ما معنى الثورة؟

20 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

في النصف الأول من تسعينيّات القرن الماضي، كانت ابنتي في المرحلة الابتدائية، في الصف الثاني، وفيما كان يُعرض على الشاشة الحكومية السورية برنامج عن قصور الأرميتاج في روسيا، انتبهتُ إلى أنّها مشدودة إلى الشاشة تتابع الصور وتحاول فهم التعليق عليها، سألتني بعدها ما معنى ثورة؟ ولماذا كان هناك قتل ودماء؟ حكيت لها بشكل مبسط وموجز عن الثورة الحمراء البلشفية بأسلوبٍ يناسب سنّها وطفولتها، بتقريب الفكرة إلى روحها البريئة على شكل معادلة بسيطة: ظلم وقهر وفقر للناس من الأباطرة الذين يحكمون ويملكون كل شيء. محاولة تقريب المفهوم النبيل للثورة ومعنيي الظلم والعدالة، من دون أن أجرح هناءة طفولتها بأسئلة المستقبل وقلقه، ومتجاهلة، في الوقت نفسه، بسبب عجزي عن الإجابة، الشطر الثاني من السؤال: لماذا القتل وسفك الدماء؟ لم أتوقّع أن تُضمر سؤالًا قائمًا على المفارقة في وعيها الطفولي حينها، أجّلته لتطرحه على معلّمتها في المدرسة، فقد كانت "ثورة الثامن من آذار" (في سورية) حاضرة في الوعي باستمرار، إنْ في المناهج التعليمية أو في أنشطة منظمة طلائع البعث أو في وسائل الإعلام وغيرها من الميادين العامة. كان سؤالها الذي جعلها تعود إلى البيت مكسورة الخاطر: كيف حصلت ثورتنا؟ تقصد "الثامن من آذار"، فما كان من المعلّمة إلّا أن زجرتها بطريقةٍ غير مسؤولة وعنيفة: روحي اسألي أمّك. أمّا بالنسبة لي فلم أستطع ضمنيًّا لوم المعلّمة، كنت أعرف الخوف الساكن صدور الناس.

أضمرت ابنتي في رأسها الصغير حينها، وفي وجدانها النقي، أسئلة كثيرة، منها سؤالا الخوف والثورة. وها هي اليوم تستعيد ذاكرةً حارقةً وتستعيد السؤال مرة أخرى. تقول أمام صورة ترفع مع رفاقها فيها العلم "الرسمي لسورية" قبل أن ينقسم الشعب حول العلم في صيف 2011 في برلين، وجوههم ضاحكة ومشرقة: إنها خرجت مع أصدقائها في ألمانيا في أكبر تظاهرة، وهي لا تعرف لماذا هذه الضحكة العريضة، (لكن أعرف أنّنا كنّا سعداء، كان لدينا حلم اسمه: "بعد اليوم ما في خوف"). تتابع: "كنّا مؤمنين بالحلم، نعدّ الضحايا، لكن كان لدينا قدرة على الحزن والأمل بأن بكرة أحسن".

كنّا مسكونين بالخوف الذي قرأه جيل أبنائنا في أحداقنا، بينما أسئلتهم تكبر وقلقهم من عالم متغيّر ومغاير يزداد والفجوة تتسع فيما بيننا

ثم ينحدر خطابها نحو الحزن واليأس، بعد استذكار تقدّم الأحداث وازدياد الضحايا وتهجير الآمنين، لتقول: "كان لدينا (وتقصد في برلين) ملجأ من الخيبات المتوالية بمقتل أشخاص آمنّا بهم، والسقوط الأخلاقي لآخرين، ملجأ من صور الذين انتحروا من اليأس، والذين جنّوا، والذين غرقوا في البحر في محاولة الوصول إلى أوروبا، ملجأ من صور الحصار والتجويع، وحاليًّا ملجأ من صور الجوع وأخباره وسعر صرف الدولار وليتر المحروقات وكيلو السكر وربطة الخبز". وتستغرق أكثر في وصف الحالة السورية، أو حال السوريين في الداخل ومخيمات اللجوء وبلدانه، لتصل إلى السؤال الجوهري: "لمّا أقرأ هذه الأخبار من شاشة الكومبيوتر في بيتي الدافئ الآمن في برلين، أعتقد أن من حقي أن أسأل نفسي: هل بالفعل لن نندم؟" لكنها تستدرك: "بكل صراحة، لا أعرف، على الأقل لما أقرأ هذه الأخبار من موقعي المستقر الآمن، لا أعرف إذا كان يحقّ لي أن أكون من جماعة "نندم" أو "لا نندم".

سؤال حارق، سؤال أخلاقي أمام هول الكارثة التي ألمّت بالوطن السوري والفاجعة التي حلّت بشعبه، وهي قضية خلافية بين سوريين كثيرين في الخارج وكثيرين من سوريّي الداخل في كل مناطقه. ابنتي تنتمي إلى جيل الحراك والانتفاضة الشعبية في سورية، هذا الجيل الذي ظلمناه نحن الآباء، لم نفكّر في مستقبله، واستهلكنا كلّ ما لدينا بأنانيّة ربما، أو بجهل واستهتار، على الرغم من الباقة الكبيرة من الشعارات والتنظيرات، لكنّنا كنّا بعيدين كلّ البعد عن الممارسة الصحيحة والسليمة لدورنا، آباء وأمهات. كنّا مسكونين بالخوف الذي قرأه جيل أبنائنا في أحداقنا، بينما أسئلتهم تكبر وقلقهم من عالم متغيّر ومغاير يزداد والفجوة تتسع فيما بيننا.

أظهرت الحرب بسرعةٍ رهيبةٍ هشاشة الوعي المجتمعي، وهشاشة الانتماء وهشاشة النضال حتى؟

أنتمي إلى أبناء جيل الهزيمة، عايشتها طفلةً لا تملك مقوّمات الفهم والتحليل، وعشتها انعكاسًا في وجدان أبي ورفاقه، أبي الذي بقي مخلصًا لمبادئه حتى آخر يوم في حياته بطهرانيّة محيّرة، لكنها بقيت تلك المبادئ اليانعة التي اغتُصبت يناعتُها ولم تكبر وتتطور لتنتمي إلى المتغيّرات وإلى عصرها، بل بقيت تحمل معها جرح اغتصابها النازف، القومية العربية، الصهيونية عدوّا وحيدا حاضرا في المنام واليقظة، الإمبريالية وأذنابها من الرجعية المعيقة للتقدّم، وظلّوا في غالبيتهم يجترّون خيباتهم مستمرئين أحزانهم ويأسهم. كانوا سلبيين حدّ الاستكانة، غالبيتهم أيضًا من حاضني "الثامن من آذار" إن لم يكونوا من المشاركين فيها، قسم من هذه الغالبية، وأبي منهم، انزوى وترك الخوض في الشأن السياسي في أوائل السبعينات، الثورة التي سميّت زورًا ثورة، بينما لم تعدُ عن كونها انقلابًا عسكريًّا، واستمرارًا لنهج تداول السلطة في سورية ما بعد الاستقلال، الانقلابات العسكرية.

إذا ما عدنا إلى الخوف، هل حقيقيٌّ أن الانتفاضة حطّمت جدار الخوف الراسخ في نفوس السوريين؟ نعم ولا.. نعم، أمام المدّ الكبير الواسع الذي كانت عليه المظاهرات في البدايات، على الرغم ممّا قوبلت به من عنفٍ باكر. ولا، لأن الانتكاسة كانت أكبر، فاستولدت الخوف مزيدًا برواسب خوف الماضي، غالبية من استمرّوا في خطابهم المناهض لممارسات النظام والمعارضة التي كانت كانعكاس له في المرآة. هم بعيدون عن دائرة الخطر، يستطيعون أن ينتقدوا ويُعلوا الصوت، طالما أنهم بعيدون عن الرصاص والمدافع والاعتقال والقهر والتصفية والتشريد وانتهاك الحقوق والحياة. قايضوا العيش في الوطن بالعيش خارجه، ومارسوا حقّهم في الموقف والرأي، عن دراية أو من دونها. المهم أن لديهم ما يصرخون به. أمّا من هم في الداخل فانصاعوا في غالبيتهم أيضًا ما خلا بعض المنشغلين بالهمّ الثقافي، إذ من يستطيع أن يصرخ حتى في لحظة الألم القصوى من دون أن يعرّض حياته التي لم تعد تشبه الحياة إلى التنكيل والاغتصاب؟ من يصرُخ في الداخل السوري أمام واقعه المهين في كل مناطق النفوذ؟ لقد أظهرت الحرب بسرعةٍ رهيبةٍ هشاشة الوعي المجتمعي، وهشاشة الانتماء وهشاشة النضال حتى، لقد دفعت شريحة كبيرة من الشعب إلى ارتماء كل فردٍ منها في حضن طائفته أو مذهبه أو عشيرته أو قوميته، حتى يساريون منهم لم يشذّوا عن هذه الحال، فأين هو حاجز الخوف الذي تحطّم؟

دفعت الحرب شريحة كبيرة من الشعب السوري إلى ارتماء كل فردٍ منها في حضن طائفته أو مذهبه أو عشيرته أو قوميته

الثورة حركة أو انتفاضة قد تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو مزيجًا من هذا كلّه، تقوم بها شريحة من الشعب ضد وضعٍ لم يعد بمقدور أفرادها احتماله بما يشمل من انتهاك حقوق أو مطالبة بحقوق غائبة أو اعتراض على ممارسات وقوانين تؤثر على حياتهم، وهذا أمر مفهوم وله مبرّراته، وما أكثرها في بلادنا، لكن باستقراء السنوات العشر الدامية المنصرمة، واستحضار بقية التجارب في المنطقة التي سمّيت حركات الاحتجاج فيها الربيع العربي، وما نجم عنها من دمار وانهيار لبنى الدولة والمجتمع، وباستحضار الماضي البعيد والتاريخ، يمكن القول إن الثورات ما زالت، كمفهوم وممارسة غريبة عن شعوبنا، على الرغم من وجود كل أسبابها، فالحركات التي عرفها المسلمون، كانت إما تمرّدًا على الخلافة أو محاولات خروج على السلطان. وفي التاريخ الحديث لمنطقتنا العربية، كانت انقلاباتٍ على الحكم أو صراعًا على السلطة.

وبالعودة إلى مقدمة الحديث، وما دوّنت ابنتي، مثالا عن جيل كانت لديه أسباب تمرّده على واقعه وطموحاته وأحلامه المختلفة في مجالات عدة عن طموحات آبائهم وأحلامهم، فإن إعادة النظر في التجربة السابقة ضرورة حتمية، والبناء من أجل غد يوفّر مقوّمات التغيير أو الانقلاب على واقعٍ بات أكثر تعقيدًا ممّا مضى ضرورة أيضًا. الثورة ليست مرحلة. إنها صيرورة دائمة، وكل لحظة تخلق من رحمها لحظة ثورية أخرى، إنها وعيٌ يتشكل خلال مسيرتها. ليست نقطة خلافية بهذا الحجم تسمية ما حدث، بين ثورةٍ وانتفاضةٍ وحراكٍ وغيره، لكن النقطة الأهم هي الاتفاق على ضرورة بناء وعي عام يعين الأجيال في تحديد أهدافها ورسم مسيرتها ووضع خططها، وعي يساعد في النهوض من هذا الواقع المعقد الغارق في اليأس وانسداد الأفق. لقد احترقت عشر سنوات من عمر الشعب، واحترقت مئات آلاف الحيوات في صراع عدمي، أتى على بذور الوعي قبل أن تبدأ ربيعها وتفتّحها، ولم يؤسس لوعي بديل.