انفجار بيروت... جروح لم تلتئم بعد عام

انفجار بيروت... جروح لم تلتئم بعد عام

بيروت
ريتا الجمّال
بيروت
ريما أبو خليل
04 اغسطس 2021
+ الخط -

مرّ عام كامل على انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020. الجروح النفسية ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن حقيقة الانفجار لم تُكشف، ولم يحاسب أي مسؤول عن تدمير العاصمة اللبنانية، وقتل أكثر من مئتي شخص وجرح وتشريد الآلاف.
يصف مدير البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور ربيع الشمّاعي في حديثه لـ "العربي الجديد" انفجار مرفأ بيروت بأنه "كارثة جماعية لا يمكن وضعها في خانة الذكرى، طالما أن الجرحَ لم يُختم بعد عبر معرفة حقيقة ما حصل وتحقيق العدالة، وهو ما يمثل الخطوة الأولى للحديث عن شفاء فردي أو جماعي لأهالي الضحايا والمتضررين وعموم اللبنانيين، ولبدء أهالي الضحايا تحديداً حدادهم الرسمي". ويوضح الشمّاعي أن "البرنامج الوطني للصحة النفسية باشر منذ اليوم الأول من الانفجار تحضير متطلبات توفير استجابة نفسية لكارثة بيروت ارتكزت على ثلاثة أسس، أولها نشر معلومات مفيدة حول ردود الفعل المرتقبة وكيفية التعامل معها، وطريقة الحصول على خدمات الصحة النفسية". ويتابع: "لحظ الأساس الثاني في عملية توفير استجابة نفسية للانفجار تنسيق دور الجمعيات التي اهتمت بالصحة النفسية المرتبطة بالكارثة، بهدف التأكد من أن تدخلاتها تتناسب مع إرشادات منظمة الصحة العالمية، وتبنى على براهين عملية لا تلحق أذى إضافياً بأشخاص. وحتّم ذلك إخضاع المتطوعين إلى تدريبات تساعدهم في طريقة التعاطي مع الناس، كما تعاونا مع الجسم الإعلامي في شأن كيفية تغطية الموضوع وتفاصيله". أما الأساس الثالث، "فيرتكز على توسيع رقعة خدمات الصحة النفسية خصوصاً في بيروت، ودمجها بإجراءات الرعاية، علماً أننا لم نستهدف فئة محددة".

وجع إنساني وليس مرضاً
يؤكد الشمّاعي حرص البرنامج الشديد على "عدم تحويل وجعٍ إنساني وقضية حقوقية إلى مسألة تقنية نفسية، لأن الانفجار لم يكن زلزالاً أو قضاءً وقدراً، بل حدث كان يمكن تفاديه. وهناك مسؤولية يجب أن يتحمّلها أشخاص، ويجب العمل لإحقاق العدالة لأهالي الضحايا والمتضررين وجميع اللبنانيين، والذين يعد وجعهم أمراً طبيعياً جداً".
ويلفت إلى "تحقيق الكثير على صعيد الاستجابة الأولية، وتزويد أهالي الضحايا والمتضررين المعلومات المطلوبة المرتبطة بردود الفعل التي تبقى في إطارها الطبيعي، ولا يمكن أن نصنّفها بأنها حالة نفسية مرضيّة، وبينها قلّة النوم والأرق ورؤية كوابيس، والتعرض لصدمات، وغيرها".
ويعتبر الشمّاعي أن "العلاقة بين العدالة والصحة النفسية تسلك طريقاً واحداً في اتجاهين. فالعدالة ضرورية في بناء الصحة النفسية الجيدة، كما أنه من المهم المساعدة في تخفيف آلام الأفراد، وإيجاد الطاقة الكافية جسدياً وفكرياً ونفسياً كي يطالبوا بحقوقهم ويكملوا مشوارهم نحو العدالة، مع تجنب تحويل الوجع الإنساني المحق في لبنان ولا سيما في بيروت، إلى حالة نفسية مرضيّة".
ويوضح أن "حدث الانفجار في مرفأ بيروت كان صادماً، لكن يمكن لأي شخص أن يعيشه أو يتفاعل معه في شكلٍ مختلفٍ، انطلاقاً من عوامل عدّة، منها المكان الذي كان فيه عند وقوع الانفجار، وحجم الخسارة، وأحياناً التجارب السابقة التي يكون الشخص قد مرّ بها مثل الحروب والانفجارات. وبالطبع هناك من يعيش حدثاً مماثلاً للمرة الأولى في حياته، ما يجعل التفاعل على شكل تروما (صدمة) للبعض، في وقت يمكن أن يحرك الحادث موارد أخرى لدى آخرين في تعاملهم مع الواقعة. وفي النهاية، هذه كارثة وطنية يجب التعامل معها على هذا الأساس".

الصورة
أهالي بيروت ما زالوا يبكون (حسام شبارو/ الأناضول)
أهالي بيروت ما زالوا يبكون (حسام شبارو/ الأناضول)

عامل الوقت
يضيف: "استناداً إلى ذلك، قد يحتاج أشخاص إلى موارد أساسية مثل مأكل ومشرب وأمور مادية لبناء حياتهم مجدداً في شكل يحافظ على كراماتهم، وأيضاً إلى موارد نفسية للتعامل مع الأوجاع، وأخرى حقوقية لمعرفة ما حصل. ويبقى بين 10 و20 في المائة من الناس، بحسب دراسات منظمة الصحة العالمية، في خطر مواجهة تطور حالاتهم إلى اكتئاب أو قلق شديد ومشكلات كبيرة في السلوك. كما قد نرى حالات اضطراب وسوء استعمال لمواد تتسبب في الإدمان".
ويشير إلى أن "التداعيات النفسية للحادث الصادم قد لا تظهر سريعاً، وتحتاج إلى فترة زمنية قد تستغرق أشهراً أو حتى سنوات من أجل إخراج الشخص مشاعره ويعبّر عنها وعمّا رآه أو عايشه. من هنا أهمية توسيع رقعة الخدمات الصحية، من دون أن ننسى أن الأزمات السياسية والمعيشية والاقتصادية والصحية على صعيد فيروس كورونا في البلاد، تشكل عوامل يجب حلها أيضاً لمعالجة المتضررين نفسيا".
وفي شان الأطفال، يقول الشمّاعي أن كُثراً يعتقدون أن الأطفال غير قادرين على فهم ما يجري حولهم، وينسون بسرعة ما يشاهدونه. لكن الأدلة تؤكد أن الأطفال معرضون لصدمة حتى أكثر من البالغين، لكن التعبير عن التأثر بالصدمة يختلف بين الفئتين. فالراشدون قد يفعلون ذلك بالبكاء أو الغضب أو الكلام، أما الأطفال فبحركات أجسامهم وسلوكهم، مثلاً قد يشتكي بعضهم من آلام في البطن أو الحرارة، أو تحصل لديهم حالات تبوّل لا إرادي وبكاء مستمرّ وتعلق شديد بالأهل، أو نوبات غضب ودرجة انفعال عالية. وهنا دور الأهل في فهم هذه العوارض وحماية أطفالهم من خلال التحدث معهم في شأن ما حدث، وتفسير التغيرات التي حصلت، ومنحهم أطفالهم مجالاً للتعبير والاستجابة لهم بحنان. ومن الضروري تخصيص وقت لكل طفل من أجل الاطمئنان إلى وضعه ومراقبة سلوكه وطريقة نومه، مع مواصلتهم الاهتمام بصحته النفسية، باعتبار أن الطفل يتلقى أحياناً إشارات من أهله".

الصورة
يعيش بين الدمار في مار مخايل (أنور عمرو/ فرانس برس)
يعيش بين الدمار في مار مخايل (أنور عمرو/ فرانس برس)

واحدة من سلسلة أزمات 
في السياق، تقول ممثلة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في لبنان يوكي موكو لـ "العربي الجديد" إن "انفجار مرفأ بيروت تسبّب في مقتل ستة أطفال وجرح حوالي ألف، وتضرّر آلاف المنازل بينهم 100 في شكلٍ مباشر، والتي دمّر بعضها بالكامل، علماً أن حوالي 600 ألف طفل كانوا على مسافة 20 كيلومتراً من موقع التفجير الذي حمل تأثيرات سلبية مختلفة لهم، منها على الصعيد النفسي على المديين القصير والطويل".
تضيف أن "المنظمة وشركاءها يعملون في شكلٍ مستمرّ ميدانياً، وقدموا خلال الأشهر الأخيرة خدمات الدعم النفسي الاجتماعي لأكثر من 33 ألف شخص بينهم 7200 طفل". وتشدد على أهمية تقديم دعم اجتماعي وفي مجال الصحة العقلية لمساعدة الأطفال وأسرهم على التعافي من صدمة الانفجار، والضرر الناتج عن المأساة واستعادة الرفاهية، وذلك من خلال مجموعة توفر الرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال والأهل، وإنشاء أماكن أو مساحات صديقة للأطفال في المناطق المتضررة، وتوفير دعم متخصّص ومركّز ومكثَّف وطويل الأمد لمن يحتاجون إليه".
وتشدد موكو على أن انفجار مرفأ بيروت "واحد من سلسلة أزمات مترابطة ومتتالية تؤثر على كل جوانب حياة الأطفال، وبينها التعليم والصحة البدنية والنفسية والأمن الغذائي".
وتشرح أن "يونيسف" أجرت في إبريل/ نيسان الماضي تقييماً سريعاً لفهم وضع الأطفال الذي يعيشون في أنحاء لبنان. وأن نتائجه كشفت عمق الضغط النفسي الذي يعانون منه، علماً أن نسبة 80 في المائة من الحاصلين على رعاية أبلغت المنظمة أن رفاهية أطفالهم باتت أسوأ في الأشهر الـ18 الأخيرة، وأنهم يواجهون صعوبات أكبر في التعلّم نتيجة حرمانهم من المدرسة، والإضطرار إلى ملازمة المنزل". 
وتشير نسبة 75 في المائة من متلقي الرعاية إلى أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و14 عاماً يكافحون من أجل التركيز على الدراسة، ما قد يشكل بحسب متخصصين "مؤشراً إلى وجود اضطرابات عقلية"، علماً أن وجود الأطفال في المنزل طوال الوقت يؤثر في متلقي الرعاية أيضاً الذين تعترف نسبة 44 في المائة منهم بأن صبرها على أطفالها نفد".

الصورة
صور لعض ضحايا الانفجار على سيارة في بيروت (إبراهيم عمرو/ فرانس برس)
صور لبعض ضحايا الانفجار على سيارة في بيروت (إبراهيم عمرو/ فرانس برس)

وجع عدم المحاسبة
إلى ذلك، تتذكر الناجية ملاك كراجة، خلال حديثها مع "العربي الجديد"، تفاصيل اللحظات الأولى التي تلت الانفجار حين كانت تلتقي صديقة لها في منطقة مار مخايل إحدى المناطق الأكثر تضرراً بالانفجار. وتقول: "امتلأ الطريق من منطقة الجعيتاوي - الأشرفية حيث أسكن حتى مار مخايل بجرحى وقتلى، في حين انتشر الزجاج المتطاير في كل مكان، وكانت المستشفيات مدمّرة". تضيف: "لم يكن هناك مكان للمشاعر، بل لضرورة التحرك. وأنا أشعر بألم وصدمة مما حصل، في حين أنني لا أستطيع استيعاب الفاجعة، خصوصاً أن المسؤولين كانوا يعرفون بوجود مادة نترات الأمونيوم التي انفجرت في المرفأ".
وتوضح أن "هذه المشاعر تحوّلت إلى غضب ورفض لما حصل، إذ امتنعت عن رفع الأضرار في منزلي في المرحلة الأولى، لأنني تمسكت بأن أشخاصاً دمّروه ويجب أن يتحمّلوا المسؤولية، وينالوا العقاب المناسب. وبالنسبة لي لا يمكن أن تعود الحياة إلى طبيعتها، ولا يمكن أن أشعر بأمان، إذا لم يستعاد الحق. كما أخشى تكرار ما حصل".
وتروي كراجة المشكلات النفسية التي عانت منها بعد الانفجار، وبينها عجزها عن النوم بطريقة منتظمة، وشعورها بالخوف عند سماع أصوات عالية مثل الرعد في الشتاء، وتلك الناتجة عن مفرقعات.
ولا تتردد كراجة في انتقاد عدم تحرّك المواطنين في شكل فاعلٍ بعد الانفجار، معتبرة أن تنظيف الشوارع ورفع الأضرار "كان أمراً مستفزاً وبمثابة الهزيمة، رغم أن دوافعه إنسانية. لكن ما حصل لم يكن كارثة طبيعية، وكان يجب تحصيل حقوق المواطنين أولاً، ومحاسبة القتلة".
وتتحدّث أيضاً عن التحركات القليلة التي حصلت بعد أيام قليلة من الانفجار، والتظاهرات التي واجهتها قوات الأمن اللبنانية بالرصاص الحي والمطاطي، والغاز المسيل للدموع، مشيرة إلى أنها غابت عن هذه التظاهرات لأنها فقدت الأمل بحصول تغيير.
وترى أن "العلاج النفسي قد يساعد في الحياة اليومية. لكننا لن نلملم خسارتنا فعلاً إلا حين يحاسب المسؤولون المتواطئون في الفاجعة، ونرى من أوصل الموت إلى بيوتنا ميتاً، فروحه ليست أغلى من أرواح من قُتلوا. وحالياً يبدو واضحاً أن غالبية المسؤولين لا يبالون بنا، ويستطيعون قتلنا بلا محاسبة".

دائماً في "المسلخ"
من جهته، يتحدث الناجي مارك حايك لـ "العربي الجديد" عن مشاهداته في يوم الانفجار، وكيف بحث في المستشفيات لمدّة 6 ساعات عن أصدقاء له كانوا في منطقة مار مخايل. ويصف بأن المناطق المتضررة كانت أشبه بمسلخ في ذلك اليوم، كاشفاً أنه بحث حتى عن أصدقائه بين جثث وأشلاء، ويقول: "فقدت 4 من رفاقي في ذلك اليوم، ولا أعلم إذا كنت عاينت جثثهم خلال جولاتي في الطرقات والمستشفيات".
يضيف: "لا أزال أحمل جرح 4 أغسطس/آب. لم يغيّر حصولي على علاج نفسي شيئاً، ولم أشعر بأي راحة وأتناول أدوية علاج، علماً أن الأصوات المرتفعة تخيفني، وأعجز عن النوم، وكنت أختبئ من أصوات الرعد في الشتاء".

ويستغرب حايك محاولة مواطنين مواصلة حياتهم كأنّ شيئاً لم يحدث، "فهذا استفزاز بالنسبة لي، وأمر أعجز عن فهمه. وأعتقد بأنه لم يتم الحديث حتى الآن بشكل لائق عمّا حصل، ولم نفهم تفاصيله. وأنا أتخوّف من تكرار الحادث، لأنّنا لا نزال نعيش الواقع نفسه".
ولا يعتقد حايك بأنّ مغادرة بيروت قد تفيده، "لأنني لم أتعامل بعد مع ما حصل في شكل كامل، والبقاء في بيروت قد يساعدني في تحقيق ذلك". ويقول: تغيّرت نظرتي للحياة. وأصبحت أشعر بالاستفزاز ممّن يتعاملون كأن لا شيء حصل. وأرى أنه لا يمكن تخطي الصدمة التي أكتفي بالتعامل معها فقط. فالانفجار ليس عبارةً عن 4 أغسطس/ آب فقط، بل الفترة التي تلته أيضاً".

ذات صلة

الصورة
تحقيق لبنان-الهرمونات 1

تحقيقات

يعاني العشريني اللبناني سليمان العاصي، من آثار الاستخدام المفرط لحقن الهرمون الذكري "التستوستيرون" تسمى "ديكا"، استعملها في محاولة لزيادة حجم عضلاته وتحسين شكل جسده، الذي دفعه اعتقاده بكونه "غير متناسق" إلى ما هو أسوأ
الصورة
أزمات متفاقمة وغضب في الشارع اللبناني

مجتمع

أدى عشرات اللبنانيين صلاة الجمعة في باحة محطة للمحروقات بمدينة صيدا، جنوبي البلاد، احتجاجاً على انقطاع الوقود.
الصورة
محمد رمضان/فيسبوك

منوعات وميديا

يبدو أن زيارة الممثل والمغني المصري محمد رمضان إلى بيروت في الأيام الماضية لم تحمل معها سوى عاصفة من الانتقادات
الصورة

سياسة

كشف الجيش اللبناني، اليوم السبت، عن مكان الشبان السوريين الذي اختفوا، يوم أمس الجمعة، أمام مبنى سفارة النظام السوري في بيروت.

المساهمون