ثقة الأوروبيين تتراجع بالولايات المتحدة رغم انتخاب بايدن

20 يناير 2021
الصورة
أدت سياسة ترامب إلى شرخ في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي (الأناضول)
+ الخط -

 

يرى نحو 33 في المائة من الأوروبيين أن ثقتهم بأميركا تأثرت سلباً بعد انتخاب دونالد ترامب في 2016،كما يرى 61 في المائة من الأوروبيين، على نحو لافت أن النظام السياسي الأميركي يعاني من انهيار، ويعتقد 31 في المائة أن أميركا ذاهبة نحو انقسامات وانشغالات داخلية تبعدها عن دورها العالمي. 

ومن الواضح، بحسب دراسة ومسح للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، نُشرت نتائجه يوم 19 يناير/كانون الثاني، أنه خلال السنوات الأربع الماضية اتسعت الفجوة بين حليفي ضفتي الأطلسي، وبشكل غير مسبوق منذ عام 1945.  

يرغب الأوروبيون أن تتخذ قياداتهم "موقفاً محايداً" في الصراع الصيني-الأميركي بدلاً من الوقوف مع الحليف التقليدي، واشنطن

 

ويراهن أغلبية الأوروبيين، وفقا للدراسة واستطلاع حديث لمركز أبحاث عموم أوروبا "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)"، بمشاركة نحو 15 ألف مستطلع في 11 دولة أوروبية، على تكتلهم أكثر من اعتمادهم على واشنطن. ويبين المسح الأوروبي عن رغبة الأوروبيين في أن تتخذ قياداتهم "موقفاً محايداً" في الصراع الصيني-الأميركي بدلاً من الوقوف مع الحليف التقليدي، واشنطن. 

وبالنسبة للأوروبيين، لا يبدو دخول بايدن إلى قائمة رؤساء أميركا، وسط انتشار عسكري غير مسبوق، مدعاة للاحتفال، فهم يرون انقسامات في الديمقراطية الأميركية، بطريقة عدوانية لم تشاهدها الأجيال الأوروبية في تاريخها الحديث، فبعد 4 سنوات من سياسات ترامب الخارجية الفوضوية تبدو الثقة في الشارع الأوروبي بـ"الشقيق الكبير" وبمصداقية أميركا في أدنى مستوياتها، مع تضاؤل الإيمان بالقوة الأميركية. 

ويذكر مدير "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، المشارك في الدراسة، مارك ليونارد، أنه ورغم أن "معظم الأوروبيين سعداء بأن بايدن سيحل مكان ترامب إلا أنه في الوقت نفسه تعكس دراستنا وجود شك كبير حول المصداقية العامة لأميركا وقوتها العالمية". 

وعلى ما يبدو في إجابات لافتة للمستجوبين عن مستقبل "القوة العظمى" أميركا، تتنامى فكرة أن الصين ستتحول إلى قوة عظمى؛ 50 في المائة من الدنماركيين المشاركين، و53 في المائة من الألمان و63 في المائة من الفرنسيين يرون ذلك. ويرى 59 في المائة في المتوسط أنه "من الممكن أن تصبح الصين بعد 10 سنوات أقوى عالمياً من الولايات المتحدة الأميركية، إذا ما استمرت الأمور تتطور بهذا الشكل"، بحسب نتائج المركز.  

وعبر 11 دولة شملها الاستطلاع، أجاب 60% في المتوسط ​​بأن قادتهم يجب أن يظلوا محايدين في الصراع بين الولايات المتحدة والصين، و59 فيالمائة في المتوسط أجابوا بأنه يجب أن يظل قادتهم محايدين في حال نزاع روسي-أميركي، فيما 40 في المائة من الدنماركيين و36 في المائة من البولنديين يفضلون دعم أميركا. 

تزايد الثقة بالذات.. نزعة أطلسية مشروطة 

وتشير نتائج الاستطلاع الأوروبي إلى تراجع ثقة الأوروبيين بالناخبين الأميركيين وبنسبة 32 في المائة من جميع المستطلعين "خصوصاً بعد التصويت في 2016 لمصلحة ترامب". ورغم ذلك، يعتقد 53 في المائة في المتوسط أن فوز بايدن يمكن أن يحدث فرقاً إيجابياً لدولهم، و57 في المائة يرونه مفيداً للاتحاد الأوروبي.  

وعلى الرغم من العلاقات التاريخية التي جعلت  أميركا القوة الكبرى في علاقة ضفتي الأطلسي، يشير معدو الدراسة إلى أن "استطلاعنا أظهر وجود اختلافات في كيفية رؤية الأوروبيين للولايات المتحدة، لناحية القوة وليس القيم، ففي وقت غزو العراق (2003)، اعتقد الأوروبيون أن قارتهم كانت ضعيفة وأميركا هي الأقوى". ولكن يبدو أن تطورات السنوات الأخيرة "جعلت الأوروبيون أكثر ايجابية تجاه أنفسهم وأكثر تشككاً في قوة أميركا ونظامها السياسي". 

ويستدل "المجلس الأوروبي" في دراسته الموسعة إلى نتائج نظرة الأوروبيين إلى أنفسهم "خلال العامين الماضيين، إذ أصبحوا أكثر إيجابية حيال الاتحاد الأوروبي، ورغم أن القارة العجوز عانت من فشل التعامل مع وباء كورونا، فإن نسبة من اعتقدوا قبل عامين- في الدنمارك وفرنسا وألمانيا والمجر وإيطاليا وهولندا وبولندا وإسبانيا والسويد - أن النظام السياسي للاتحاد الأوروبي يعمل بشكل جيد جدًا أو جيد إلى حد ما شكلوا 46 في المائة، فيما وصلوا اليوم إلى 48 في المائة منذ يناير/كانون الثاني 2019".  

ويتحدث المجلس، في السياق، عن كيف تحسنت ثقة الأوروبيين بنظامهم السياسي "فانخفضت نسبة من آمنوا بأن النظام السياسي معطل إلى حد ما أو كليا من 45 في المائة إلى 43 في المائة، كما تحسنت المفاهيم المتعلقة بالاتحاد الأوروبي في كل مكان، باستثناء المجر وهولندا وإسبانيا، وذلك يرتبط بنظامهم السياسي الوطني، فكلما اتجهنا شمالاً، كان الناس مقتنعين بأن نظامهم السياسي يعمل بشكل جيد". 

علاقة كل ما تقدم في قراءة الأوروبيين لواقعهم، وتزايد ثقتهم بتكتلهم، يربطهما معدو الدراسة الأوروبية، بتراجع الثقة بالحليف الأميركي التاريخي، وليس لدى الأوروبيين الذين شملهم المسح أوهام بأن جو بايدن سوف ينتهج سياسة بناء على ما يعتقد الشارع الأوروبي. ورغم ذلك، يرى الباحثون أن آراء الأوروبيين سيكون لها قيمة في تحليل ساسة واشنطن لعلاقة طرفي الأطلسي في الظروف الحرجة، وخصوصاً مع تعاظم القوة الصينية المنافسة، وهو ما أظهرته الدراسة في نسب غير قليلة من الأوروبيين الذين يعتقدون أن الصين ستكون بعد عقد من الآن أعظم قوة في العالم. 

ثقة الشارع الأوروبي بالاعتماد على واشنطن كقائدة للقاطرة الاقتصادية الغربية والحماية العسكرية في تراجع

 

والجانب الآخر الذي تكشفه هذه الدراسة، بغض النظر عن ما يعتقده ساسة أوروبا، فإن ثقة الشارع الأوروبي بالاعتماد على واشنطن كقائدة للقاطرة الاقتصادية الغربية والحماية العسكرية في تراجع.

وقد أدت سياسة ترامب في تعامله مع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، إلى شرخ دفع بالمستشارة الألمانية منذ عامين إلى التصريح بأنه على أوروبا أن تعتمد على نفسها أكثر، ولم يجعل ترامب المسألة أسهل حين أعلن عن تخفيض العديد من قوات بلاده المتمركزة في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وينعكس ذلك أيضاً في آراء الشارع الألماني في الاستطلاع الجديد، حيث يذهب حوالي 50 في المائة إلى القول إنهم لم يعد بإمكانها الوثوق بالأميركيين على الإطلاق، فيما ثلث الدنماركيين ذهبوا في ذات الاتجاه، وربما أيضاً نتيجة توتر علاقة ترامب مع بلدهم في 2019 بعد تصريحاته المثيرة للجدل عن شراء جزيرة غرينلاند وإلغاء زيارة مقررة إلى كوبنهاغن.

ويبدو أن الأخيرة،على خلفية ما خلفته سياسات ترامب غير المتوقعة، باتت تتقارب مع برلين أكثر من السابق وبنسبة 53 في المائة يرونها أهم من العلاقة بواشنطن (بنسبة نحو 20 في المائة و9 في المائة لعلاقة أقوى ببريطانيا). الألمان، من جهتهم، ورغم اعترافهم بالدور الأميركي في حمايتهم خلال فترة الحرب الباردة وانقسامهم إلى شرق وغرب، يبدون أقل حماسة اليوم في علاقتهم بالضفة الأخرى للأطلسي. 

ورغم أن المملكة المتحدة وبولندا مستمرتان في المراهنة على علاقة قوية بواشنطن، إلا أنه وعلى ما يبدو أمام الرئيس الجديد جو بايدن والديمقراطيين إرث ترامبي ثقيل في العلاقة عبر الأطلسي، فالأوروبيون، وبشكل واضح، بتوجه ألمانيا وبعض الدول الحليفة الصغرى لها، باتوا أكثر نقداً لعلاقتهم بالأميركيين، ويسعون لتعزيز علاقتهم الأوروبية-الأوروبية، وخفض توتراتهم مع دول الجوار، سواء كانت تركيا أم روسيا، والإنصات جيدا للغة المصالح والشارع في العلاقة ببكين، رغم أن قوى سياسية كثيرة في غرب أوروبا متوجسة من الصين وتعارض منحها نفوذاً سياسياً في القارة من بوابة الاقتصاد، ومع اهتمام واضح لتلك القوى بالسجل الحقوقي لبكين، بمعزل عن التوترات بين بكين وواشنطن.  

ورغم أن برلين تبشر بسياسة أوروبية مستقلة عن واشنطن، فإن السياسة الفرنسية التي أبقت على مراهنتها على علاقة القارة بأميركا قد تبدو معرقلة.

ويبدو أن التطورات الأخيرة، بانتخاب بايدن وإعلانه إصلاح الأضرار التي خلفها سلفه ترامب، كالعودة إلى "باريس للمناخ" وترك الباب موارباً لمفاوضات مع طهران؛ التي حاول الأوروبيون وضع فاصل في سياستهم تجاهها بعد إلغاء ترامب للاتفاق النووي، ربما تجعل الطرفين الألماني والفرنسي (الأكبرين في قاطرة الاتحاد الأوروبي) يدخلان في حوار مع واشنطن الجديدة على أرضية أن الأخيرة بحاجة أيضاً للأوروبيين. 

فقد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون رئيساً أميركياً راهن على تعويضه الخروج من الاتحاد الأوروبي

 

 ومن هذا المنطلق، يراهن قادة القارة وشعوبهم على أن تستعيد دولها المتكتلة دوراً سياسياً واقتصادياً أكبر دون الحاجة دائما لطلب إذن واشنطن للعب أدوارها المستقلة. صحيح، أن بريطانيا خرجت من التكتل، لكن من الصحيح أيضاً أن بوريس جونسون فقد رئيساً أميركياً راهن على تعويضه الخروج من الاتحاد، وبايدن وفريقه يعلمان جيداً أن جونسون كان يفضل ترامب وراهن على 4 سنوات أخرى له في البيت الأبيض، وذلك ما قد يدفع لندن أيضاً للتقارب أكثر مع القارة الأوروبية، أو على الأقل انتهاج سياسات حلول وسط تقوم على المصالح المشتركة بدل الأيديولوجيات، فهو يعرف أن بايدن يطلق عليه "ابن عم ترامب المهرج".  

وفي المجمل، ورغم أن الأوروبيين في أغلبهم مبتهجون لخروج دونالد ترامب من البيت الأبيض إلا أن ما تقدمه الدراسة الأوروبية من خلاصات يبدو واضحا، فقد تغيرت مواقف الشارع الأوروبي من أميركا، مثلما يريد هذا الشارع، وهو أن تنأى أوروبا بنفسها عن مساعدة أميركا لتعود كزعيمة للعالم، بدون أن يكون للقارة دور وكلمة في السياسة العالمية.

ومن الواضح أيضاً أن الأوروبيين، بعد أن فقدوا الثقة بأميركا (بنسبة النصف في المتوسط)، باتوا يرغبون بتحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة أكثر فعالية، مع عواقب جيوسياسية، كما تشير الدراسة، لحالة "إضعاف أميركا بدل جعلها عظيمة"، كما يعتقد المستجوبون، في مواجهة منفردة مع الصين.

ويعتقد أغلبية المستجوبين بنسبة الثلثين أن "على الاتحاد الأوروبي تطوير قدراته الدفاعية الذاتية"، وأن أية عودة لإحياء النزعة الأطلسية يجب ألا تشمل وقوف أوروبا بشكل مسلّم فيه إلى جانب واشنطن في كل القضايا، وفي نهاية المطاف، من الملاحظ أن الفترة القادمة سيكون فيها للرأي العام في أوروبا دور أكبر في علاقة الطرفين الأميركي والأوروبي. 

المساهمون