مصانع للأسلحة الإيطالية في مصر: شراكة تتحدى قضية ريجيني

21 يونيو 2020
الصورة
اشترت مصر من شركة "فيركانتيري" الإيطالية فرقاطتي "فريم" (Getty)
+ الخط -

بالتزامن مع حراك إيطالي داخلي لمطالبة حكومة جوزيبي كونتي ووزير الخارجية لويجي دي مايو بممارسة مزيد من الضغوط على مصر، حتى لا تموت نهائياً قضية تعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني مطلع عام 2016، تتجه الحكومتان المصرية والإيطالية إلى تطوير العلاقات العسكرية المتصاعدة بينهما، عبر استثمارات طويلة الأمد، ستجعل القاهرة أبرز حليف عسكري لروما في منطقة المتوسط، ما سيسهم أيضاً في تطوير التنسيق السياسي والعسكري والاستخباري بينهما، ولا سيما في الملف الإيطالي الذي شهد على مدار ستّ سنوات العديد من محطات الشد والجذب بينهما.

وكشف مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى، لـ"العربي الجديد"، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عرض على كونتي البدء في مفاوضات تنسيقية بين القوات المسلحة المصرية ووزارة الإنتاج الحربي، وعدد من الجهات المعنية الأخرى في مصر، وبين اثنتين من الشركات الإيطالية الكبرى المصنعة للأسلحة البحرية والجوية والمركبات والسفن والذخائر والنظم الرادارية المتطورة، لإنشاء مصانع بخطوط إنتاج جاهزة لصالح الشركتين في مصر. والشركتان الأقرب للاشتراك في هذا المشروع الطموح للتعاون العسكري بين الدولتين هما شركة "فيركانتيري"، المصنعة للفرقاطات "فريم"، ومجموعة من القطع البحرية الأخرى، والثانية إحدى الشركات التابعة لمجموعة "ليوناردو" المصنعة لطوافات وطائرات قتالية خفيفة وتدريب.

وذكر المصدر أن "فيركانتيري" كانت قد أجرت مباحثات سرية مبدئية مع وزارة الدفاع المصرية حول هذه الفكرة في العام 2018، لكن الأجواء المتوترة بين البلدين آنذاك، على خلفية قضية ريجيني، عرقلت استمرار المفاوضات. لكن التوقيت الآن أصبح مؤاتياً، بسبب التحسن الواضح في العلاقات بين الجانبين، بسبب شراء مصر المكثف والمتصاعد للأسلحة الإيطالية، والمضيّ قدماً في إبرام الصفقة القياسية الجاري النقاش حول باقي بنودها الآن، والتي قد يتخطى سعرها الإجمالي 11 مليار يورو، ما سيجعل مصر على رأس قائمة أكبر مستوردي السلاح في العالم في السنوات الأربع الأخيرة، وسيعود بالفائدة على المصنعّين الإيطاليين أيضاً.

وذكر المصدر أنه لم يبدأ حتى الآن التباحث تفصيلياً حول إشكاليات إنشاء مصانع عسكرية عملاقة في مصر، أو خطوط الإنتاج التي بالإمكان استيرادها للتشغيل السريع للمصانع. لكن، في الوقت ذاته، تطرقت المفاوضات إلى الاعتماد على العمالة المصرية، تحت إشراف إيطالي كامل، وحصول الشركتين على تسهيلات استثنائية، مع حصول القاهرة على نصيب من أرباح المبيعات للدول العربية والأفريقية، والتي تسعى روما إلى التوسع في إمدادها بالمعدات العسكرية.


وتخوض إيطاليا منافسة مفتوحة مع فرنسا على تسليح دول جنوب المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح المصدر أن الحماس الإيطالي لهذه الفكرة يعود في الأساس إلى رغبة روما في استثمار الصفقات الكبيرة التي تعقد مع القاهرة، وتفضيل مصر لأسلحتها أخيراً (على خلفية سياسية) لتزيد حصتها من السوق، وتعتبر مشروع إقامة مصانع للسلاح الإيطالي في مصر خطوة انتقالية مهمة في هذا السياق. وسبق أن كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية، لـ"العربي الجديد"، أن السيسي أمر في 2019 بشراء 32 مروحية إيطالية من طراز "أغوستا-ويستلاند 149" من شركة "ليوناردو"، بعد منافسة مع شركة "NHI" الفرنسية المنتجة لمروحيات "NH90" بحجة انخفاض سعر الإيطالية، علماً بأن الفرنسية تُستخدم على نطاق أوسع بكثير من منافستها في القوات البحرية لعدد من الدول ذات السمعة العسكرية الجيدة، مقابل استخدام ضئيل عالمياً للمروحية الإيطالية.

كما أن مصر عندما أبلغت، في الخريف الماضي، كلاً من روما وباريس برغبتها في "رفع كفاءة قواتها البحرية، وتوسيع الأسطول الخاص بالفرقاطات متعددة المهام، أبلغت فرنسا مصر في حينه بأنها لن تستطيع الوفاء بالطلبات الخاصة بها على نحو سريع، وأن إيطاليا لديها قطع جاهزة من الفرقاطات فريم، يمكنها إمداد مصر بها في ربيع 2020 بحد أقصى". لكن ما تبين لاحقاً أن الفرنسيين لم يكونوا صادقين في ادعائهم بأن سبباً فنياً وراء صعوبة إمداد مصر بالأسلحة والمعدات المطلوبة، بل إن السبب هو "توتر دبلوماسي مكتوم بين البلدين على خلفية عدة ملفات، أبرزها أوضاع حقوق الإنسان، وعدم استجابة السيسي للحديث الذي أدلى به نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة لمصر في يناير/كانون الثاني 2019".

واشترت مصر من "فيركانتيري" الإيطالية أخيراً فرقاطتي "فريم"، مع السماح بحصولها على اثنتين أخريين في حال الطلب خلال العام الحالي، وبقيمة 1.1 مليار يورو. كما كشفت المصادر، لـ"العربي الجديد"، الأسبوع الماضي أن الصفقة تتضمن أيضا 4 فرقاطات على الأقل ("كورفيت" وهي فرقاطة صغيرة سريعة ذات تكلفة تشغيل اقتصادية وتصلح للمعارك البحرية الصغيرة والتصدي للغواصات وحمل الطوربيدات)، وكذلك نحو 22 من "اللانشات" الهجومية الخاطفة، مع تجهيز كل هذه القطع الأصغر بمنظومة حرب إلكترونية ورادارات وأجهزة حديثة للاستشعار عن بعد، وتوفير مدربين لتمرين الضباط المصريين على استخدام بعض المميزات التي ستكون جديدة على البحرية المصرية.

ومن ضمن ما تم الاتفاق عليه أيضاً في الصفقة، بحسب المصادر، شراء 24 طائرة تدريب من طراز "إم-346" من تصنيع شركة "ليوناردو"، بقيمة إجمالية تتراوح بين 370 و400 مليون يورو، وهي ذاتها الشركة التي ستورد 32 مروحية من طراز "أغوستا-ويستلاند 149"، والتي لم تحصل عليها مصر حتى الآن على الرغم من طلبها في إبريل/نيسان الماضي بقيمة 400 مليون يورو. وسربت وزارة الخارجية الإيطالية، منذ يومين، للصحف المحلية مقتطفات من رسالة بعث بها وزير الخارجية لويجي دي مايو إلى نظيره المصري سامح شكري للتأكيد أن ممثلي الادعاء في إيطاليا يريدون معلومات عن خمسة مسؤولين مصريين قيد التحقيق بشأن الاشتباه في صلتهم بقتل ريجيني. ويلاحظ المراقبون ارتباطاً بين الزيادة الهائلة في استيراد الأسلحة من إيطاليا وبين رغبة النظام المصري في إرضاء روما، وتقليص احتمالات الصدام معها، على خلفية استمرار الجمود في ما يتعلق بالتعاون المشترك في تحقيقات قضية ريجيني، وكذلك الأوضاع في ليبيا.

المساهمون