع الأساسية للهجرة". 

يضيف: "شكلت الهجرة واحدة من أهم محركات دفع النمو الاقتصادي للولايات المتحدة، فقد أسس المهاجرون و/ أو أبناؤهم، أربعين في المائة من أهم 500 شركة أميركية، كما أنّهم مسؤولون عن 75 في المائة من براءات الاختراع التي سجلتها الجامعات الأميركية. وتعتمد عليهم قطاعات كاملة من بينها الزراعة والفنادق والمطاعم والبناء والعناية الصحية وغيرها كثير. ولا يمكن إحصاء ما يقدمونه للثقافة والمجتمع في الولايات المتحدة. ستكون أميركا بلداً آخر من دون مهاجرين". ويرى روبينز أنّ إدارة بايدن أدركت الحاجة الملحّة لإصلاح قوانين الهجرة في الولايات المتحدة بما فيها الأخطاء التي ارتكبت تحت إدارة الرئيس باراك أوباما التي كان بايدن جزءاً منها. ويقول إنّ إصرار بايدن على وضع قضية الهجرة كأحد المحاور الرئيسية لسياساته هو أمر ضروري وملحّ. ويلفت إلى أنّ الإصلاحات ستواجه معارضة شديدة من الجمهوريين وقد تضطر إدارة بايدن لتجزئتها لإحداث تقدم ملموس من أجل تنفيذها. وستظهر الأسابيع المقبلة مدى عزم بايدن وإدارته على ترجمة تلك الإصلاحات، وما إذا كانت هناك أيّ نية عند بعض الجمهوريين لدعمها.

المساهمون