حريق مستشفى الناصرية... كارثة صحية ليست الأولى في العراق

حريق مستشفى الناصرية... كارثة صحية ليست الأولى في العراق

بغداد
براء الشمري
بغداد
سلام الجاف
13 يوليو 2021
+ الخط -

حريق جديد اندلع في مستشفى عراقي وأدّى إلى سقوط قتلى وجرحى. ويُحكى عن قضية فساد في دولة تُصنّف في مراتب عالية على قوائم الدول الفاسدة، فيما يطالب معنيّون بإجراءات حاسمة لمحاسبة المتورّطين ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.

 وارتفعت حصيلة حريق مستشفى الحسين التعليمي في مدينة الناصرية، العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار، إلى 103 قتيلا، فضلا عن عشرات المصابين، وأكد رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، أن الحريق مثّل جرحاً عميقاً في ضمير العراقيين جميعا، متوعدا بمحاسبة المقصرين. 
في غضون ذلك، أصدر القضاء العراقي أوامر قبض وتحرٍ بحق 11 شخصا من العاملين في دائرة الصحة بمحافظة ذي قار. 
ونقل المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، في بيان، عن الكاظمي، قوله: "المسؤولية تتضاعف بتكرار هذا النوع من الفواجع خلال الأشهر الماضية، والتي تتزامن مع أزمات كبيرة بعضها طبيعي مثل الأزمة الاقتصادية، وبعضها بفعل فاعل مثل ضرب أبراج نقل الطاقة، وتعطيل الشبكة الوطنية، ومحاولة البعض زعزعة الأمن الداخلي ونشر الفوضى والشكوك، ومنع مضي القرار الوطني"، موضحا أن حادث الناصرية يشير إلى وجود "خلل بنيوي في الهيكلية الإدارية للدولة، حيث إن تشخيص الأخطاء لا يتم توظيفه ولا متابعته، ويذهب المواطنون ضحايا".   
ولفت إلى أن "الحاجة صارت ملحة لإطلاق عملية إصلاح إداري شامل، وأهم خطوات الإصلاح هو أن نفصل العمل الإداري عن النفوذ السياسي. ستقود نتائج التحقيق الذي فتحناه إلى معرفة المقصرين المباشرين، ولا أتمنى أن يكون في أي مرحلة من مراحل التقصير وجود تعمد. نتائج التحقيق ستعلن خلال أسبوع، وقدمنا إلى مجلس النواب مرشحنا لشغل منصب وزير الصحة بديلاً عن الوزير المستقيل، وننتظر من مجلس النواب حسم القضية، لمنع استمرار وزارة الصحة بالعمل من دون وزير لمدة طويلة".   

وأعاد الحادث فتح ملف التهالك في البنى التحتية للمؤسسات الصحية، وضعف منظومات الدفاع المدني ومعالجة الحرائق الخاصة بالمستشفيات العراقية، فأمس الاثنين، اندلع حريق كبير في مجمّع مدينة الطب التابع لوزارة الصحة، وقبل ذلك، قُتل وأصيب نحو 200 شخص في حريق مستشفى ابن الخطيب المخصّص لعزل المصابين بكورونا في بغداد في إبريل/ نيسان الماضي، الأمر الذي تسبّب في موجة غضب واسعة دفعت وزير الصحة حسن التميمي إلى الاستقالة من منصبه في بداية مايو/ أيار الماضي، بعد نحو أسبوعَين من الحادثة.

وعلى الرغم من اتخاذ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إجراءات عدّة بعد الحريق الأخير، من قبيل إقالة وحجز مسؤولين محليين في ذي قار وإرسال لجنة تحقيق إلى المحافظة وتصنيف قتلى الحريق "شهداء"، فإنّ عدداً من المسؤولين والنواب حمّلوا الحكومة مسؤولية ما جرى. 

وقال مسؤول رفيع المستوى في محافظة ذي قار فضّل عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد"، إنّ "العملية السياسية في بغداد هي التي ذبحت المرضى، لأنّها تختار مسؤولين بطريقة المحاصصة الطائفية والحزبية وليس على أساس الكفاءة، والنتيجة كل يوم مصيبة". وأضاف أنّ "المحاصصة وصلت إلى قطاع الصحة، وشملت حتى درجات مدير قسم ورئيس وحدة. وإرسال لجنة للتحقيق لا يكفي لأنّ نتائجها سوف تأتي مشابهة للجان السابقة". 

ولفت المسؤول نفسه إلى أنّ "الحلّ يكمن في الاهتمام الجدي بالمؤسسات الصحية، التي تعاني من ضغط كبير بسبب وباء كورونا"، متوقّعاً أن "يفجّر حريق مستشفى الحسين الغضب الشعبي مجدداً، لا سيّما أنّه يتزامن مع تذمّر واسع النطاق في ذي قار بسبب انقطاع التيار الكهربائي والارتفاع الكبير في درجات الحرارة". وأكّد أنّ "الحلّ لا يكمن بإقالة بعض المسؤولين أو استبدالهم، بل تجب محاسبة المقصرّين جميعاً وإحالتهم إلى القضاء إن تطلّب الأمر ذلك، لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث".

وكان الكاظمي قد أصدر قراراً بإقالة وحجز مدير صحة ذي قار الدكتور صدام الطويل، ومدير الدفاع المدني العميد صلاح الحسناوي، ومدير مستشفى الحسين التعليمي ميثم محمد البكاء، إلى جانب البدء بتحقيق حكومي عالي المستوى للوقوف على أسباب الحادثة. كذلك، توجّه فريق حكومي يضمّ مجموعة من الوزراء والقادة الأمنيين إلى المحافظة لمتابعة الإجراءات ميدانياً. ووجّه الكاظمي مختلف الوزارات بإرسال مساعدات طبية وإغاثية عاجلة إلى ذي قار، وتصنيف ضحايا الحادث "شهداء" وإنجاز معاملاتهم فوراً، بالإضافة إلى تسفير الجرحى من ذوي الحالات الحرجة إلى خارج العراق، وإعلان الحداد الرسمي عن أرواح الضحايا.

الصورة
ضحايا حريق مستشفى الحسين في العراق 3 (علي نجفي/ فرانس برس)
(علي نجفي/ فرانس برس)

وكشف مسؤول ميداني في موقع المستشفى المنكوب، لـ"العربي الجديد"، أنّ "قضية فساد واضحة تسبّبت في إزهاق أرواح عشرات العراقيين". أضاف، مفضّلاً عدم الكشف عن هويته، أنّ "التحقيقات الحالية سوف تُعلن الأربعاء (اليوم) بشكل أولي، لكنّ ثمّة تورّطاً لعدد من الأشخاص في عملية إنشاء هذا الصرح، وينطوي الأمر على فساد مالي وتلاعب بالمواصفات ومعايير الأمان الضرورية الواجب توفّرها". وتابع أنّ "الكرفانات (البيوت الجاهزة) نفسها التي شُيّد على أساسها هذا الصرح تسبّبت في مقتل عدد من النازحين في الرمادي قبل نحو شهرَين. وقد أصدر الدفاع المدني تعميماً منع بموجبه استخدامها كمراكز إيواء وكمقرّات عمل، كونها خطرة".

من جهته، أوضح رئيس لجنة الصحة في البرلمان العراقي فارس بريفكاني أنّ "المسؤولية في حادثة حريق مستشفى الحسين التعليمي جماعية"، مبيّناً لـ"العربي الجديد" أنّ "ما حدث يمثّل فاجعة وكارثة كبيرتَين". أضاف أنّ "هذه الكارثة قد تتكرر مستقبلاً، لأنّ البنى التحتية هشّة والنظام الصحي متهالك"، مشيراً إلى "شبهات فساد تطاول مسؤولين صحيين في عدد من المحافظات، وتجب إعادة النظر في ذلك". وشدّد بريفكاني على "ضرورة إطلاق المبالغ المخصصة لوزارة الصحة في موازنة العام الحالي"، موضحاً "عدم وجود شيء تحت مسمّى مستشفى من صفيح في العالم، لأنّه لا بدّ من أن تكون المستشفيات مبنيّة بشكل صحيح وتضمّ أحدث الأجهزة، ومزوّدة بمنظومات مكافحة الحرائق. بالتالي، يتوجّب على رئيس الوزراء اتّخاذ قرارات مهمّة في هذا الخصوص، وإعادة النظر بالمدراء العامين في المحافظات". يُذكر أنّ مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية يتكوّن من كرفانات مصنوعة من مواد عازلة قابلة للاشتعال، وفقاً لما أوضحته وزارة الداخلية العراقية في تقرير لها أصدرته أمس الثلاثاء.

ولفت بريفكاني إلى أنّ "ما حصل أمر كبير هزّ ضمائر العراقيين ونفوسهم، وعلى البرلمان اتّخاذ قرارات صارمة، إلى جانب وجوب تشخيص الخلل ووضع النقاط على الحروف ومحاسبة كلّ من يثبت تقصيره"، مشدداً على ضرورة "محاسبة المقصرّين ليكون ذلك عامل ردع لآخرين". من جهة أخرى، قال بريفكاني إنّ السلطات العراقية سبق أن خصصت مبالغ طائلة من أجل التصدّي لوباء كورونا في البلاد، "لكنّنا على أرض الواقع لم نلمس شيئاً من هذه المبالغ، ولم تُشيَّد مستشفيات، ولم يتمّ شراء أجهزة حديثة". وشرح أنّ "الأجهزة المشتراة لمواجهة الوباء غير فاعلة، والمرضى يشتكون من عدم الاستفادة منها. والفساد هو السبب الأكبر لحدوث الكوارث الصحية في المحافظات"، مؤكداً أنّ "الحكومة هي المسؤول الأوّل والأخير تجاه كلّ ما يحدث للشعب العراقي، وعليها الآن اتّخاذ قرارات جريئة بإعادة النظر في القضايا التي تُسجّل فيها إخفاقاً".

وبشأن تكرار الحرائق في المستشفيات، قال بريفكاني إنّ "البنى التحتية متهالكة، والإدارة في القطاع الصحي غير كفوءة، وأجهزة الأوكسجين والحماية بدائية وغير مطابقة للمعايير العالمية"، موضحاً أنّ "هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى الكارثة الأخيرة، وقد تتسبّب في كوارث أخرى مستقبلاً. والحلّ يكمن في اتخاذ قرارات حازمة تجاه المقصّرين".

الصورة
ضحايا حريق مستشفى الحسين في العراق 2 (كرار عيسى/ الأناضول)
(كرار عيسى/ الأناضول)

في الإطار نفسه، رأت نائبة رئيس لجنة الخدمات في البرلمان العراقي السابق أمل مرعي أنّ "سوء التخطيط هو الذي تسبّب في حريق مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية"، منتقدة "غياب الاستراتيجية الواضحة لمعالجة المصابي بكورونا". أضافت مرعي لـ"العربي الجديد" أنّه "لا يمكن لمستشفى العزل في الناصرية أن يقوم على كرفانات، لأنّها خطرة وعرضة للحرائق وللتماس الكهربائي"، شارحة أنّ "عدد ضحايا المستشفى كان يمكن أن يكون أقلّ ممّا سُجّل لو أنّه شُيّد بشكل صحيح". أضافت أنّه "من المؤسف عدم اكتمال مستشفيات مهمة مثل المستشفى التركي في الناصرية". وأشارت مرعي إلى أنّ "الإدارة غير السليمة تسبّبت في حرائق متكرّرة في المستشفيات التي تضمّ المصابي بكورونا"، مشدّدة على أنّ "إقالة المسؤولين لا يمكن أن تعوّض ذوي ضحايا الحريق ولا تكفي"، محمّلة "وزارة الصحة المسؤولية الكاملة عن تكرار الأخطاء" ومطالبة بـ"وجوب تصحيح مسار الوزارة". وتابعت مرعي أنّ "المواطن بدأ يتساءل عن سبب تكرار الحرائق كلّ شهرَين أو ثلاثة. فإذا كانت ناتجة عن أخطاء فتلك كارثة، وإذا كانت حوادث متعمدة فالمصيبة أعظم".

من جهته، أفاد الناشط الحقوقي علي الساعدي، من مدينة الناصرية، بأنّهم استخرجوا أكثر من 20 جثة كانت متفحّمة، مؤكداً أنّ عدد الضحايا قد يستمرّ بالارتفاع، إذ إنّ أشلاء استُخرجت ووُضعت في أكوام وأكياس بطريقة عشوائية. ولفت إلى أنّ ثمّة مواطنين تعرّفوا على ذويهم الضحايا من أغراض من قبيل نظارة أو مسبحة أو قلادة أو مفاتيح سيارة وغيرها، فيما آخرون ما زالوا ينتظرون ويبحثون.

قضايا وناس
التحديثات الحية

تجدر الإشارة إلى أنّه في قضية مستشفى ابن الخطيب في بغداد، فقد وافق الكاظمي على استقالة وزير الصحة، فيما صوّت مجلس الوزراء على توصيات اللجنة المكلفة بالتحقيق في حريق ذلك المستشفى، التي تضمّنت إلزام وزارة الصحة بفرض عقوبات انضباطية بما يتناسب مع خطورة الحادثة في حقّ كلّ من مدير مستشفى ابن الخطيب ومعاونه الإداري ومسؤول الدفاع المدني، وإعفاءهم من مناصبهم، إلى جانب تنزيل المدير درجة وظيفية وإعفاء مدير صحة بغداد - جانب الرصافة من منصبه، وإنهاء حالة كفّ يد وزير الصحة ومحافظ بغداد. كذلك، تضمّنت التوصيات إلزام وزارة الصحة وكلّ الدوائر والمستشفيات والمؤسسات الصحية بتطبيق الأنظمة والتعليمات النافذة، بما يضمن سلامة المرضى والمرافقين والمراجعين والكوادر والعاملين الطبيين، ومنها التقيّد بعدد المرافقين وتحديد ساعات الزيارة واختيار العناصر الكفوءة والتأكد من توفر متطلبات السلامة وشروط الأمان من إنذار مبكر ومنظومات إطفاء الحرائق والتعامل بحزم مع المخالفين والمقصّرين. يُذكر أنّ اللجنة التي تشكّلت للتحقيق بحادثة مستشفى ابن الخطيب هي اللجنة الأولى التي شكّلتها الحكومة العراقية التي نالت ثقة البرلمان قبل نحو عام، ونتجت عنها استقالة وزير وإقالة مسؤولين كبار، في حين يسود في العراق ظنّ بأنّ لجان التحقيق تأتي في الغالب من أجل التسويف.

ذات صلة

الصورة
عائلات تسكن وسط الدمار والخراب في الموصل القديمة

مجتمع

ما زالت المنطقة القديمة في قلب مدينة الموصل العراقية تعاني من الدمار بشكل كبير رغم مرور أكثر من 4 سنوات على تحرير المدينة، التي تعد ثاني أكبر مدن العراق، من تنظيم "داعش" الذي سيطر عليها في منتصف 2014.
الصورة

مجتمع

قضى ما لا يقل عن 28 لبنانياً، فضلا عن 79 جريحاً في انفجار خزان وقود داخل قطعة أرض تستخدم لتخزين البحص في بلدة التليل – عكار (شمال)، كان قد صادره الجيش لتوزيع ما بداخله على المواطنين، وذلك في حصيلة غير نهائية أعلن عنها الصليب الأحمر اللبناني.
الصورة
مرضى السرطان في غزة يعانون بفعل الحصار وضعف الإمكانيات

مجتمع

يعاني قطاع غزة، بسبب الحصار والقيود التي يفرضها الاحتلال على سفر المصابين بالسرطان، من نقص في 60% من الأدوية والبروتوكولات العلاجية لمرضى السرطان، وهو مؤشر خطير، عدا عن حاجة 50 إلى 60% منهم للسفر من أجل العلاج في مراكز تخصّصية.
الصورة
تهتم بالأطفال المرضى في المستشفى (العربي الجديد)

مجتمع

تضطرّ الكثير من الممرّضات الفلسطينيات الأمهات إلى العمل أيام العيد، من دون أن يتمكنّ من الاحتفال مع عائلاتهن. وفي الوقت نفسه، يرفضن التخلي عن مهنتهن

المساهمون