سعاد نقاز... تُروّض الزواحف في تونس

26 سبتمبر 2020
الصورة
تُقدّم الكثير من العروض في المهرجانات (العربي الجديد)
+ الخط -

يتجوّل صيّادو الأفاعي طوال العام لتتبّع أثر الثعابين على سفوح الجبال خصوصاً في الشمال والجنوب التونسيين، وإن كان البحث عن صيد خطير يتطلب الحذر. ويُتقن الغالبية التعامل مع مختلف أنواع الأفاعي السامة، والتمييز بينها، ومعرفة درجة خطورة كل نوع منها. خلال الصيف، يبحثون عن أكبر عدد منها، علماً أن الغاية الأساسية بيع تلك الزواحف إلى المختبرات الطبية. 
لكن في تونس نوعا آخر من الباحثين عن الأفاعي، وهدفهم ليس التجارة بل ترويض بعضها لتقديم عروض فلكلورية في المهرجانات الصحراوية والريفية. وتثير تلك العروض الخطرة شغف المتفرجين والحاضرين في غالبية تلك المهرجانات.  ولا يكاد يخلو مهرجان صحراوي في الجنوب التونسي من عروض ترويض الزواحف، وكيفية التعامل معها بمهارة وحذر في الوقت نفسه. 
رُبّما يبدو الأمر عادياً أو منتشراً في العديد من الدول، خصوصاً تلك العربية. ويعدّ ترويض الأفاعي في تونس حكراً على الرجال. إلا أن بعض النساء خضن هذا المجال وشاركن في تقديم عروض في المهرجانات والأعراس وغيرها. 

سعاد نقاز (العربي الجديد)

 

سعاد نقاز (30 عاماً) تعد أشهر امرأة في تونس في ترويض الأفاعي. شاركت في عشرات المهرجانات الصحراوية وغيرها من العروض، وبرعت منذ سنوات في ترويض الأفاعي والزواحف وتقديم مشاهد استعراضية في جهات عدة. 
تتحدّر من منطقة تطاوين في جنوب تونس، وقد كبرت في بيئة صحراوية. تقول لـ "العربي الجديد" إنّها منذ كانت صغيرة، اعتادت التوجه إلى العيون أو الآبار لجلب المياه. وفي تلك المنطقة، كان الأهالي غالباً ما يرتدون حذاء جلدياً يغطي جزءاً كبيراً من الساق لحمايتها من لدغات العقارب والأفاعي خصوصاً في الصيف. وكان كلّ متجول يحمل في يده عصا يدفع بها أي أذى قد يعترض طريقه. وتشير إلى أنّها كانت تتعمد أحياناً نبش أي حفرة صغيرة تعترض طريقها على الرغم من خطورة الأمر، يدفعها فقط شغف اكتشاف الأفاعي وأنواعها وأحجامها، واكتشاف الضبّ الصحراوي المعروف في تونس باسم "ورل" . 
تقول إنّ "الأمر خطير جداً خصوصاً مع انتشار أنواع عدة من الأفاعي الصحراوية السامة". لكن هاجس الخوف لم يعد موجوداً، ما دفعها إلى بدء ترويض بعض الزواحف، حتى باتت شغوفة بتقديم العروض في المهرجانات.  

تضيف نقاز: "بداية، رفض أهلي الأمر خوفاً على سلامتي، خصوصاً أن معظم الزواحف سامة. كما أن عضّة الزواحف غير السامة تعد خطيرة. واستغرب الجميع إقدامي على تقديم تلك العروض، علماً أنني لم أتجاوز العشرين من العمر". تضيف: "كان فن ترويض الأفاعي حكراً على الرجال في تونس. لكنني فرضت وجودي في تلك البيئة المحافظة وقدّمت عروضاً فولكلورية عدة من خلال ترويض العديد من الأفاعي الخطيرة. وبات تقديم تلك العروض مورد رزق بالنسبة إلي. وكثيراً ما يطلب مني تقديم عروض في حفلات الزفاف، لا سيما في المناطق الصحراوية، إذ إن الأهالي مغرمون بالعروض الخطيرة". 
وتقول نقاز إنّها لا تنزع السمّ من الأفاعي، كما أنّها تعتني بها في مكان آمن حتى لا تُشكل خطراً على عائلتها. تضيف ساخرة: "يرفض البعض مصافحتي أو حتى الاقتراب مني، وكأنني مسمومة. لكنني أحب ما أقوم به" .
وفي ولاية سليانة، تخرج صالحة مرتين أو ثلاث في الأسبوع للبحث عن الأفاعي والزواحف. تتعامل معها بحذر وتخفيها في صندوق محكم الإغلاق. تقول لـ "العربي الجديد" إنّها تقدّم لها الأكل يومياً وتتفقدها باستمرار في محاولة لخلق علاقة سمتها "الأمان"، ليسهل عليها ترويضها لاحقاً. تضيف: "لُدغت مرتين، لكن لحسن الحظ، لم يكن الأمر خطراً. لكنني استطعت لاحقاً ترويضها على الرغم مني أنني لم أنزع السم منها". 

سعاد نقاز (العربي الجديد)

تضيف نقاز أنّها عمدت في البداية إلى بيع بعضها لمن يسلمها إلى المختبرات الطبية. لكنّها فكرت لاحقاً بتقديم عروض في المهرجانات التي تقام في شمال البلاد طوال العام. تتابع أن تلك العروض تشهد اهتماماً وشغفاً كبيراً من المشاهدين وتمثل مورد رزق موسميا خصوصاً في فصل الصيف عندما تنشط المهرجانات. 
لا تخفي أنّ الأمر قد يكون غريباً في جهتها، لا سيما أنّ البحث عن الأفاعي وترويضها كان حكراً على الرجال، على اعتبار أنّ المرأة أكثر خوفاً ولا تملك الشجاعة للتعامل مع الزواحف الخطيرة. "اعتقد الجميع أنّ الأمر مجرّد شغف وسينتهي. لكن لا يمرّ شهر من دون أن أسعى للبحث عن تلك الأفاعي والزواحف. وكثيراً ما أقوم بصيدها ثم أطلق سراحها فقط لأكتشف أنواعها".
تقول إنّها تستخدم مشبكاً حديدياً مربوطاً في عصا من حديد، وتقوم بنبش كلّ مكان تتأكد من وجود الأفاعي أو الزواحف الأخرى فيه. وبعد إخراجها تتعامل معها بحذر، لكن ترويضها يحتاج فترة حتى تعتاد على الشخص وتصبح غير مؤذية. إلا أنه يبقى عملاً خطراً للغاية في كل الأحوال.يبقى أن ترويض الأفاعي وتقديم عروض فولكلورية يجذب الناس إلى المهرجانات في جهات عدة داخل وخارج تونس.