هجوم مطار عدن: جرس إنذار يهدد بخلط أوراق اتفاق الرياض

31 ديسمبر 2020
أصاب الهجوم الشارع بنوع من الصدمة بعد تزايد الآمال بنجاح حكومة المحاصصة الجديدة(فرانس برس)
+ الخط -

أصاب الهجوم المروع الذي تعرض له مطار عدن، الشارع اليمني بنوع من الصدمة بعد تزايد الآمال بنجاح حكومة المحاصصة الجديدة في طي حقبة الصراعات السياسية التي تشهدها المحافظات الخاضعة للشرعية، والاستقرار النسبي الذي انعكس سريعاً على الجانب الاقتصادي.

وكشف الهجوم الذي طاول المدرج والصالة الرئيسية للمطار قبل لحظات من نزول أعضاء الحكومة الجديدة من الطائرة الرئاسية، نهار الأربعاء، عن ملامح مرحلة جديدة للصراع، الهدف منها خلط أوراق اتفاق الرياض مجدداً، والعودة إلى مربع الصفر.

وكانت الحكومة اليمنية، أدت، السبت الماضي، اليمين الدستورية أمام الرئيس عبدربه منصور هادي، في العاصمة السعودية الرياض، وذلك في غياب ممثل "التنظيم الوحدوي الناصري" الذي رفض تأدية اليمين في أراض غير يمنية.
وجاء أداء اليمين بعد 9 أيام من صدور قرار جمهوري بتشكيل الحكومة، رغم حملة مطالبات شعبية بضرورة إجراء مراسم القسم في العاصمة المؤقتة عدن، كما نصت على ذلك الآلية التنفيذية لاتفاق الرياض.  

وبدلاً من إنجازه في المرحلة التي تسبق الحكومة، كان الوسطاء السعوديون قد أضافوا عبئاً جديداً على الحكومة الشرعية بترحيل الجزء الأكبر من الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض إلى ما بعد وصول مجلس الوزراء إلى عدن، الذي سيجد نفسه مكبّلاً باستكمال الانسحابات وجمع السلاح الثقيل. 

وبالنظر إلى أبعاد الهجوم الذي أودى بحياة 26 شخصاً بينهم عاملون من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون سقوط شخصيات سياسية أو عسكرية رفيعة، يتضح أنّ العملية بمثابة جرس إنذار من أطراف ترى في تواجد الحكومة على الأرض تهديداً لها، كما تسعى إلى ضرب العلاقة بين التحالف السعودي والقوى السياسية الشريكة في الحكومة التي قطعت التزاماً بعدم الجنوح للعنف مجدداً.

وفيما أجمعت كافة الأطراف، وخصوصاً التحالف السعودي والحكومة الشرعية والأحزاب المؤيدة لها، على توجيه أصابع الاتهام لجماعة الحوثيين بالوقوف وراء الحادثة، كان لافتاً أنّ "المجلس الجنوبي الانتقالي" المدعوم إماراتياً، والمسؤول الأول عن أمن عدن، طالب، على لسان نائبه هاني بن بريك، بالتأني في إطلاق التهمة على الحوثيين.

ولم يستمر موقف الانتقالي طويلاً، حيث ظهر المجلس بعدها بساعات في بيان رسمي يتراجع فيه عن تصريحات نائبه، ويحمّل جماعة الحوثيين المسؤولية الكاملة، إلى جانب ما سماها " القوى المتضررة" من تنفيذ اتفاق الرياض، والتي لم يسمها.

وتجنب المتحدث العسكري للحوثيين التطرق لهجوم عدن سواء بالتبني أو نفي الاتهامات، لكن عضو الوفد المفاوض للجماعة، عبدالملك العجري، قال في تغريدة على "تويتر"، إنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يتخذ فيها التحالف والشرعية من جماعته "غطاء لتصفية الحسابات البينية لحكومة الشركاء المتشاكسين"، حسب تعبيره.

وفيما أشار العجري إلى أنّ عودة الحكومة "ستكون مناسبة لعودة التوتر والاغتيالات"، ذكر القيادي الحوثي أنّ "أياماً عصيبة تنتظر عدن وسيكون الغطاء جاهزا، وما على الجميع إدراكه أنّ الرياض عبر تاريخها لا تصنع غير الخراب".

وفي ظل عدم تبني جماعة الحوثيين رسمياً للعملية، أجمعت كافة الأطراف أيضاً على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق عاجلة في ملابسات الهجوم الإرهابي، الذي قوبل بتنديد إقليمي ودولي وأممي واسع النطاق، وأسفر عن 26 قتيلاً وأكثر من 100 جريح، وفقاً لآخر الإحصائيات.

وبعد ساعات من توجيه الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة وزير الداخلية وعضوية قيادات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والسلطة المحلية بعدن بالتنسيق مع التحالف السعودي الإماراتي، طالب "المجلس الجنوبي الانتقالي" هو الآخر بتحقيق عاجل بمشاركة دولية.

وكشفت العملية الإرهابية، عن اختراق أمني داخل المنظومة الأمنية لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي لجأ عقب الهجوم إلى تنفيذ حالة طوارئ أمنية قصوى داخل عدن، في مسعى منه للإمساك بأي خيوط قد تقود إلى منفذي الهجوم.

كشفت العملية الإرهابية، عن اختراق أمني داخل المنظومة الأمنية لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"

وقالت مصادر محلية وأمنية لـ"العربي الجديد"، إن وحدات أمنية وعسكرية انفصالية قطعت، ليل الأربعاء وفجر الخميس، الطرقات المؤدية إلى مديرية خور مكسر التي يقع في نطاقها مطار عدن، كما نفذت حملة مداهمة للبحث عن خلايا مشتبه بضلوعها في الهجوم.

وأعاد هجوم المطار إلى الأذهان، عملية مماثلة استهدفت حكومة خالد بحاح، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2015، عندما كانت تقيم في فندق القصر بعدن، وتعرضت لاستهداف مدمر سقط فيه العشرات من العسكريين، بهدف إرغامها على مغادرة العاصمة المؤقتة عدن بعد أيام من وصولها وإعلانها البقاء من أجل تطبيع الأوضاع.

وخلافاً لما حدث مع حكومة بحاح التي وجدت نفسها مجبرة على الرحيل مجدداً صوب الرياض لعدم امتلاكها أي مقر يمكنها الاحتماء فيه من هجمات مقبلة، ظهر رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، معين عبدالملك، بشكل فوري، للإعلان أن حكومته ستبقى في عدن رغم الهجوم.

المستفيد الأكبر

وتباينت وجهات النظر حيال الاتهامات الموجهة لجماعة الحوثيين، ففي حين قلل البعض من دقتها واعتبرها مجرد مكايدات سياسية، أكد مراقبون وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، أنّ المليشيا الحوثية هي المستفيد الأكبر من عملية دامية كتلك التي ضربت المطار.

وقالوا إن التفجير سيوصل رسالة بأن عدن غير آمنة ولن يكون بمقدور الشرعية أو الانتقالي تأمينها، فضلاً عن تغيير حركة الطيران منها لفترة غير معلومة، كما أن مقتل عدد من الطواقم الإنسانية للجنة الدولية للصليب الأحمر، سيجعل عدن منطقة غير مرحب بها للعمل الإغاثي، في مقابل احتفاظ صنعاء بأوراق اللعبة السياسية والإنسانية.

ورغم الإجماع على مسؤولية جماعة الحوثيين عن الهجوم، إلا أن خبراء أكدوا لـ"العربي الجديد" أن المليشيا الحوثية لن تستطيع تنفيذها بدون وجود أطراف على الأرض داخل عدن، تتماثل معها في نفس الأهداف.

وقال الناشط السياسي، سعيد الورد، إن حجم الدمار الذي تسبب به الصاروخ في مدرج المطار يؤكد استخدام أسلحة نوعية لا يمتلكها سوى جماعة الحوثيين، لكن كان من الواضح وجود خلايا لها داخل المطار أبلغتها بوصول الطائرة الرئاسية وحددت الإحداثيات.

وقدّم الهجوم الثاني، الذي حاول استهداف القصر الرئاسي بطائرة مسيرة، دليلاً إضافياً للتحالف السعودي الإماراتي الذي أعلن، أنّ "المحاولة البائسة لاستهداف معاشيق، تؤكد مسؤولية المليشيا الحوثية عن الاعتداء الإرهابي الجبان على مطار عدن".

ولم تكن السعودية في منأى عن الاتهامات، حيث حمّلت لجنة الاعتصام السلمي في المهرة، التحالف السعودي الإماراتي المسؤولية، كونه المتحكم بمحافظة عدن.