هو زمن أسود يا شيخنا الأبيض

17 يناير 2021
الصورة

الفلسطيني سعيد عرمة يقذف جنود الاحتلال بالحجارة في دير جرير (1/1/2021/الأناضول)

+ الخط -

أيها الشيخ الأبيض: هل كانت فلسطين ثمينةً إلى هذا الحدّ لتدافع عنها بمقلاع، وأنت الذي لم تمنحك فلسطين شيئًا غير نكبةٍ ونكسة، ودرب آلام سلّم رايته إليك المسيح لتكمله وحدك؟

ووحدك لم تتعلّم الدرس، يا شيخنا الأبيض. سَلْ "شيوخًا" سودًا كانت فلسطين أثمن ما لديهم حتى زمن قريب، ليس حبًّا بها، بل لأنها كانت سببًا يتيمًا لبقائهم على سدد الحكم، بعد أن عدموا أي مسوّغ شرعيٍّ آخر لتقديمه إلى شعوبهم. كانوا يختبئون كالجرذان وراء فلسطين؛ ليعلّقوا على مشاجبها ليس هزائمهم العسكرية وحسب، بل هزائمهم الحضارية، وخيباتهم السياسية، وإفلاسهم الفكري، وفقرهم التنموي، ويحيلون عليها مبرّرات قمعهم وطغيانهم، وهي منها براء؛ تحت ذرائع "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وفي المحصلة، خسرت فلسطين وربحت تجارتهم بها نحو قرن، وكان الأدعى، والأمر كذلك، أن يحفظوا لفلسطين فضل احتفاظهم بعروشهم، غير أن منطق "الاتجار بالأوطان" الذي لا يقلّ فداحةً عن "الاتجار بالبشر" كان المنطق الوحيد الذي يحكم تعاملات هؤلاء التجار، وسرعان ما باعوا فلسطين كلها، عندما وجدوا أنها غدت تجارة "خاسرة" في العصر الجديد الذي أصبح الربح الوحيد فيه لا بالتخلّي عنها وحسب، بل بشراء إسرائيل بديلًا منها. 

على هذا النحو، يا شيخنا الأبيض الجليل، تراهم اليوم يقفون طابورًا على خطّ التطبيع، الذي بدّلوه تبديلًا بـ"خطّ النار"، المرابط عليه وحدك بمقلاعك الصغير.. وها هم المطبّعون أوشكوا أن يصبحوا الأغلبية، وعمّا قريب لا تبتئس إن وجدتهم من يعتلون منصّات الخطابة؛ ليدلوا بروايتهم الجديدة عن الحق الصهيوني التاريخي في فلسطين، بعد أن سبقهم إلى ذلك بعض مدوّنيهم ومطاياهم على فضائيات ومواقع إلكترونية.. أصبح التطبيع بالنسبة إليهم مثل دميةٍ فاتنةٍ يتهافتون للعب بها، ويحلو لهم أن ينشروا صورهم التذكارية عند حائط المبكى اليهوديّ، بعد أن تجاوزوا ألف حائط مبكى فلسطيني، لم يزل مثقلًا بدموع آلافٍ من ضحايا أسيادهم الذين كانوا في استقبالهم عند حائط البراق. وهم الأغلبية الرسمية عما قريب في جامعة الدول العربية، الذين سيعطّلون مشروع أي قرارٍ ينحاز لفلسطين وأهلها، وسيمحون بالطامس "الأسود"، يا شيخنا الأبيض، أيّ مفردة تقترب من المصطلحات التي باتت محرّمة علينا، من قبيل: "تحرير"، و"مقاومة"، و"مقارعة". وسيحملون قاموسهم السياسيّ الجديد إلى المنظمات الدولية، أيضًا، ليرفعوا "الفيتو" في مجلس الأمن والجمعية العامة، إلى جانب الولايات المتحدة، ضدّ أي قرارٍ من شأنه أن يخدش مشاعر إسرائيل "الحبيبة"، فلا تعجب.

كان ينبغي أن تعرف أن هذا "الانقلاب" على الذات الذي يشبه انقلاباتهم العسكرية ليس وليد كابوسٍ ألمّ بهم ذات ليلةٍ من لياليهم الحمراء، بل سبقه إعداد طويل ومبرمج، لم يبدأ من حروب الخليج واحتلال العراق، وحشو الصحاري العربية بالقواعد الأميركية، بل أضِفْ إلى ذلك إجهاض ثورات الربيع العربية، وتفتيت بعض البلدان العربية، وتطييف بعضها الآخر. بدأ الأمر عندما شرعت دولٌ عربية بالانكفاء داخل قواقعها القُطرية، بتبنّي شعار "أولًا" إلى جانب أسمائها: "لبنان أولًا".. "الأردن أولًا"، مرسلة إشاراتٍ لا لبس فيها إلى تخليها عن فلسطين وشعبها وقضيتها، وعن شعاراتها القومية. أصبحت دولًا شرق أوسطية من حقّها أن تفكّر بمصالح نظمها الحاكمة فقط، وعندما رأت أن التحالف مع إسرائيل سببٌ لتأبيد العروش، لم تتوان عن الارتماء بين أنيابها، لتصبح جزءًا من مخالبها ضدّ كل من يفكّر بمعاداتها، ومنها إيران التي يبدو أن التطبيع العربي، بنسخته الأخيرة، إنما يهدف، في جزء منه، إلى كبح جماحها، وحصارها، وإجهاض حلمها النووي.. هو ليس تطبيعًا، يا شيخنا، بل تحالف عسكريّ وعضويّ، بدليل أن منتجات المستوطنات الإسرائيلية التي ترفضها أوروبا قبلتها دول التطبيع. 

أراهن أنك استحضرت ذلك كله، يا شيخنا الأبيض، المرابط على خطّ النار بمقلاعك الذي رأيناه صغيرًا، ورأوه كبيرًا؛ لأنه كان خير ردّ على صور المبتذلين المهووسين بالتطبيع على موائد الاحتفالات الصهيونية، وشواطئ عكّا، وعلى حائط مبكى لن يبكي عنده أحدٌ عليهم، عندما يُرديهم مقلاعك المقدّس.