في أهمية الانتخابات الرئاسية الإيرانية المرتقبة

في أهمية الانتخابات الرئاسية الإيرانية المرتقبة

17 يونيو 2021
الصورة

إيرانية تحمل صورة للمرشح لانتخابات الرئاسة إبراهيم رئيسي في طهران (18/6/2021/الأناضول)

+ الخط -

من المقرّر إجراء الانتخابات الرئاسية الثالثة عشرة في إيران يوم الجمعة، 18 يونيو/ حزيران. وقد استبعد مجلس صيانة الدستور المرشّحين الإصلاحيين والمعتدلين الرئيسيين من خوضها، ما يترك المجال مفتوحاً لتحقيق فوز سهل للمرشّح المتشدد الرئيسي إبراهيم رئيسي. وهو ما قد يحيل إلى ما أدّته الانتخابات المنتظمة والتشاركية المتقطعة في إيران من إرباك علماء السياسة الذين حاولوا تكييف النظام الإيراني ضمن أحد النماذج التقليدية. لذا، برزت تسمية "الاستبداد الانتخابي" باعتبارها الأكثر استخداماً على نطاق واسع. يُطلق النظام على نفسه اسم "الجمهورية الإسلامية" أو "الديمقراطية الدينية (مردمسالاری دینی)"، بينما يشكّك المراقبون في كلا العنصرين: فهو لا يتبنى تفسيرات الإسلام نفسها التي يدّعي أنّه يعتز بها. ويتعذر أن يستوفي الحدّ الأدنى من شروط نظام الحكم الديمقراطي، أي انتخابات حرّة ونزيهة.

يرتكز النظام الإيراني بشكل فريد على دعامتين رئيسيتين متشابكتين: الدينية والشعبية. يمسك بالأولى المرشد الأعلى غير المنتخب، والذي يمثل أعلى سلطة دينية، ويتمتع بسلطةٍ شاملةٍ على جميع مؤسسات الدولة، فهو يعيّن رئيس السلطة القضائية، وقادة جميع المناصب العليا في القوات المسلحة، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام وأعضاءه، ورئيس مجلس صيانة الدستور وأعضاءه، ورؤساء مؤسسات عديدة هامة في البلاد وأعضاءها، كما أنّ للمرشد سلطة تحديد السياسات الرئيسية للدولة في القضايا المحلية والدولية.

يتشكل النظام السياسي الإيراني بطريقةٍ تضمن بشكل أساسي بقاء الانتخابات على هامش هيكل السلطة

أما الدعامة الشعبية، والتي لا تنفكّ عن التقاطع مع السابقة، فتتشكل، وفقاً للدستور، من أربع مؤسسات منتخبة عن طريق التصويت المباشر من الشعب: الرئيس، البرلمان (المجلس)، مجلس خبراء القيادة، والمجالس البلدية. يتولى المجلس، المكون من 290 عضواً، سلطة التشريع وعزل الرئيس بعد موافقة المرشد الأعلى. بينما يتألف مجلس خبراء القيادة من 88 مجتهداً منتخبين بالاقتراع الشعبي المباشر ومكلّفين بتعيين المرشد الأعلى أو عزله. أخيراً، توكل للمجالس البلدية مسؤولية انتخاب رؤساء البلديات في المدن. ووفقاً للمادة 115 من الدستور، يُنتخب الرئيس بالتصويت الشعبي أربع سنوات لولايتين متتابعتين حداً أقصى. يحدد الدستور مؤهلات الرئيس فيشترط "أن يكون إيراني الأصل، يحمل الجنسية الإيرانية، تتوفر فيه القدرات الإدارية وحسن التدبير، ذا ماضٍ جيد، تتوفر فيه الأمانة والتقوى، ومؤمناً بالمبادئ الأساسية لجمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد". إضافةً إلى ذلك، يتولى المرشد الأعلى الإشراف على انتخابات جميع المؤسسات، باستثناء المجالس البلدية، عن طريق مجلس صيانة الدستور الذي يحتاج موافقته ليكون فاعلاً. يتمتع هذا المجلس، المؤلف من ستة مجتهدين وستة محامين يعينهم المرشد الأعلى، بسلطة فحص القوانين التي يقرها البرلمان ضد مبادئ الشريعة والدستور. كما يجب أن يوافق المجلس على مؤهلات مرشحي الرئاسة ومجلس الشورى قبل إطلاق حملاتهم الانتخابية (وفقاً للمادة 99 من الدستور). على سبيل المثال، خلال العقود الأربعة الماضية، رفض مجلس صيانة الدستور أكثر من 80% من المرشحين للرئاسة، بمن في ذلك شخصيات مؤثرة عدة، كالمرشّح المعتدل هاشمي رفسنجاني في انتخابات عام 2013، ومحمود أحمدي نجاد عام 2017. أما في الانتخابات الحالية، فقد وافق المجلس على سبعة مرشحين فقط من بين 585 متقدّماً. وهذه الصلاحيات الواسعة تجعل مجلس صيانة الدستور أحد أدوات القائد الأعلى الرئيسية لممارسة السلطة على الهيئات المنتخبة في الدولة وعائقاً أمام الديمقراطية.

بشكل عام، يحق لجميع المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً التصويت، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو آرائهم السياسية. كذلك، تحتوي المجالس على حصة للأقليات الدينية: كالزرادشتيين، واليهود، والكلدانيين/ الآشوريين، فيكون لكلّ منهم ممثل واحد. أما المسيحيون الآخرون (من غير الكلدانيين/ الآشوريين) فلهم ممثلان. وبما أنّه لم يرد ذكر البهائيين في الدستور ولا يوجد قانون رسمي ضدهم، فيمكنهم التصويت لا الترشّح.

يشعر المتشدّدون بعدم الأمان الشديد، ويعتقدون أنّه حتى التحدّي البسيط لديه القدرة على التحول بسهولة إلى عواقب غير متوقعة ونتائج لا يمكن التنبؤ بها

منذ الثورة في 1979، شهدت البلاد 37 انتخابات وطنية، هي 11 برلمانية، 12 رئاسية: ستٌّ لمجلس خبراء القيادة، خمسٌ لمجالس بلدية، وثلاثة استفتاءات. كما انخفضت نسبة رجال الدين في المجالس من 52 و56 في المائة في برلماني 1980 و1984 توالياً، لتتراجع بشكل حاد إلى 6 في المائة في برلمان 2016، إلّا أنّ هذا الرقم ما لبث أن ارتفع إلى 31 في المائة في برلمان 2020، ويرجع ذلك في الغالب إلى المشاركة التاريخية المنخفضة، ما يعني أنّ المقترعين تلك المرّة كانوا في الغالب ثوريين، متدينين ومحافظين. أما على صعيد التوزّع الجنسي، فتتمتع المرأة بحصة ضئيلة في البرلمان، والتي تراوحت بين 3% و6% فقط في العقود الثلاثة الماضية.

على المستويين، الدستوري والقانوني، يتشكل النظام السياسي الإيراني بطريقةٍ تضمن بشكل أساسي بقاء الانتخابات على هامش هيكل السلطة. على سبيل المثال، يمكن لمجلس صيانة الدستور غير المنتخب استبعاد المرشحين وفحص القوانين التي أقرّها البرلمان ورفضها، ويمكن للمرشد الأعلى إقالة الرئيس. ومع ذلك، لا يستخدم النظام دائماً هذه الأدوات بكامل إمكاناتها الاسمية، ما يترك مساحة للنقاش السياسي، وأحياناً الهزيمة الانتخابية. والسبب في ذلك الفوائد الكثيرة التي توفرها الانتخابات للنظام، فهي تزوّده بالشرعيتين، المحلية والدولية، تمكّنه من إلقاء اللوم على المعارضة، تخلصه من المسؤولية، وتمنع تطرّف المعارضة. ومع ذلك، تتشابك جميع هذه الفوائد مع التحديات المرتبطة بها. في المحصلة، الانتخابات في إيران مزيج من المخاطر والمغانم للنظام، اعتماداً على كيفية إجرائها عملياً. لذا، كلّ انتخابات هي صراع دائم لتحسين التوازن وتحقيقه ضمن هذه السلسلة المستمرة من الفوائد والتحدّيات.

منذ الثورة في 1979، شهدت إيران 37 انتخابات وطنية، هي 11 برلمانية، 12 رئاسية، ستٌّ لمجلس خبراء القيادة، خمسٌ لمجالس بلدية، وثلاثة استفتاءات

ما مدى قوة الهيئات الانتخابية للدولة، وما هو نطاق التغييرات الناتجة عن الانتخابات؟ على الورق، ليست قوية بما فيه الكفاية، وجميع السلطات تخضع لمنظمات غير منتخبة. وفي الواقع، كانت الأمور مختلفةً طوال العقود الأربعة الماضية، فأولئك الذين يطمحون للترشح لأيّ منصب من المناصب الانتخابية الأربعة (الرئيس، البرلمان، مجلس خبراء القيادة، المجالس البلدية) يخضعون للتدقيق السابق من مجلس صيانة الدستور. ومع ذلك، وبمجرّد انتخابهم، يصبح عزلهم من المنصب غير قابل للتحقق من الناحية القانونية، أو مكلفاً من الناحية السياسية.

قانونياً، يمكن عزل الرئيس من منصبه بطريقتين: إذا صوّت ثلثا أعضاء البرلمان على عدم كفاءته. وإذا حكمت المحكمة العليا بإدانته بالخروج عن واجباته القانونية. يتطلب كلا المسارين الموافقة النهائية من المرشد الأعلى، أو سيستمر الرئيس في شغل المنصب. مع العلم أنّه في عقود الثورة، تمت إقالة رئيس الجمهورية مرة فقط في قضية الرئيس الأسبق أبو الحسن بني صدر (فبراير/ شباط 1980 - يونيو/ حزيران 1981). من الناحية النظرية، من السهل على المرشد الأعلى إقالة الرئيس، لأنّه هو الذي يعيّن رئيس السلطة القضائية، وبالتالي هو يسيطر على المحكمة العليا. ومن الناحية العملية، تتطلب هذه العملية صنع إجماع في مشهد سياسي أكبر، وإلا قد تتسبب في تكاليف سياسية باهظة محلياً، وتشويه لسمعة البلاد دولياً. لهذا السبب، على الرغم من عزم البرلمان في بعض المناسبات في الماضي على عزل الرؤساء خلال عهدي محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني، فإنّ جميع المحاولات في هذا الصدد وأدها منذ البداية مكتب المرشد الأعلى.

يشير استبعاد المرشحين على نطاق واسع في الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى أنّ النظام يفقد بشكل متزايد شهيته للمخاطرة

وهناك مسألة مهمة أخرى، تتعلق بالرئيس، فبينما يعتبر المرشد الأعلى مسؤولاً عن تحديد السياسات الداخلية والخارجية الرئيسية للدولة وفقًا للدستور (المادة 176)، يمكن للرئيس والبرلمان التأثير بشكل كبير على هذه السياسات. على سبيل المثال، يعتبر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مسؤولاً عن اتخاذ جميع القرارات الرئيسية في مجالي الدفاع والأمن. ومع أنّه تجب موافقة المرشد الأعلى على قرارات المجلس لتكون فاعلة، فإنّ الرئيس هو رئيس المجلس، ومن بين أعضائه الثلاثة عشر ستة يعيَّنون من قبله. إضافة إلى ذلك، يعتبر العضو الآخر المنتخب في المجلس الأعلى رئيس البرلمان، ما يمنح الرئيس والبرلمان مساحة تفاوض كبيرة للتأثير على السياسات في المجلس الأعلى للأمن القومي وتشكيلها.

خلاصة القول، الانتخابات في إيران مسألة مكاسب ومخاطر بالنسبة للنظام. يستفيد النظام من الانتخابات التشاركية كما أسلفنا، لكنّه يعرّض نفسه أيضاً للشكوك والمخاطر. يحاول النظام دائماً تحقيق التوازن بين هذه المخاطر والشكوك، من خلال هندسة الانتخابات لضمان نسبة مشاركة عالية لكن في الوقت نفسه تقليل النتائج غير المتوقعة. مع ذلك، يشير استبعاد المرشحين على نطاق واسع في الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى أنّ النظام يفقد بشكل متزايد شهيته للمخاطرة. يشعر المتشدّدون بعدم الأمان الشديد، ويعتقدون أنّه حتى التحدّي البسيط لديه القدرة على التحول بسهولة إلى عواقب غير متوقعة ونتائج لا يمكن التنبؤ بها. هذا العزوف عن المخاطرة الانتخابية قد تصاعد باطراد على مدى العقد الماضي؛ من رفض هاشمي رفسنجاني في انتخابات 2012 وأحمدي نجاد في انتخابات 2017 إلى رفض واسع النطاق لمعظم المحافظين المعتدلين والإصلاحيين في الانتخابات المقبلة. في المحصلة، لا يمكن إلا أن ننتظر، لنرى ماذا ستكون عواقب هذا العزوف عن المخاطرة في المستقبل.