فتحي عبد الله: طعامي من هواء الناس

22 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

في ليلة وفاة الشاعر المصري، فتحي عبد الله (الخميس 18 فبراير/ شباط الحالي)، وجدتُني أعيد سماع تسجيلاتٍ كنا نتبادلها عبر "واتساب"، في شتى مواضيع الحياة. كان صوتُه كالعادة حنوناً شجياً، وبفصحى تخالطها اللكنة الحانية لأهل الريف (من مواليد قرية رملة الأنجب بمحافظة المنوفية). حكّاء جميل ومثقف موسوعي. أتذكّر حديثه، ذات لقاء في القاهرة، عن تفاصيل دقيقة من حياة رواد مصريين، جرّتهم السياسة بعيداً عن مشاريعهم الإبداعية، مثل سيد قطب الذي كان يمتلك ذائقةً أدبيةً مهمة، وكان في بداياته مشروع أديب مرهف، حسب ما قال. تميز فتحي كذلك بالصدق في التعبير عن آرائه، فهو يتبنّى موقف مثقف صادق في التعبير عمّا يشعر به، ولم يكن مدّعياً للمواقف، كذلك فإنه لم يكن على هامشها. تميّزت آراؤه بالصدق والصراحة. كان، باختصار، لا يداهن في مواقفه، ولا تقلّبه الأهواء والمصالح الشخصية التي لم يعرف عنه أنه سعى إلى مكاسبها يوماً. بل هو أقرب إلى الكاتب الكادح الذي يعمل من عرق جبينه، وموارد عقله وخياله. مثل عامل يدوي يمتزج عمله بالناس وفوضى الحياة وضغوطها، فهو لديه أبناء يحرص على توفير جميع متطلباتهم.
حين رحل، امتلأت صفحات "فيسبوك" بأخبار رحيله، ما يدل على مكانته في قلوب المثقفين العرب. وهناك من وجّه اللوم إلى وزارة الثقافة المصرية في عدم مساندته في ظروفه الصحية التي لم يكن مشغولاً بإعلانها، فما إن يخرج من أي ضائقةٍ صحيةٍ إلا وتراه يعود، مناقشاً مختلف جوانب الحياة. ما يدلّ على إقباله على الحياة، على الرغم من مكر المرض وهجماته المتقطّعة، التي كان بعضها يُدخله في غيبوبة. لكنه ما إن يستفيق من وعكته إلا وتراه متفاعلاً مع الحياة، معرباً عن آرائه في مختلف المجالات السياسية والثقافية، متذكّراً أصدقاءه، ومعلِّقاً على صفحات "فيسبوك"، ومتابعاً كل جديد.
في أثناء رجوعي من المغرب إلى عُمان، كنت أخضع لفترة حجر صحي مدتها أسبوعان. وفي تلك الأثناء، كنا نتواصل بين فترة وأخرى، للسؤال عن صحته، وكان يكتفي بالقول: "أنا مريض، ولكن الحمد لله على كل شيء". ومرّة قرأ خبراً عن إصداري طبعة جديدة من رواية "درب المسحورة"، فطلب مني أن أرسلها إليه. ظننته يود فقط قراءتها، لأكتشف أنه قرأها في وقت وجيز، بل وكتب عنها مقالاً اكتشفت، منه، ذكاءه في التقاط ما لا يراه الكاتب، بل شعرت وكأنه فهم الرواية أكثر مني.
حين أزور القاهرة، لا بد أن أسأل عن أحمد شافعي وعبد الحكيم حيدر والعم إبراهيم عبد المجيد وسيد محمود، وطبعاً فتحي عبد الله، وآخرين من وجوه القاهرة. على الأقل بالهاتف، حيث لم تكن تسمح انشغالات بعضهم باللقاء السريع. هؤلاء وغيرهم روح القاهرة الحقيقية وذاكرتها المتنقلة. فتحي من محبّي الشيشة والمعسل. يصعب أن تلتقيه خارج محيط دخانها وسحبها. ويروي من شغفه بها أنه مرّة كان قد أحضر والدته من القرية في سيارة أجرة، فطلب من السائق أن يتركه قليلاً أمام مقهى يعرفه، فنزل، وبعد رشفات سريعة من نسغ المعسل، عاد إلى السيارة، ليستأنف رحلته إلى البيت.
يعتبر فتحي عبد الله من جيل الثمانينيات في قصيدة النثر في مصر. ساهم في إصدار مجلات ثقافية، كذلك أشرف على سلسلة "كتابات جديدة". وفي الشعر، ترك مجموعة من الإصدارات، من أهمها "راعي المياه" و"سعادة متأخرة" و"موسيقيون لأدوار قصيرة" و"أثر البكاء" و"الرسائل عادة لا تتذكّر الموتى"، وآخرها ديوان "يملأ قلبي بالكرز". يتميز مجاله التعبيري، كما حياته، بالبساطة وانثيال الجمل وقربها من حرارة اليومي ومحايثة التفاصيل. من مقاطعه الشعرية:
(أنا درويش/ لا شجر لي/ ولا حقائب/ وطعامي من هواء الناس/ وأخرج في الصباح/ بدون إنذارات/ أو إشارات واضحة/ وأترك أقدامي/ وحدها تمشي/ الشحاذون تلمع عيونهم/ إذا رأوني في المقاهي/ ويقطعون صياحهم/ أمام/ ضحكاتي العالية/ ويقذفون بالنقود في/ فرح/ إلى وسط الشارع/ فمن يستطيع أن يقبض/ على رائحة المسك/ بين المجانين؟