قضية ريجيني: عودة مصرية لسياسة تضييع الوقت

04 يوليو 2020
الصورة
يواصل الإيطاليون حراكهم لكشف مصير ريجيني (Getty)

يبدو أن الضغوط السياسية التي تعرضت لها حكومة جيوزيبي كونتي في إيطاليا ووزير خارجيته لويجي دي مايو، بعد إحراز تقدم كبير في صفقات توريد الأسلحة القياسية لمصر، بدأت تنعكس على سياق التحقيق في قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة مطلع عام 2016. فتحرّكت روما بعد نحو ستة أشهر من التعطيل التام، وذلك رغم التعهدات المصرية السابقة بالمضي قدماً في كشف تفاصيل جديدة عما حدث لريجيني منذ اختطافه وحتى إيجاد جثته على طريق الإسكندرية الصحراوي، إثر تعرّضه لتعذيب شديد أدى لوفاته. في السياق، بدأ المدعي الإيطالي الجديد ميكيلي بريستيبينو جارّيتا التواصل مع النيابة العامة المصرية لإعادة طرح بعض المسائل المهمة في مسار التحقيقات، والأهم التساؤل عن مصيرها بعد 6 أشهر من تعهّد النائب العام الحالي حمادة الصاوي بتقديم معلومات جديدة وبإنفاذ الشفافية وبالإجابة على تساؤلات الجانب الإيطالي، ثم قدّمت مصر طلباً من جانبها بغرض "الحصول على مساعدة"، قبل اجتماع الجانبين يوم الأربعاء الماضي عن بعد لدراسة مستجدات القضية.

 

سألت نيابة روما نظيرتها المصرية عن الوضعية الوظيفية الحالية للرائد مجدي شريف


وبحسب مصادر قضائية ودبلوماسية مطلعة فإن الطلب المصري يتعلق برغبة فريق التحقيق المصري الجديد الذي تم تكليفه بالقضية مطلع العام الحالي، بالتعرّف على بعض التحركات الخاصة بريجيني في القاهرة وصلاته الاجتماعية خارج إطار العمل الأكاديمي، والذي تم رصد جميع صلاته فيه بالفعل. ويتعلق الطلب أيضاً بالحصول على معلومات عن أشخاص تواصل معهم ريجيني في إيطاليا قبل وفاته ببضعة أشهر، وكانت لهم صلات أيضاً بعدد من الشخصيات الأكاديمية بمصر وإنكلترا من الذين ارتبط بهم ريجيني.

ولا يُعرف تحديداً مدى أهمية هذا الطلب المصري في مجريات التحقيق، لكنه يبدو مسهماً في إضاعة مزيد من الوقت وتخفيف الضغوط على المصريين، الأمر الذي فطنت له نيابة روما التي عاجلت نظيرتها بمزيد من الأسئلة عن أمور أخرى، مثل سبب رفض النيابة المصرية سابقاً إدراج بعض رجال الشرطة على قائمة ما يسمّى في قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي "سجلّ المشتبه فيهم"، الذين أبدى الجانب الإيطالي شكوكاً بشأن سابقة قيامهم بجمع معلومات عن ريجيني. مع العلم أن النيابة المصرية ذكرت سابقاً أن التحقيقات التي أجرتها تخلو من قرائن قوية على ما تتطلّبه القوانين الإيطالية ذاتها للإدراج في هذا السجل.

كما سألت نيابة روما نظيرتها المصرية عن الوضعية الوظيفية الحالية للرائد مجدي شريف، الذي سبق أن نشرت النيابة المصرية اسماً رباعياً تقريبياً له هو "مجدي إبراهيم عبدالعال شريف"، والذي يعتبر بحسب التحقيقات الإيطالية رأس الشبكة العنكبوتية التي راقبت ريجيني وأوقعت به. وهذا الضابط هو نفس الشخص الذي قال الادّعاء الإيطالي سابقاً إنه حصل على معلومات من شرطي أفريقي عن تورطه في قتل ريجيني بحديثه العفوي خلال دورة تدريبية جمعته معه.

 

ولا يبدو اسم شريف دقيقاً في الواقع، لكنه بالتأكيد أحد الأشخاص الخمسة الذين وجّه الادّعاء الإيطالي اشتباهاً صريحاً لهم في ديسمبر/كانون الأول 2018، وأبرزهم اللواء خالد شلبي، الذي يشغل حالياً منصب مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد، وكان يشغل وقتها منصب مدير المباحث في مديرية أمن الجيزة.

وكان مصدر مصري مطلع قد كشف لـ"العربي الجديد" آنذاك هوية ضابطين من الخمسة المشتبه بهم؛ الأول هو اللواء طارق صابر، وليس صابر طارق كما نشر الإعلام الإيطالي وقتها، وكان خلال الواقعة مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني بناء على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة المتجولين محمد عبدالله، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر. أما الضابط الثاني، فهو العقيد آسر كمال، الذي كان يعمل رئيساً لمباحث المرافق بالعاصمة، وتوجد دلائل على إشرافه على رسم خطة تعقّب ريجيني في إطار التنسيق بين الأمن الوطني والأمن العام، وقد تمّ نقله بعد الحادث بأشهر عدة للعمل بمحافظة أخرى.

وإلى جانب تلك الأسئلة؛ طرحت نيابة روما على نظيرتها المصرية في اجتماع الأربعاء شكوى والدي ريجيني من أن متعلقاته الشخصية التي أرسلتها القاهرة إلى روما بصورة رسمية على سبيل تحسين العلاقات في هذه القضية، لا تعود له، تحديداً نظارة شمسية وساعة وعلبة لحمل الهاتف. وأبدى الوالدان اعتقادهما بأن المتعلقات عائدة للعصابة التي قتلت الشرطة أعضاءها بدعوى أنهم من قتلوا ريجيني بدافع السرقة، قبل أن يتهاوى هذا الادعاء وتعلن النيابة المصرية ذاتها أن هذا لم يحدث.

 

يرجّح الإيطاليون أن المسؤول عن تلفيق قضية عصابة السرقة هو نفسه المسؤول عن قتل ريجيني

 

وتدعم الأحزاب اليسارية الإيطالية والدي ريجيني، كما تستغل التعاطف الشعبي والإعلامي معهما، لمطالبة حكومة كونتي بسحب السفير الإيطالي بالقاهرة جيامباولو كانتيني ووقف صفقات التسليح مع مصر، وهو ما لا يحدث على الإطلاق رغم استجواب كونتي في هذا الشأن مراراً أمام البرلمان الإيطالي، بل إن هذه الضغوط تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى أوراق تستغلها روما لممارسة ضغوط أكبر على مصر لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، مقابل عدم حل القضية.
وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية قد حدث بعد تشكيل حكومة كونتي الأولى (2018 ـ 2019) باستدعاء السفير المصري لدى روما هشام بدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لحثّه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري، بعدما أصرت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة المتهمين زوراً بقتله. ويرجّح الإيطاليون أن المسؤول عن تلفيق هذه القضية هو نفسه المسؤول عن قتل ريجيني.

وطرح المصريون آنذاك تساؤلات على الإيطاليين بشأن "دخول ريجيني إلى مصر بموجب تأشيرة دخول سياحية من دون التأشيرة اللازمة، لقيامه بإجراء أبحاث خاصة برسالة الدكتوراه على النقابات العمالية المصرية المستقلة". ما اعتبره الإيطاليون تهرّباً واضحاً من النيابة المصرية وإغلاقاً لباب التعاون والتفافاً على مواجهة الجريمة الحقيقية. وفي نهاية العام الماضي صعّد نائب المدعي العام الإيطالي سيرجيو كولايوتشو من الضغط الإعلامي على عدد من أصدقاء ومعارف ريجيني الذين كانوا قريبين منه ومن تحركاته في مصر، ولم يتعاونوا من قبل مع المحققين الإيطاليين. فأبلغ البرلمان بمعلومات جديدة قال إن المحققين الإيطاليين توصلوا لها، من دون مواجهة المشتبه فيهم بالتورط فيها. وتتمحور المعلومات حول ثلاثة من أقرب معارف ريجيني، وهم الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن محمد السيد الصياد، فضلاً عن نقيب الباعة المتجولين محمد عبدالله الذي اعترف وتفاخر بتسليمه ريجيني للأمن المصري، بعدما شكّك في عمله لحساب جهة استخباراتية أجنبية، وهو الوحيد الذي تحدث بشكل صريح من بين الثلاثة.

وسبق أن تم تعليق التنسيق بين البلدين تماماً منذ ديسمبر 2018 عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة للتعرف على مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة، قبل أن يعلن الطرفان المصري والإيطالي عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين. وفي يناير/كانون الثاني الماضي أعلن النائب العام المصري "تشكيل فريق تحقيق جديد يعكف على دراسة وترتيب أوراق القضية، ويعمل على اتخاذ كافة إجراءات التحقيق اللازمة لاستجلاء الحقيقة في حيادية واستقلالية تامة". وشدّد على "حرص مصر على استمرار وتطوير التعاون القضائي بين النيابة العامة المصرية والنيابة العامة بروما، بغية الوصول إلى الحقيقة بموضوعية وشفافية تامة بعيداً عما يتم تداوله إعلامياً من معلوماتٍ مغلوطة عن القضية".