قضية ريجيني: إيطاليا تطلب معلومات عن 3 ضباط جدد

22 أكتوبر 2020
الصورة
تحريات عن شخصيات مصرية تعرف إليها ريجيني (أنطونيو ميليتا/Getty)
+ الخط -

أفادت مصادر قضائية مطلعة على مجريات قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في مصر عام 2016، بأن مكتب المدعي العام في روما أرسل طلباً قضائياً للنيابة العامة المصرية، للحصول على معلومات عن 3 شخصيات شرطية جديدة يأتي ذكرها للمرة الأولى في التحقيقات الإيطالية. وترتبط تلك التحقيقات بظروف تعرف ريجيني على الشخصيات المصرية، التي يرجح أن تكون قد نقلت معلومات عن نشاطه البحثي لجهازي الأمن الوطني والاستخبارات العامة.
وأوضحت المصادر، لـ"العربي الجديد"، أن الشخصيات الشرطية جميعها كانت تعمل بالأمن الوطني في الجيزة والقاهرة خلال فترة دراسة ريجيني في الجامعة الأميركية بمصر. وبحسب المصادر، فإن أحدهم كان قد تواصل مع بعض زملاء ريجيني فور قدومه للتعرف إلى طبيعة دراساته، وثانيهم أجرى اتصالات هاتفية مع نقيب الباعة الجائلين محمد عبد الله، الذي اعترف من قبل وتفاخر بأنه سلّم ريجيني للأمن المصري بعدما تشكك في عمله لحساب جهة أجنبية. وحصل ذلك في مرحلة مبكرة تسبق مقتل الطلب الإيطالي بنحو عامٍ كامل.

يرجح المحققون الإيطاليون أن يكون الضباط الثلاثة شركاء للرائد بالأمن الوطني مجدي شريف

وبحسب المصادر، فإن الشرطي الثالث الذي طلبت روما معلومات عنه، كان قد كتب تقريراً عن نشاط ريجيني بمعلومات استقاها من مصادر وصفها بالسرّية. واعتمد شرطيون آخرون راقبوا الضحية لاحقاً على هذا التقرير، الذي تضمن الكثير من الوقائع التي تؤكد روما أنها غير سليمة وغير متسقة مع نشاط ريجيني الدراسي، وكانت تهدف بشكل أساسي إلى التحريض عليه وعمل قضية من لا شيء. وقال المحققون الإيطاليون في أحد تقاريرهم إن هذه الطريقة معتادة في الأجهزة الأمنية التابعة للدول البوليسية وغير الديمقراطية.

تقارير عربية
التحديثات الحية

وذكرت المصادر أن المحققين الإيطاليين استقوا هذه المعلومات من ملفات التحقيقات باللغة العربية التي سلّمتها النيابة العامة المصرية لروما، والتي لا يزال بعضها يخضع لعملية تحسين ترجمة، للوصول إلى معاني بعض العبارات المذكورة، خصوصاً في التقارير الأمنية ومذكرات التحريات المضمنة في التحقيقات. كما أن بعض الخيوط أوضحتها أقوال شخصيات مصرية في الخارج وأجنبية تعامل معها ريجيني خلال فترة دراسته، وقبلت الإدلاء بأقوالها في روما.
ويرجح المحققون الإيطاليون أن يكون الضباط الثلاثة شركاء للرائد بالأمن الوطني مجدي شريف، الذي سبق أن نشر ادعاء روما اسماً رباعياً تقريبياً له هو "مجدي إبراهيم عبد العال شريف"، والذي أبلغ عنه ضابط أفريقي سابقاً بأنه سمع منه حديثاً عفوياً أثناء تدريب للضباط الأفارقة في كينيا عام 2017، اعترف فيه بتورطه في قتل ريجيني، أو "الشاب الإيطالي" كما وصفه. وبحسب الرواية، فقد وصل بشريف الأمر إلى حدّ القول إنه "لكمه مرات عدة" بسبب "الاشتباه في كونه جاسوساً بريطانياً".
ويتجه الادعاء الإيطالي إلى أن الضابط مجدي شريف شارك الضباط الثلاثة الجدد، أو خلفهم في إدارة ملف ريجيني، وأنهم جميعاً قاموا بتكوين شبكة من المخبرين حول ريجيني، والتي تضم، حسب السيناريو الإيطالي، كلاً من زميلة ريجيني المقربة الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن محمد السيد الصياد، ونقيب الباعة الجائلين.
ولا يبدو اسم الضابط مجدي شريف دقيقاً تماماً، لكنه أحد الضباط الخمسة الذين وجّه الادعاء الإيطالي اشتباهاً صريحاً إليهم في ديسمبر/ كانون الأول 2018 قبل أسابيع أيضاً من الذكرى الثالثة لمقتل ريجيني. وأبرز هؤلاء اللواء خالد شلبي الذي يشغل حالياً منصب مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد، وكان يشغل وقتها منصب مدير المباحث في مديرية أمن الجيزة. 

يعتبر هذا الطلب الأول للادعاء الإيطالي للمصريين بعد البداية الفاشلة لمرحلة التعاون القضائي الجديدة

ويعتبر هذا الطلب أول ما يوجهه الادعاء الإيطالي للمصريين بعد البداية الفاشلة لمرحلة التعاون القضائي الجديدة التي بدأت نهاية العام الماضي، بعد نحو ثلاثة أشهر من بحث النيابة العامة الإيطالية للإجراءات التي يمكن اتخاذها لشن هجوم قانوني أو بالطرق الدبلوماسية على مصر، بعد التأكد من عدم توافر النيّة السياسية لحل القضية، والرهان فقط على إخمادها بتوسيع العلاقات العسكرية والاقتصادية بين البلدين.
وسبق أن ذكرت مصادر دبلوماسية مطلعة أن النيابة الإيطالية في تقريرها لوزارة الخارجية عن الجلسة التي عقدها الطرفان مطلع يوليو/ تموز الماضي عن بُعد، وصفت الطلبات المصرية بأنها "استفزازية وهجومية ومضيعة لمزيد من الوقت". وطلبت النيابة المصرية معرفة أمور عدة سبق إيضاحها في التحقيقات أكثر من مرة، مثل: السبب الحقيقي لاختيار ريجيني لجامعة كامبريدج للدراسة، وسبب اختياره موضوعات تتعلق بمصر تحديداً، وسبب مخالفته شروط دخول البلاد حيث دخلها كسائح ومن ثم بدء الدراسة. كذلك طلبت النيابة المصرية معرفة تفاصيل عن بعض الشخصيات الإيطالية التي كان يتواصل معها ريجيني خلال إقامته المستمرة في القاهرة، وتحركاته خلال آخر زيارة أجراها إلى بلاده في العطلة السابقة على مقتله.

وكان مصدر مصري مطلع قد كشف لـ"العربي الجديد" آنذاك هوية ضابطين من الخمسة المشتبه فيهم. الأول هو اللواء طارق صابر، وليس صابر طارق كما نشر الإعلام الإيطالي وقتها، وكان خلال الواقعة يعمل مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني بناء على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة الجائلين، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر. أمّا الضابط الثاني، فهو العقيد آسر كمال، والذي كان يعمل رئيساً لمباحث المرافق بالعاصمة. وتوجد دلائل على أن كمال هو الذي أشرف على رسم خطة تعقّب ريجيني، في إطار التنسيق بين الأمن الوطني والأمن العام، وقد تمّ نقله بعد الحادث بأشهر عدة للعمل بمحافظة أخرى.
وسبق أن أثار توجيه الاشتباه للباحثة نورا وهبي، تحديداً، نهاية العام الماضي، جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والحقوقية المصرية، في ظل تجاهل إعلامي محلي تام لرواية الادعاء الإيطالي. فوهبي تحظى بسمعة طيبة بين الباحثين المصريين على المستويين الأخلاقي والعلمي، كما أنها كانت أول من نشر نبأ اختفاء ريجيني نهاية يناير/ كانون الثاني 2016 نظراً لقربها الشديد منه، وهي أيضاً أول من استقبل أسرة ريجيني لدى وصولها إلى القاهرة في ذلك الوقت، وهي التي اصطحبت والده ووالدته للمحامين الذين تولوا الدفاع عن حق القتيل أمام القضاء المصري. وجاءت أبرز التعليقات من الأكاديمية رباب المهدي التي أشرفت على جزء من رسالة ريجيني وعلى رسالة نورا وهبي لدرجة الماجستير، حيث طالبت الجميع بعدم الترويج للرواية الإيطالية، ورجحت أن الإيطاليين مستمرون في الضغط على وهبي للحصول على أي معلومات كما فعلوا من قبل مع مشرفته الأكاديمية في جامعة كامبريدج مها عبد الرحمن. وأدى الضغط الإيطالي على عبد الرحمن إلى استباحة الإعلام المصري الموالي للسلطات الخوض في شخصيتها ونواياها وخلفياتها، إلى حد اختلاق أن هناك علاقة بينها وبين جماعة الإخوان.
وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية قد حدث بعد تشكيل حكومة جوزيبي كونتي الأولى، باستدعاء السفير المصري لدى روما هشام بدر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 أيضاً، لحثّه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري، بعدما أصرت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة المتهمين زوراً بقتل ريجيني. ويرجح الإيطاليون أن المسؤول عن تلفيق هذه القضية هو نفسه المسؤول عن قتل ريجيني.
وطرح المصريون آنذاك تساؤلات على الإيطاليين بشأن "دخول ريجيني إلى مصر بموجب تأشيرة دخول سياحية دون التأشيرة اللازمة لقيامه بإجراء أبحاث خاصة برسالة الدكتوراه على النقابات العمالية المصرية المستقلة"، ما اعتبره الإيطاليون تهرباً واضحاً من النيابة المصرية وغلقاً لباب التعاون والتفافاً على مواجهة الجريمة الحقيقية.
وسبق أن تم تعليق التنسيق بين البلدين تماماً منذ ديسمبر/ كانون الأول 2018، عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة للتعرف إلى مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة، قبل أن يعلن الطرفان المصري والإيطالي عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين.

تراهن مصر على إخماد القضية بتوسيع العلاقات العسكرية والاقتصادية بين البلدين

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن النائب العام المصري حمادة الصاوي "تشكيل فريق تحقيق جديد يعكف على دراسة وترتيب أوراق القضية، ويعمل على اتخاذ كافة إجراءات التحقيق اللازمة لاستجلاء الحقيقة في حيادية واستقلالية تامة". وشدد النائب العام المصري على "حرص مصر على استمرار وتطوير التعاون القضائي بين النيابة العامة المصرية والنيابة العامة بروما، بغية الوصول إلى الحقيقة بموضوعية وشفافية تامة، بعيداً عما يتم تداوله إعلامياً من معلوماتٍ مغلوطة عن القضية".
يذكر أن وثيقة حصل عليها "العربي الجديد"، ونشرها في التاسع من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، كشفت أن قيمة مشتريات مصر من الشركات الإيطالية لتصنيع الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والبرمجيات العسكرية لعام 2019 تضاعفت 3 مرات عن قيمة المشتريات في عام 2018، لتكون الأعلى في تاريخ العلاقات بين البلدين. وتجاوزت القيمة بعشرات الملايين القيمة الإجمالية للمشتريات خلال العقد الأخير كاملاً، بواقع مبلغ إجمالي 238 مليوناً و55 ألفاً و472 يورو، مقابل 69.1 مليون يورو تقريباً في عام 2018، حيث تنوعت المشتريات بين أسلحة جديدة بقيمة تجاوز 97 مليون يورو، وقطع غيار للمعدات وبرمجيات وتراكيب وإضافات بقيمة 141 مليون يورو.
وأوضحت الوثيقة أن مصر جاءت في المركز الرابع عالمياً بين مستوردي الأسلحة الإيطالية، خلف الكويت وقطر وألمانيا، إذ تعددت مشترياتها بين مجموعة من أكبر شركات التصنيع الإيطالية، وعلى رأسها شركة "ليوناردو" التي تم الاتفاق معها أخيراً على شراء 24 طائرة تدريب من طراز "أم 346" بقيمة إجمالية تتراوح بين 370 و400 مليون يورو. وهذه الشركة هي ذاتها التي ستورد لمصر 32 طائرة مروحية من طراز "أجوستا - ويستلاند 149"، والتي لم تحصل عليها مصر حتى الآن رغم طلبها في إبريل/ نيسان الماضي بقيمة 400 مليون يورو، وكذلك شركات "بينيللي" و"إلكترونيكا" و"بيريتا" و"سيميل ديفيسا" و"أڤيو" و"فيرتيللي".

المساهمون