عن علمانيين جدد في فرنسا

28 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كرّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في خطاب له قبل أشهر حول جائحة كورونا، جملة "نحن في حرب"، سبع مرات، الأمر الذي أثار تساؤلاً مشروعاً عن معنى ذلك لدى الإعلام والصحافيين والمواطنين! ثم سرعان ما تبيّن أن إعلان الحرب هذا موجَّه إلى المواطنين الفرنسيين من المسلمين، إذ مهّد هذا الخطاب الذي يشبه إعلاناً للدخول إلى الانتخابات، لصدور مشروع قانون الانعزالية الذي، بضغط من التظاهرات التي عمّت الدول الإسلامية، مطالِبة بمقاطعة البضائع الفرنسية، غُيِّر اسمه إلى مشروع تعزيز احترام مبادئ الجمهورية. وكما قال الرئيس ماكرون إنه لن يتراجع عن هذا القانون، ووفقاً له، أغلقت وزارة الداخلية مساجد كثيرة وجمعيات خيرية تقدّم العون الاستشاري والقانوني لمن يتعرّض للإسلاموفوبيا في فرنسا، وأغلقت المدارس الخاصة التي ليس لها عقد للتدريس مع وزارة التربية بشكل قانوني، ومنع تدريس الأطفال في البيوت، وقرارات أخرى مجحفة لا علاقة لها بالعلمانية، ولا بالأسباب الموجبة لهذا القانون المذكورة فيه: رفض رجل مصافحة مسؤولة كبيرة لكونها امرأة، سحب أطفال من المدارس الحكومية للتعلّم في البيوت المناهج الخاصة (اللغة العربية والتربية الدينية)، جمعيات رياضية لها نشاطات تبشيرية، أطباء يحرّرون شهادات عذرية وجمعيات بتأثيرات أجنبية معادية لقيم الجمهورية، وأخيراً وجود إدارات عامة لا تعرف فيها مبادئ حيادية العلمانية.

أُصدِر مشروع قانون تعزيز احترام مبادئ الجمهورية في ذكرى تاريخ صدور قانون 1905 الذي يعتبر حدثاً مهماً في تاريخ فرنسا الحديث، جرى بموجبه فصل الدين عن الدولة

إضافة الى ذلك، يتحجّج مسؤولون بالقول إنه، وفق استطلاع بين الشباب المسلم في فرنسا، وجدنا أن 74% منهم يقول إن قانون الله فوق القانون المدني، معتبرين ذلك حجّة وسبباً من أسباب إصدار هذا القانون، فيما يجيب المختصون بالعلمانية، مثل الباحث في علم الاجتماع، باتريك فييل، بأنه أولاً حذر من "الاستطلاعات في هذا الخصوص"، ومن الطبيعي جداً أن يعتبر المؤمنون في بعض الديانات أن قانون الله فوق قانون البشر. ولكن حتى هذه الحجة يكفلها قانون الفصل بين الدين والدولة وإعلان حقوق الإنسان. في الوقت نفسه، لماذا لا تُعطى نسبة بمن يسبّب صداعاً للدولة وللمحافظين الجدد المتخفّين وراء ستار العلمانية، والتحضر للتهجم على الفرنسيين المسلمين؟ ما هو أكيد، أن هؤلاء قلة قليلة لا يمكنها أن تكون مشكلة جدّية مقارنةً بما يعيشه الشعب الفرنسي من مشكلات حقيقية!

لقد أُصدِر مشروع قانون تعزيز احترام مبادئ الجمهورية في ذكرى تاريخ صدور قانون 1905 الذي يعتبر حدثاً مهماً في تاريخ فرنسا الحديث، جرى بموجبه فصل الدين عن الدولة، حيث نقل هذا القانون الدولة الفرنسية إلى مرحلةٍ جديدةٍ لا تتدخل فيها الكنيسة بالشأن السياسي ولا بالسلطة. ولا علاقة لهذا القانون الذي يلوّح به في كل مشكلة صغيرة وكبيرة، مع الإسلام والمسلمين حصرياً في فرنسا، بالأسباب الموجبة التي نصّ عليها مشروع القرار الأخير الصادر، ولا باحترام العلمانية من المسلمين، لأن نص المادة الأولى في القانون يقول بحرية المعتقد وحرية إعلان مظاهره في حدود احترام النظام العام والمساواة بين الجميع أمام القانون. وتثبت المادة العاشرة من إعلان حقوق الإنسان حرية المعتقد، وتقول: لا يقلق أي شخص بسبب آرائه الدينية، إذا لم تمسّ النظام العام المحدّد بالقانون.

يتذرع مسؤولون باستطلاع بين الشباب المسلم في فرنسا، وجد أن 74% منهم يقول إن قانون الله فوق القانون المدني، لتشريع قانون احترام مبادئ الجمهورية

أول من يعرف جيداً قانون 1905 هم من يمكن أن يطلق عليهم "العلمانيون الجدد" الذين يتحجّجون بمبادئ العلمانية وبمبادئ الجمهورية لمحاربة "المستعمرين" الفرنسيين المسلمين، وتحجيم وجودهم وإسكات أصواتهم المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني وغيره، بل لطردهم من فرنسا، كما جاء أجدادهم للعمل في مصانعها من ضفة المتوسط الأخرى، لأنهم خطر على الحضارة الفرنسية، والغربية عموماً. ليس خطاب العلمانيين الجدد علمانياً كما يحبون أن يظهروا أمام الرأي العام الفرنسي، بل هو خطاب ديني متعصّب، جذوره من التوراتية والصهيونية، وفي مفهوم "الإرهاب الإسلامي" المصنوع في معاهد التفكير بعد أحداث "11 سبتمبر" في الولايات المتحدة عام 2001، لنظرائهم المحافظين الجدد، مهندسي غزو العراق وتدميره، يتردّد صداه في الإعلام وتبادل المعلومات، منها نشر الكاريكاتير المسيء للرسول في فرنسا بعد الدنمارك، إلى التدخل "في شؤون إدارة ضواحي باريس وشبابها" المناهضة للاحتلال في فلسطين والعراق بعد عام 2003، وصولاً إلى التحريض والدعوة اليومية العلنية إلى الحثّ على كراهية المسلمين في فرنسا، على الرغم من وجود العقاب القانوني لمثل هذه الدعوات.
يبدو قرار "تعزيز احترام مبادئ الجمهورية" ضد الفرنسيين المسلمين قراراً يستهدف المسلمين في فرنسا أولاً، ليتبعه في أوروبا، ومن بعدها أميركا، بسبب حملة مقاطعة الكيان الصهيوني (BDS) التي تعطي ثمارها أكثر وأكثر، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، ولدى جزء من الجالية اليهودية من الشباب والطلاب، لأن مثل هذه القوانين تشل أي دعم للقضية الفلسطينية، ودعم أي تحرّك مشابه، وفي حال تمرير مثل هذا القانون، يمكن تعميمه في أميركا التي تتوسع فيها الحملة من نشطاء الشتات الفلسطيني والعربي والجمعيات العربية، والشخصيات التي وصلت إلى الحزب الديمقراطي، وتمكّنت من الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. ليس ذلك فحسب، بل تخرّب هذه الحلقات التي تدّعي العلمانية، وتتبجح بمبادئ الجمهورية وقيمها، الديمقراطية والسلم المدني والعام، وذلك بتشويه أحزاب اليسار، مثل حزب فرنسا غير الخاضعة والحزب الشيوعي والحزب المناهض للرأسمالية وشخصياتها. وقد تفتقت عقولها أخيراً عن تعبير "إسلامو - يساري" الذي بدأ الإعلام المهيمن، والصحافيون التابعون له، بترديده باستمرار، لتخويف الناس من انتخابهم، ولجذب أصوات اليمين المتطرّف لمصلحة الرئيس ماكرون، لكي لا يكون أمامه إلا مرشّحة اليمين المتطرّف، مارين لوبين، التي يسمح وجودها أمامه في الدور الثاني من الانتخابات بالفوز.

خطاب العلمانيين الجدد ليس علمانياً كما يحبون أن يظهروا أمام الرأي العام الفرنسي، بل خطاب ديني متعصّب، جذوره من التوراتية والصهيونية

فنّد رئيس حزب فرنسا غير الخاضعة، جان لوك ملينشون، قرار الحكومة، واعتبره إعلان حرب دينية في فرنسا، ووقف أمام البرلمان، ليقول للنواب إنها حربٌ على المسلمين، وهل تستطيعون حل الأحزاب الهوياتية والفوقية البيضاء المتطرّفة؟ كلا. هل تستطيعون حل رابطة الدفاع اليهودية التي أجبرت البرلمانيين من حزبنا على الانسحاب من تظاهرةٍ تحت حماية البوليس؟ الجواب كلا. هل لديكم النية في قطع علاقاتكم مع بعض الدول الإسلامية التي تدين العشرات بالموت سنوياً؟ كلا.
لقد حاول الرئيس ماكرون، بداية حكمه، تسويق مفهوم معاداة الصهيونية معاداة للسامية، وفشل مسعاه لدى الشعب الفرنسي. واليوم تحت حظر كورونا، يصدر قانوناً أخطر ضد المواطنين الفرنسيين المسلمين، بحجج لا تتوافق مع قانون 1905، وتعميمها على ملايين من المواطنين. العلمانية في القانون الفرنسي هي أن يكون الجميع متساوين أمام القانون، بينما يتّهمهم الرئيس، وهو رئيس كل مواطنيه بالتساوي، بعلاقتهم وعلاقة معتقداتهم بالإرهاب، وهو ما ورد في نص المشروع "إن شكلاً من الانعزالية بأسس دينية قد تأكّد في السنوات الأخيرة، وهو غير بعيد عن علاقته بالعمليات الإرهابية التي أدمت فرنسا في وقت قريب".
مشروع قانون تعزيز احترام مبادئ الجمهورية الخاص بالمسلمين في فرنسا الذي يجري تسويقه على أساس احترام العلمانية سابقة خطيرة، تستهدف تكوّن أي نخبة فرنسية من أصول عربية مسلمة، تمتلك وعياً سياسياً، وهو يمنع تمتع هؤلاء بأي فضاء ديمقراطي حتى، مع انحساره المستمر، ليرفع صوته. هذا القانون، ومثله قانون الأمن الشامل الذي صدر في الوقت نفسه، رفضهما الشعب الفرنسي الذي يخرج بالآلاف كل سبت، يطالب بإلغاء هذه القوانين المشابهة لقوانين الحكم الشمولي، وهي تدقّ ناقوس الخطر لمستقبل كل الفرنسيين والمسلمين في فرنسا بشكل خاص؟