قضية ريجيني: حراك إيطالي للرد على أسئلة مصر "الاستفزازية"

10 يوليو 2020
الصورة
تعمل عائلة ريجيني على ديمومة قضيته لمعرفة الحقيقة (Getty)

كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن مرحلة التعاون القضائي الجديدة بين مصر وإيطاليا في قضية مقتل الطالب جوليو ريجيني "حُكم عليها بالفشل مع بدايتها"، وأن النيابة العامة الإيطالية تبحث حالياً الإجراءات التي يمكن اتخاذها لشن هجوم قانوني أو بالطرق الدبلوماسية على مصر. تأتي هذه المستجدات بعد التأكد من عدم توافر النية السياسية لحل القضية، والرهان فقط على إخمادها بتوسيع العلاقات العسكرية والاقتصادية بين البلدين، والزيادة المطردة في صادرات الأسلحة الإيطالية إلى مصر، والإعداد للصفقة التاريخية العسكرية القياسية التي تتراوح قيمتها بين 9 و11 مليار يورو، وتتضمن فرقاطتين من نوع "فريم بيرغاميني" متعددتي المهام، يُمكن زيادتهما إلى أربع.

وذكرت المصادر أن النيابة الإيطالية قدمت تقريرها لوزارة الخارجية عن الجلسة التي عقدها الطرفان مطلع الشهر الحالي عن بُعد، ووصفت الطلبات المصرية بأنها "استفزازية وهجومية ومضيعة لمزيد من الوقت". وبحسب المصادر التي علمت بالتفاصيل من الجانب الإيطالي، فإن النيابة المصرية طلبت معرفة أمور عدة سبق إيضاحها في التحقيقات أكثر من مرة، مثل: السبب الحقيقي لاختيار ريجيني لجامعة كامبريدج للدراسة، وسبب اختياره مواضيع تتعلق بمصر تحديداً، وسبب مخالفته شروط دخول البلاد حيث دخلها كسائح ومن ثم بدأ الدراسة. وكذلك طلبت معرفة تفاصيل عن بعض الشخصيات الإيطالية التي كان يتواصل معها خلال إقامته بالقاهرة، وتحركاته خلال آخر زيارة أجراها إلى بلاده في العطلة السابقة على مقتله.

 


يعمل اليسار الإيطالي على خطوات منددة بمصر بالتنسيق مع نيابة روما

 

وأضافت المصادر أن نيابة روما رفضت الإجابة عن بعض الاستفسارات المصرية الأخرى باعتبارها خارجة عن إطار التحقيق، غير أن القاهرة ثبّتت كل طلباتها رسمياً في مذكرة رسمية بطلب المساعدة، لم ترد عليها روما حتى الآن. وأوضحت المصادر أن من بين الحلول التي تبحثها نيابة روما حالياً، الإسراع بإصدار تقرير بما انتهت إليه التحقيقات السابقة على مدار 4 سنوات وتوجيه الاتهام للضباط المشتبه فيهم بشكل خاص، ولأجهزة الأمن المصري بشكل عام بارتكاب جريمة تعذيب ضد الإنسانية، في محاولة لإخضاع الحالة المصرية مع ريجيني للقوانين الإيطالية التي تنصّ على حظر توريد الأسلحة، وكذلك وقف العلاقات التجارية مع الدول التي تتحمل حكوماتها مسؤولية مخالفات جسيمة للاتفاقيات الدولية المنظمة لحقوق الإنسان.

وأشارت المصادر إلى أن هناك خطوات من قبل بعض القيادات الحزبية اليسارية للتنسيق مع نيابة روما في هذه المسألة، لكنها لم تتبلور حتى الآن. ومن المحتمل أن تبدأ النيابة في هذا التحرك على مراحل، حتى لا تخاطر بالدفع في اتجاه عرض قرار "اعتبار مصر دولة خارجة عن اتفاقيات حقوق الإنسان" على البرلمان الإيطالي، من دون ضمان وجود أغلبية نيابية تدعم ذلك التحرك، أخذاً في الاعتبار عجز اليسار والنواب المتعاطفين مع قضية ريجيني، ووالديه النشطين إعلامياً، عن التحرّك والتأثير على السياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، القائمة على المضيّ قدماً في استغلال القضية لعقد المزيد من الصفقات لصالح الشركات الإيطالية الكبرى. ومن هذه الصفقات منح مصر تمويلًا رسمياً للصفقات من خلال الشركة الحكومية "ساسي" التي تعتبر قناة الاتصال الحكومية بين وزارة الدفاع المصرية والمصارف الأوروبية والإيطالية المقرضة لها، لضمان إنجاح الصفقات وسرعة تنفيذها.

وتدعم الأحزاب اليسارية الإيطالية والدَي ريجيني، كما تستغل التعاطف الشعبي والإعلامي معهما، لمطالبة حكومة كونتي بسحب السفير الإيطالي في القاهرة جيامباولو كانتيني، ووقف صفقات التسليح مع مصر. وهو ما لا يحدث على الإطلاق رغم استجواب كونتي في هذا الشأن مراراً أمام البرلمان الإيطالي، بل تحوّلت هذه الضغوط إلى أوراق تستغلها روما في الآونة الأخيرة لممارسة ضغوط أكبر على مصر لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، مقابل الرضا باستمرار عدم حل القضية.

وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية قد حدث بعد تشكيل حكومة كونتي الأولى (2018 ـ 2019) باستدعاء السفير المصري لدى روما هشام بدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 أيضاً، لحثّه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري، بعدما أصرت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة المتهمين زوراً بقتله، مع ترجيح الإيطاليين أن المسؤول عن تلفيق هذه القضية هو نفسه المسؤول عن قتل ريجيني.

وطرح المصريون آنذاك تساؤلات على الإيطاليين بشأن "دخول ريجيني إلى مصر بموجب تأشيرة دخول سياحية من دون التأشيرة اللازمة لقيامه بإجراء أبحاث خاصة برسالة الدكتوراه عن النقابات العمالية المصرية المستقلة". وهو ما اعتبره الإيطاليون تهرّباً واضحاً من النيابة المصرية وإغلاقاً لباب التعاون والتفافاً على مواجهة الجريمة الحقيقية.

 


تستعدّ القاهرة وروما لتنفيذ اتفاق عسكري بقيمة تتراوح بين 9 و11 مليار يورو

 

وفي نهاية العام الماضي صعّد نائب المدعي العام الإيطالي سيرجيو كولايوتشو الضغط الإعلامي على عدد من أصدقاء ومعارف ريجيني الذين كانوا قريبين منه ومن تحركاته في مصر، ولم يتعاونوا من قبل مع المحققين الإيطاليين. فأبلغ البرلمان بمعلومات جديدة قال فيها إن المحققين الإيطاليين توصلوا لها، من دون مواجهة المشتبه فيهم بالتورط فيها، نقلاً عن ثلاثة من أقرب معارف ريجيني، وهم الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن محمد السيد الصياد، فضلاً عن نقيب الباعة المتجولين محمد عبدالله، الذي اعترف من قبل وتفاخر بأنه سلم ريجيني للأمن المصري بعدما شكك في عمله لحساب جهة استخباراتية أجنبية، وهو الوحيد الذي تحدث بشكل صريح من بين الثلاثة.

وسبق أن تم تعليق التنسيق بين البلدين تماماً منذ ديسمبر/كانون الأول 2018 عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة، للتعرف على مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة، قبل أن يعلن الطرفان المصري والإيطالي عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي أعلن النائب العام المصري، حمادة الصاوي "تشكيل فريق تحقيق جديد يعكف على دراسة وترتيب أوراق القضية ويعمل على اتخاذ كافة إجراءات التحقيق اللازمة لاستجلاء الحقيقة في حيادية واستقلالية تامة". وشدّد على "حرص مصر على استمرار وتطوير التعاون القضائي بين النيابة العامة المصرية والنيابة العامة بروما، بغية الوصول إلى الحقيقة بموضوعية وشفافية تامة بعيداً عما يتم تداوله إعلامياً من معلوماتٍ مغلوطة عن القضية".