قطعت أوروبا قول كل خطيب

قطعت أوروبا قول كل خطيب

06 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

وسط بازار تحليلات عربي لا يخلو من التحريض والتنميط والدسّ، جاء رد الفعل الأوروبي على الانسحاب الأميركي من أفغانستان مفاجئًا وكاشفًا، وبدرجة ما محرجًا لمن أكّدوا أن الاحتلال الأميركي لأفغانستان كان "خيارًا" منفردًا تعارضه روسيا وأوروبا، أو ربما أطراف أوروبية فاعلة، فإذا بالانسحاب الأميركي يكشف عن هلع أوروبي أكثر حدّة، ورغبة أوروبية أكثر جموحًا في الاستمرار في استخدام القوة لرسم خريطة العالم!
واللحظة الكاشفة في هذا السياق ربما كانت لحظة التدخل العسكري الأطلسي في البلقان في العام 1998. يومها ظلت أوروبا متردّدة في مواجهة حريق البلقان المروّع، ونجحت أميركا وقتها في قيادة أوروبا أو "اقتيادها"، لتنفيذ عمل عسكري ضد نظام سلوبودان مليوسيفيتش ما يزال يجلب لعناتٍ على الولايات المتحدة. واليوم في 2021، تطرح أوروبا الموقف "معكوسًا": نحتاج ذراعًا عسكريًا أوروبيًا نملأ به فراغ الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط وامتداداته حتى تخوم الصين.

بدأ يتبلور مفهوم أميركي للأمن، جديد إلى حدٍّ ما، يرى الصين وروسيا مصدر خطر مزدوج هو الأكبر عليها

والمداولات الأوروبية العلنية التي شملت مسؤولي الدفاع والدبلوماسية تدور حول خطرٍ يهدّد "الغرب" بالمعنيين، السياسي والحضاري، قد يكون من المستهدف تلخيصه في أيقونة واحدة: حركة طالبان. والتباكي على الاختلاف في التصوّرات والممارسات بين شرق الأطلنطي وغربه، بدأ مساره الأكثر درامية باتفاق بريكست في 2016، وتلاه المنعطف غير المسبوق في علاقة الحليفين الغربيين بحديث دونالد ترامب عن كلفة أمن الحلفاء الذي تدفعه أميركا من دون مبرر. وقد جاء التصعيد الأميركي في التعامل مع الملف الصيني والسعي الفعلي إلى تكوين تحالف لمواجهتها، ضم أطرافًا ليس بينها أوروبا، ليعزّز التمايز بين "أمنين": أمن أوروبي لا إجماع على مصدر الخطر الرئيس، حيث شرق أوروبا وشمالها الأقصى يعتبران روسيا الخطر الأكبر، بينما جنوب أوروبا، بالأساس، يرى جنوب المتوسط وامتداداته جنوبًا وشرقًا مصدر الخطر. في المقابل، بدأ يتبلور مفهوم أميركي للأمن، جديد إلى حدٍّ ما، يرى الصين وروسيا مصدر خطر مزدوج هو الأكبر عليها، وخصوصا في حال تحالفهما. والانتقادات الأوروبية للانسحاب الأميركي هي، في الحقيقة، تعبير عن عجز أوروبي مزمن. وما تغيَّر حتى اللحظة هو الخطاب وحسب، فاللهجة أكثر حدّة وسوداوية، وليست أكثر شجاعة، وإن بدت ظاهريًا كذلك.

رد الفعل الأوروبي على الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو "ترجمة رصينة" لخطاب ترامب الشعبوي الخشن

وقد حاولت فرنسا، خلال السنوات القليلة، قيادة موقف أوروبي يتمسّك بالنفوذ الفرنسي التاريخي جنوب المتوسط. وكانت للوسائل التي اختارتها في ليبيا وتونس ومالي وغيرها آثار جانبية مسّت مصالح كل من أميركا، وألمانيا، وإيطاليا، بدرجاتٍ متفاوتة، وشهدت السنوات القليلة الماضية انتكاسات لا تخطئها العين في نطاق نفوذها التاريخي. ومن مفارقاتٍ لا تخلو من سخرية أن رد الفعل الأوروبي على الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو "ترجمة رصينة" لخطاب ترامب الشعبوي الخشن: أوروبا من دون أميركا مكشوفة الظهر. و"القارّة العجوز"، وهي تعلن حقيقة أزمتها، "لا تكذب ولا تتجمّل"، بل تجلس على كرسي الاعتراف. وحديث الآثار الجسيمة على الغرب بسبب عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان يجعل أوروبا تتبادل المواقع مع أميركا، فما اعتبره أوروبيون كثيرون "الطبيعة التبشيرية" المرفوضة للتدخل العسكري الأميركي عمومًا (من المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر إلى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وغيرهما) أصبح اليوم الهدف الذي يشعر مسؤولون أوروبيون كثيرًا بالصدمة بسبب الفشل في تحقيقه في أفغانستان.
لقد قطعت أوروبا قول كل خطيب، بردّ فعلها الصاخب على الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتأثيراته، فدرجة حرارة الحوار حول القضية نفسها، في أميركا التي دفعت الثمن الأكبر سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا أقل من نظيرتها في أوروبا. ولعل المثير للدهشة، في الوقت نفسه، أن القسم الأكبر من الخطاب السائد في العالم العربي، عن الانسحاب، لا يحمل أيًا من وجهتي النظر، بل هو أقرب إلى الخطاب الروسي، وهو خطابٌ تلخصه مفردات: الشماتة، الخوف، الدس، ...، ...، وكأنه كان على أميركا، كما قال الرئيس بايدن، أن تظل تنفق 300 مليون دولار يوميًا في الطريق الخطأ. ولو أنصفت روسيا، ومعها مشايعوها العرب، لاعترفوا بأن أميركا، خلال عشرين عامًا مضت، كانت تحميها (صراحةً أو ضمنًا) بدماء مواطنيها وبأموال دافع الضرائب الأميركي!