الريال اليمني ينتعش... والغلاء يتواصل

الريال اليمني ينتعش... والغلاء يتواصل

31 ديسمبر 2020
الصورة
أسعار السلع ما زالت مرتفعة رغم الإجراءات الحكومية (فرانس برس)
+ الخط -

في الوقت الذي أنعش تشكيل الحكومة الجديدة العملة اليمنية التي تشهد تحسنا ملحوظا وارتفاع سعر صرفها أمام الدولار إلى نحو 670 ريالا حاليا بعد أن تجاوزت 900 ريال مطلع ديسمبر/كانون الأول، إلا أن أسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية مستمرة في الارتفاع في مؤشر واضح على عدم انعكاس تحسن العملة على الأسواق المحلية التي اعتادت الاستجابة سريعاً لموجات الانهيار الذي شهدته العملة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

رصدت "العربي الجديد"، في هذا الصدد الحركة التجارية في عدن ومحافظات يمنية أخرى خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، حيث أكد مواطنون بقاء أسعار السلع مرتفعة رغم تحسن العملة التي كانت حجة التجار في الغلاء الذي تشهده الأسواق، إذ يصل سعر كيس الدقيق (50 كيلوغراما) إلى نحو 24 ألف ريال من 18 ألف ريال سعره نهاية الشهر الماضي، وزاد كيس الأرز نفس الحجم إلى ما يناهز 55 ألف ريال من 40 ألف ريال. 
فيما أسعار الأسماك لا تزال ملتهبة رغم التدخلات الواسعة التي قامت بها السلطات المحلية في عدن ومحافظات أخرى في جنوب اليمن لضبط أسعارها ومعالجة شح المعروض من مختلف أصنافها المتداولة في الأسواق.

ويعبر المواطن أحمد النخعي من سكان مدينة عدن، عن عدم مبالاته بالإجراءات الحكومية وما نتج عن اتفاق الرياض من توافق على تشكيل حكومة جديدة بين فرقاء ضاعف صراعهم خلال الفترة الماضية من معاناة الناس بشكل كبير في جميع المحافظات اليمنية. ويقول النخعي لـ"العربي الجديد": "نسمع جعجعة ولم نرَ أي طحين"، في إشارة إلى بقاء معاناة الناس في أوجها وعدم وجود أي مؤشر يدفع للتفاؤل بتحسن الأوضاع المعيشية، خصوصاً في بعض الأمور التي يمكن أن تُلمس سريعاً مثل أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.
وزير الصناعة والتجارة في الحكومة الجديدة، محمد الأشول، كانت توجيهاته الأولى عقب أداء الحكومة لليمين الدستورية أمام الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، بإصدار تعميم إلى الجهات المعنية في عدن مثل مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للحكومة اليمنية بسرعة النزول الميداني لضبط أسعار السلع وفقاً لأسعار صرف العملة وبما يعزز الاستقرار التمويني والرفع أولاً بأول بما تم من إجراءات.
وتتطلب المرحلة الراهنة كما جاء في التعميم الذي اطلعت عليه "العربي الجديد"، تكاتف الجميع بما يخدم الصالح العام وتطبيع الأوضاع بما ينعكس ايجابياً على استقرار أسعار السلع والخدمات. من جانبه، يوضح المتعهد التجاري، فضل ثابت، سبب عدم انعكاس تحسن سعر صرف الريال على الأسواق التجارية، إلى ما رافق انهيار العملة خلال الفترة الماضية من تبعات ألقت بظلالها على القطاع التجاري الذي تأثر كثيراً بهذا التدهور والصراع الذي دار بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي وكذا الانقسام المالي الراهن في اليمن، وبالتالي لم يسارع التجار لخفض الأسعار.

وأكد أن الأسواق لا تزال تتداول سلعا وبضائع فواتير توريدها وإنتاجها مرتبطة بسعر صرف مرتفع للعملة التي ظلت سوق الصرف تتداولها عند حدود 750 و900 طوال الأشهر الثلاثة الماضية. وأشار المتعهد التجاري في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى صعوبة الحصول على الدولار للاستيراد إضافة إلى الإجراءات المعقدة في فتح الاعتمادات المستندية لتوريد السلع وعمليات النقل عبر المنافذ والمدن، وهي عوامل ساهمت في ارتفاع تكاليف وخسائر القطاع التجاري بشكل كبير. 
وفي الوقت الذي تتجه فيه الحكومة عقب عودتها إلى عدن لإعادة تنشيط دور الموارد النقدية من العملة الخارجية، يؤكد متعاملون مصرفيون عن تعرض القطاع المصرفي والتجاري لخسائر جسيمة بسبب الاضطراب الحاصل في سوق الصرف.
ويرى الباحث الاقتصادي مراد منصور، أن المرحلة الراهنة تقتضي إيجاد معالجات طارئة يلمسها اليمنيون في جميع المحافظات وتوفير الخدمات العامة وتطبيع الأوضاع في المناطق التي تأثرت كثيراً بالصراع الدائر في عدن وسقطرى والمهرة وأبين وغيرها.
وبخصوص عدم استجابة الأسواق التجارية لانتعاش العملة واستمرار ارتفاع أسعار السلع، يشدد منصور لـ"العربي الجديد" على أن الوضع القائم حالياً يشوبه غموض واضطراب شديد خصوصاً في سوق الصرف التي تشهد عمليات بيع واسعة بالمكشوف في استغلال واضح لهذا الوضع الغامض، إضافة إلى أن السلع المتداولة حاليا مرتبطة بسعر الصرف المنخفض للريال لذا ستبقى لفترة على هذا المستوى في الأسعار المتداولة. في السياق، كشفت مصادر حكومية مطلعة لـ"العربي الجديد"، عن تلقي الحكومة الجديدة عقب تشكيلها، وعوداً سعودية بتخصيص وديعة مالية، رجحت هذه المصادر أن تصل إلى نحو 3 مليارات دولار ستكون تحت تصرف الحكومة المشكلة حديثاً.
وفق مصادر أخرى مطلعة تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن الوديعة مرهونة بشروط إضافية لتلافي ما رافق الوديعة المالية السعودية السابقة من أخطاء وشبهات فساد واسعة سرعت بعملية استهلاكها ونفادها بدون تحقيق أي مردود اقتصادي، إذ تتحدث هذه المصادر عن توجه لوضع هذه الوديعة الجديدة في حال تخصيصها في حسابات حكومية بدول أوروبية مثل سويسرا وفرنسا وبريطانيا وتشكيل لجنة رقابية تشرف على عملياتها المصرفية.

وعود السعودية شجعت البنك المركزي اليمني في عدن على اتخاذ عديد الإجراءات لطمأنة سوق الصرف وإصدار إعلان لعملاء البنوك التجارية والإسلامية أنه بصدد إرسال دفعات جديدة من الوديعة السعودية، مع الإشارة إلى أن كل الطلبات التي سلمت للبنك المركزي خلال الفترة السابقة والخاصة بتغطية اعتمادات السلع الأساسية من الوديعة والتي لم تصل بها موافقة من البنك المركزي إلى العملاء تعتبر لاغية.
وبدأ البنك في هذا الصدد باستلام طلبات العملاء الجديدة لتغطية الاعتمادات المستندية للسلع الأساسية من الوديعة السعودية، والتأكيد على إبلاغ عملاء البنوك التجارية والإسلامية بذلك.
وكانت الحكومة اليمنية أعلنت يوم 21 ديسمبر/كانون الأول الجاري، حصولها على موافقة لسحب دفعة جديدة من الوديعة السعودية السابقة بهدف تغطية طلبات فتح الاعتمادات لاستيراد السلع الأساسية، وسط تراجع جديد للريال أمام العملات الأجنبية. وأعلن المجلس الاقتصادي الأعلى التابع للشرعية، في بيان صحافي، وصول الموافقة على سحب الدفعة رقم (39) من الوديعة السعودية بمبلغ إجمالي 94 مليون دولار، لتغطية طلبات فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع الأساسية. 
وأكد مصدر في البنك المركزي اليمني لـ"العربي الجديد" أن هذه هي الدفعة الأخيرة من الوديعة النقدية السعودية. 
وكانت السعودية قد قدمت، في العامين الماضيين، وديعة بمبلغ ملياري دولار، وذلك بعد الانهيار التاريخي للعملة المحلية، قبل أن يتحسن أخيرا. وقامت الحكومة اليمنية بعملية سحب قبل الأخيرة من الوديعة السعودية، منتصف أغسطس/آب الماضي، عندما حصلت على الموافقة بسحب 60 مليون دولار من الاعتمادات المستندية المدعومة من الوديعة السعودية بالتزامن مع ذروة تفشي فيروس كورونا.

المساهمون