ماذا يجري في جنوب لبنان؟

ماذا يجري في جنوب لبنان؟

07 اغسطس 2021
الصورة

قصف إسرائيلي بالقرب من قرية كفر شوبا في جنوب لبنان (6/8/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

للمرّة الأولى منذ عام 2014، أغارت طائرات حربية إسرائيلية على مناطق لبنانية، رداً على ثلاثة صواريخ كاتيوشا أطلقت من جنوب لبنان في اتجاه إسرائيل، سقط أحدها في مستوطنة كريات شمونه المحاذية للحدود مع لبنان. يأتي هذا ضمن سياق تصعيد تدريجي شهدته الحدود اللبنانية الجنوبية بدأ خلال المعارك التي شهدها قطاع غزّة مع قوات الجيش الإسرائيلي في مايو/ أيار الماضي، حين أطلقت مجموعات فلسطينية صواريخ على إسرائيل تضامناً مع غزّة. يومها اعتبر القصف حركة تضامنية رمزية، سيما أن القذائف سقطت في أماكن مفتوحة أو في البحر. ولكن تجدد القصف ثانية وثالثة ورابعة، والرد الإسرائيلي القوي على القصف أخيراً يثير قلقاً في لبنان، وتساؤلات كثيرة، منها: هل هناك من يريد فتح الجبهة مجدّداً مع إسرائيل على الحدود مع لبنان؟ ما الهدف من إدخال لبنان مجدّداً في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في هذا الوقت الذي يعاني فيه البلد من أزمة طاحنة تكاد تؤدّي إلى تفكك الدولة بأكملها؟ وهل صحيحٌ أن القصف مرتبط بما يجري في مكان آخر، وهدفه الضغط على المحكمة العليا في إسرائيل التي لم تصل إلى قرار بشأن الدعوى التي قدّمتها عائلات في حي الشيخ جرّاح ضد إخلائهم من منازلهم؟ أو أن التوقيت، كما يدّعي آخرون، هو لتحويل الانتباه عن المواجهة البحرية التي تخوضها إيران ضد إسرائيل والمصالح الغربية في بحر العرب؟ وهل القصف الذي تقف وراءه عناصر فلسطينية تنتمي إلى تنظيمات صغيرة يجري من دون علم أو تنسيق مع حزب الله؟ أم أن الحزب الذي يعرف بكل كبيرة وصغيرة تجري في مناطق سيطرته يغضّ النظر، ويحاول، من خلال عمليات القصف الفلسطينية هذه دراسة ردة فعل الحكومة الإسرائيلية الجديدة؟ الأهم من هذا كله، كيف سيتصرف حزب الله في مواجهة خرق إسرائيل الخطوط الحمراء التي وضعها لها بإقدامها على قصف مواقع داخل الأراضي اللبنانية؟

ثمّة قناعة إسرائيلية عبّر عنها أكثر من مسؤول وباحث هناك أن انهيار الدولة في لبنان سيؤدي إلى الفوضى العارمة

ثمّة قناعة إسرائيلية عبّر عنها أكثر من مسؤول وباحث هناك أن انهيار الدولة في لبنان سيؤدي إلى الفوضى العارمة، وسيشجع العناصر الفلسطينية المتطرّفة على التصرف على هواها في جنوب لبنان، لا سيما في ظل الأزمة الحادة التي يعانيها الجيش اللبناني. ولا يأخذ هذا السيناريو الإسرائيلي على ما يبدو في الاعتبار القبضة الأمنية الحديدية لحزب الله على كل ما يجري في الجنوب اللبناني، سيما في المناطق الحساسة المحاذية للحدود. إذ على الرغم من انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، يعرف الجميع هناك أن الوضع الأمني ممسكوك بصورة خاصة من القيادة العسكرية للحزب التي على تنسيق كامل مع قيادة الجيش اللبناني. معنى ذلك أن ما يجري من قصف متقطع من لبنان على إسرائيل ليس نتيجة ضعف الحكم المركزي في لبنان، بل له علاقة بأمور أخرى.

تتعدّد التفسيرات الإسرائيلية لما يجري أخيراً. رأى بعضها في عملية القصف التي صادف وقوعها مع إحياء مرور سنة على الانفجار المدمر للمرفأ في بيروت أنه محاولة لصرف الانتباه عن تعثر التحقيقات في القضية، واتهام حزب الله بحماية المنظومة السياسية الفاسدة المتورّطة بالانفجار. ولكن هذا التفسير يبدو ساذجاً وسطحياً، ولا يتطابق كثيراً مع سلوك حزب الله الذي يولي الأمن في الجنوب أهمية كبيرة، ويضعه في مكان متقدّم في أجندته ويعتبره أكثر أهمية من الصراعات الداخلية اللبنانية.

على الرغم من التماهي الكامل لحزب الله مع "حماس"، وتأييده الكامل لها، لم يسبق له في أي عملية إسرائيلية سابقة ضد القطاع، أن فتح جبهة ضد إسرائيل دعماً لحركة حماس

ثمّة في إسرائيل من يقول إن ما تشهده الحدود اللبنانية هو نتيجة اتفاق جرى في زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، لبنان بعد العملية الإسرائيلية على غزّة. وتزعم أطراف إسرائيلية أنه اتفق خلالها مع حزب الله على فتح عدة جبهات ضد إسرائيل، منها اللبنانية. من الصعب قبول هذه الحجة، إذ على الرغم من التماهي الكامل لحزب الله مع "حماس"، وتأييده الكامل لها، لم يسبق له في أي عملية إسرائيلية سابقة ضد القطاع، من "عمود السحاب" مروراً بـ "الجرف الصامد" وأخيراً "حارس الأسوار" أن فتح جبهة ضد إسرائيل دعماً لحركة حماس. وهو يدرك مدى حساسية الأمر بالنسبة إلى حلفائه السياسيين في لبنان، سيما التيار الوطني الحر الذي من الصعب عليه أن يقبل أن يزجّه حزب الله في معادلة جديدة تسمح لـ"حماس" باستخدام أراضيه وحدوده في عمليات قصف ضد إسرائيل، من شأنها أن توقظ كل المخاوف القديمة التي كانت سبباً في الحرب الأهلية اللبنانية.

يبقى تفسير آخر يطرحه الإسرائيليون، أن ما يجري هو بأوامر من طهران التي تريد تخفيف الضغط عنها، وتحويل الانتباه إلى لبنان، وتطلب من حزب الله الذي يطلب من التنظيمات الفلسطينية تسخين الجبهة مع إسرائيل، وبهذه الطريقة يبقى في منأىً عن الرد الإسرائيلي. إذا كان هذا أقرب إلى الواقع من غيره فإنه خطير للغاية، ويشرّع الباب أمام احتمال تبادل ضربات، أو ما يسميه المسؤولون العسكريون الإسرائيليون "أيام قتال" بين حزب الله والجيش الإسرائيلي.

.. وبغض النظر عن التأويلات الإسرائيلية هذه، فإن من حق اللبنانيين، سواء من مؤيدي حزب الله أم من معارضيه، أن يعرفوا ما هو موقف قيادة الحزب مما يجري في جنوب لبنان.