عن تحالف الغريمين السابقين في المغرب

عن تحالف الغريمين السابقين في المغرب

10 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية في 8 سبتمبر/ أيلول المقبل، وقع ما لم يكن واردا علی جدول الأعمال السياسي في المغرب، إذ أعلن الحزبان الرئيسان في المشهد الوطني عن تحالفهما! "العدالة التنمية" يَنْسبُ نفسه إلى الحركية الإسلامية، وقد قاد الحكومة منذ فبراير/ شباط 2011 في عز الربيع العربي الذي قاد الموجة الإسلامية إلى الحكم في الدائرة العربية شرقا وغربا. و"الأصالة والمعاصرة" الذي يقود أكبر تكتل للمعارضة، والمصنف حداثيا. وبنى مشروعه السياسي كله على مواجهة الإسلاميين.
للوهلة الأولى يبدو القانون المؤطر لعملية التحالف، قانون بيولوجيا الوراثة، والذي يقول صاحبه، الراهب والعالم النمساوي، مؤسس علم الوراثة الحديث، غريغور يورهان مندل: "عندما يقع شيء لم يكن متوقعا حدوثه، فذلك يعني حصول تحوّل". وقد وقّع الأمين العام الحالي للحزب الإسلامي، سعد الدين العثماني، والذي كان يرى أن الناخب المغربي لن يفهم هذا التحالف بين ضدّين سياسيين عملا على تأطير الحقل السياسي في المغرب بقطبيةٍ اعتبرتها نخبة المغرب اليسارية "مصطنعة" وتطبيع العلاقة مع غريمه السابق بدون عقدة! ويبدو أن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، جعل من التحوّل إزاء الغريم السابق هدفا أساسيا في تسييره الشؤون الخاصة لحزبه...

حسب مراقبين عديدين، هناك مصلحة مشتركة بين "العدالة والتنمية" و"الأصالة والمعاصرة" في تقليم أظافر حزب الأحرار

ما هو التحول الذي أحدث هذه الطفرة في علاقاتٍ كانت تبدو محكومة بمنطق بيولوجي وراثي، حمضه النووي هو العداء بين الحزبين؟ يرى كثيرون أن سبب هذا التحوّل بروز قوة جديدة، هي التجمع الوطني للأحرار، والذي يقوده عزيز أخنوش، أحد أكبر الأثرياء في المغرب وأفريقيا، والوزير القوي في الحكومات الأخيرة، بقيادته قطاعا جوهريا، الفلاحة والصيد البحري. ومن أهمية الفلاحة في دواليب الحكم بالمغرب أن الفرنسي ريمي لوفو كتب كتبا عن "الفلاح مدافعا عن العرش". هذه القوة الصاعدة، والتي بينت أرقام الانتخابات المهنية في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والفلاحة والصيد البحري، هيمنتها القوية بمضاعفة اكتساحها كل الغرف المهنية المعنية، دخلت في صراع، بل في تنافس مع الحزبين، فحزب العدالة والتنمية لم ينس لهذه القوة دورها في تقليص هامش تحكّمه في تشكيلة الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2015، والتي أدّت، في نهاية المطاف، الى إعفاء أمينه العام السابق، عبد الإله بنكيران، من مهمة تشكيلها، وإسناد الأمر الى نائبه سعد الدين العثماني.
وحزب الأصالة والمعاصرة يعتبر أن دوره يقتضي منه بقاءه في الصدارة، والتي يهدّدها حزب الأحرار... هناك إذاً، حسب مراقبين عديدين، مصلحة مشتركة بينهما في تقليم أظافر هذا الحزب، وتقليص هيمنته المتوقعة مستقبلا. ويرى آخرون أن عقد التوافقات بين "الأصالة... "وغريمه القديم هو إقرار بأن هذا الأخير سيحافظ على مكانته في صدارة المشهد، وأن تشكيل الحكومة المقبلة سيتم بينهما، وإلا فكيف يسارع الحزب (الأصالة والمعاصرة) إلى إلغاء حرب الوجود بينهما، وتحويلها إلى تحالف حدوده الدنيا تشكيل الحكومة المقبلة؟ يرى أصحاب هذا الموقف أن في العملية نوعا من استدراك فرصةٍ كانت سابقة، فالحزبان معا حصلا على أغلبية مريحة، لكن الوضع التوتري بينهما منعهما من استثمار التقارب في وقته. وهناك من رأى أنّها كانت فرصة لسلم سياسي مطلوب في الظروف المستجدّة في المحيط الإقليمي المتقلب للمغرب.

في حال نجح التحالف، فإن انفتاح الحزبين على بعضهما سينبئ بإغلاق الحقل السياسي في وجه الفاعلين الآخرين

ومن التصورات الأبعد في التقدير أن وصول هذين الحزبين إلى تحالف يعني إغلاق الحقل السياسي، وهي طفرة أكبر من أيّ أخرى سابقة، فقد شكلا قطبية وثنائية كانت تعني ارتكاز الحقل السياسي عليهما في فرز التحالفات، كلّ حسب أفضلياته، أي بناء الاصطفاف السياسي على قاعدة مَن مع "الأصالة والمعاصرة" ومَن مع "العدالة والتنمية"؟ وفي حال نجح التحالف، بالرصيد الانتخابي السابق، أو بما يقاربه، فإن انفتاح الحزبين على بعضهما سينبئ بإغلاق الحقل السياسي في وجه الفاعلين الآخرين، لا سيما منهم القوى التي ظلت تشكّل البنية السياسية الثابتة في البلاد، سواء الأحزاب المنبثقة من الحركة الوطنية المغربية ("الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" و"الاستقلال" و"التقدّم والاشتراكية") أو الأحزاب التي نشَّطت الدولة خلقها وتقويتها كامتداد لها في التفاوض السياسي ومعالجة استعصاءاته.
تبدو هذه الطفرات كما لو أنها تلغي أية فلسفة سياسية وراء التشريعيات القادمة (انظر مقالاً في الموضوع في "العربي الجديد" للكاتب في 21/7/2020)، باعتبار ما تطرحه من تنميط جديد لا مكانه فيه للتباين الفكري، والمشاريع المضادّة، وما يأتي به من تقويض للفرز السوسيو- ثقافي، الذي يعد وحده القادر على بلورة التنافس على قاعدة الاختلاف.
قد لا تكون تحالفات الغريمين السابقين الزاوية الوحيدة لقراءة ما سيستجد في الساحة المغربية بعد الانتخابات، لكنّها التحوّل الأكبر الذي يحصل، والمغرب على مرمى ورقة تصويت.