متاهة قيس سعيّد بين الشعب والشعبوية

23 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

في كتابه "في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية؟" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2019) يأتي عزمي بشارة على صعوبة التمييز في الحركات اليمينية التي انتشرت خارج الديمقراطية التمثيلية بين "الشعبي" و"الشعبوي"، ذلك أن الخطاب السياسي الشعبوي والخطاب الشعبي يتفاعلان غالباً مع مزاج سياسي غاضب، موجّه إلى جمهورٍ فقد الثقة بالنظام والنخب الحاكمة والأحزاب السياسية. وانطلاقاً من هذا الطرح، يمكن فهم هذا التفاعل أنه استثمار في هذا المزاج الذي يوظف الخطاب نفسه بوصفه استراتيجية سياسية من حامليه الذين يقدّمون أنفسهم ممثلين حقيقيين للشعب، ويقدّمون غيرهم في صور أعدائه الحقيقيين. ويتحوّل هذا الخطاب، شيئاً فشيئاً، إلى أيديولوجية في حالة متطرّفة تكرّر نفسها، على الرغم من اختلاف السياقات.

وفي تنزيل ما تقدّم على الراهن السياسي التونسي، فإن الرئيس قيس سعيد، الذي يُنهي هذه الأيام سنته الأولى من عهدته الرئاسية، يمثل النموذج الأبرز لهذا الطرح. لقد رفع، في حملته الانتخابية منذ سنة خلت، شعار "الشعب يريد ويعرف ماذا يريد"، مستعطفاً فئة واسعة من الشباب التونسي اليائس. وظلّ يرفع الشعار نفسه منذ وصوله إلى قصر قرطاج، على الرغم من أنه لم يحقق تلك الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية. والرجل ليس ثورياً قديماً أو سياسياً سابقاً، استثمر في العواطف الحزينة والمشاعر المنكسرة، متصرّفاً كراهب زاهد في السلطة وزينتها، محاولاً أن يجمع حوله مريديه، مدغدغاً التراث المخفي لفئات عديدة من الشعب، مهيمناً عليها، على حد تعبير الأنثروبولوجي جيمس سكوت. 

قامت القصة، كما أجمع متابعون، على إغواء سردي، فهو أستاذ جامعي متقاعد، لا يعرفه كثيرون إلا ضيفاً على التلفزيون، يتحدّث في القانون الدستوري، من دون أن يعلّق على الشأن العام، بصوت جهوري ولغة عربية فصحى، نادراً ما يتحدّث بغير هذا. ظل يتكلم اللغة نفسها، كما الأستاذ المحاضر في مدارج الجامعة. وهكذا بدأت صورة الرجل النظيف والمختلف تتشكّل في المخيال الجمعي للتونسيين، الرجل المتعالي عن الأحزاب والنخب والحامل أفكاراً وقيماً تمقت الليبرالية المتوحشة والثقافة المعولمة. ومن أدبياته قوله المتكرّر "الشعب يريد ويعرف ما يريد". وبذلك يعود بالثورة إلى نقطة البداية، أي الشعب قادر على تسيير الشأن العام والواعي بأولوية المصلحة العامة، والحرص على استمرارية الدولة، وهي مبرّرات كافية، من وجهة نظره، للوثوق بقدرة الشعب على تسيير نفسه بنفسه، وتحميله أعباء الحكم في تنظيم مجالسي، يصعد من المحلي إلى الجهوي ثم المركزي، بشكلٍ تنتهي معه الحاجة إلى الأحزاب السياسية، ويزول كل القرف الذي خلفته للناخبين في تسع سنوات من التجربة الديمقراطية.

لم يعد خافياً  توتّر العلاقة بين قصر قرطاج وقصر الحكومة في القصبة، ليستمر التجاذب ولعبة شد الحبل بين رأسي السلطة التنفيذية

وفي الحفر عن مرجعيات المشروع المجالسي، يفيد الباحث عامر بوعزة بأن الناشط السياسي رضا شهاب المكي يحتل موقع المنظّر في مشروع قيس سعيد، فقد نشر موقع "الحوار المتمدن" مقالاً بعنوان "هل تمثل فكرة الكتلة التاريخية مخرجاً لتعطل الثورة التونسية؟". صاغ الكاتب المعروف في الأوساط اليسارية باسم لينين، في عام 2015، دستوراً صغيراً يتضمّن 30 نقطة تتدرج من التوصيف النوعي للأزمة السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، حتى تصل إلى فكرة الحكم المجالسي، الصاعد من المحلي إلى الجهوي إلى المركزي. وفي هذا المقال المرجعي، أهم المقولات التي يستخدمها قيس سعيد باستمرار، في تفسير مشروعه بشأن الحكم المحلي والديمقراطية التشاركية. وهو يصرّ على استخدام مفردة "تفسير" في وصف ما يقوم به أنصاره ومريدوه الذين يمثّلون، في الغالب، الشباب المثقف والفئات المهمشة والجهات المحرومة. ما يضفي على هذه النظرية طابع الحل السحري، ويرسم صورة المخلص لقيس سعيد، والتي يريد صاحبها أن تجعله خارج مدار النقد والتنسيب.

ظلَ مشروع قيس سعيد هلامياً، إذ لم يشهد التونسيون تجسيداً له في الواقع، ما جعل "المجموعة الدولية للأزمات" تحذّر، في أحدث تقرير لها، من المزايدة الشعبوية التي يصرّ الرئيس على انتهاجها في خطاباته المتكرّرة في كل المناسبات، ما من شأنه أن يزيد في تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس. إذ لا يكفي إعجاب الشباب الثائر وتفاعلهم مع خطاب شعبوي متكرّر يردده الرئيس، يفتقد إجراءات وآليات تغيَر وضعهم الصعب، وتحقق لهم الشعارات التي رفعوها مع قيام الثورة، وأهمها الشغل والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.

لا يكفي إعجاب الشباب الثائر وتفاعلهم مع خطاب شعبوي متكرّر يردده الرئيس

يجمع الرأي العام التونسي اليوم على غموض مشروع الرئيس، ومتاهة هذا الرئيس بين انتظارات الشعب والمضي في انتهاج الشعبوية، في ظل استقطاب حاد داخل البرلمان من جهة وبين حركة النهضة وحلفائها مع رئيس الجمهورية ومشروعه، علاوة على ما لم يعد خافياً من توتّر العلاقة بين قصر قرطاج وقصر الحكومة في القصبة، ليستمر التجاذب ولعبة شد الحبل بين رأسي السلطة التنفيذية. إذ يبدو سعيّد، ومن خلال تلميحاته المتواترة، مصرّاً على دفع رئيس الحكومة، هشام المشيشي، إلى الزاوية: إما أن يغامر بإعلان عداء صريح مع الرئاسة أو أن يوتر علاقته بأحزاب البرلمان الداعمة له، أحزاب يتهمها سعيّد بالخيانة، وبتبادل الأدوار بينها لمهاجمته واستهدافه.

يحدث هذا والبلاد تمرّ بأزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، تتزامن مع عودة قوية للظاهرة الإرهابية وجائحة كورونا إلى جانب توقف الإنتاج عامة، وازدياد منسوب الاحتقان الاجتماعي، ما يؤكد الدعوة إلى حوار وطني شامل، حريّ بقيس سعيد أن يبادر إليه، ويعمل مع الجميع على إنجاح مخرجاته.