عندما تربط "نوبل" حرية الصحافة بالسلام

عندما تربط "نوبل" حرية الصحافة بالسلام

18 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

أصابت اللجنة النرويجية المخوّلة باختيار جائزة نوبل للسلام بالتركيز على الصحافة المستقلة، وربط البحث الصحافي الصادق عن الحقيقة بأساسيات العمل الجادّ من أجل السلام. جائزة نوبل للسلام هذا العام تكريم لمهنة البحث عن الحقيقة، في عالمٍ تشيع فيه الأخبار الكاذبة والمضللة والمبالغ فيها. كرّمت اللجنة الصحافيين الفيليبينية ماريا ريسا والروسي دميتري موراتوف، على "كفاحهما الشجاع من أجل حرية التعبير" في بلديهما. قالت رئيسة اللجنة بيريت ريس – أندرسن، في أوسلو، إنهما "يمثلان جميع الصحافيين المدافعين عن هذا المثل الأعلى في عالم تواجه فيه الديمقراطية وحرية الصحافة ظروفاً غير مواتية بشكل متزايد". وقالت ريسا إن جائزة نوبل للسلام للصحافيين أثبتت أن "لا شيء ممكناً من دون الحقائق". وأضافت، في مقابلةٍ أذاعتها على الهواء مباشرة عبر موقعها الإعلامي الاستقصائي، أن "عالماً بلا حقائق يعني عالماً بلا حقيقة وبدون ثقة".
علاقة السلام والإعلام المستقل هي علاقة الحرية بالصدق. وكما يقول المثل "حبل الكذب قصير"، بالمبدأ نفسه، حبل التضليل من خلال الأمن والعسكرة لا بد أن ينتهي، وبعد أن يذوب الثلج يتبين من كان صادقاً ومن كانت أقواله وتقاريره كاذبة. وقد تكون نظرة لجنة نوبل للسلام غير محصورة في غياب الحرب، فهناك الحاجة للسلم الأهلي في المجتمعات المختلفة، كما هناك ضرورات لحرية التعبير الحقيقية في مجتمعات مغلقة، وذلك كله على أساس ضرورات التفرقة بين الإعلام التابع للحكومات (بصور مباشرة أو غير مباشرة) والإعلام التابع للشعوب والقارئ الواعي والمتابع وسائل الإعلام المختلفة.

كرّمت جائزة نوبل للسلام كرّمت إعلاميين يناضلان في بلديهما في ظروف صعبة، ولم يتم تكريم صحافة معارضات يعمل بعضها براحة من فنادق في المهجر

أرسلت لجنة نوبل برقية رقمية سريعة إلى من يحاولون احتكار الإعلام من خلال منصّات رقمية يسيطر عليها عدد محدود من المليارديرات، والذين يقرّرون ما نقرأ من خلال التلاعب بالخوارزميات المرتبطة بأولويات الأخبار والتقارير والفيديوهات حسب رغباتهم، فإضافةً إلى تكريم صحافيين مستقلين ينشرون موادهم عبر مواقع إلكترونية، فقد وجهت اللجنة ضربة موجعة إلى حيتان الإعلام الرقمي، والذين يفضلون أخبار الإثارة والأكاذيب على الأخبار الصادقة بغرض الربح المادي. وكان ملفتاً أن الجائزة كرّمت إعلاميين يناضلان في بلديهما في ظروف صعبة، ولم يتم تكريم صحافة معارضات يعمل بعضها براحة من فنادق في المهجر.
السؤال المهم: كيف يمكن ترجمة مثل هذه الجوائز لبلادنا العربية ومنطقتنا الشرق أوسطية؟ وكيف يمكن أن نقنع القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين أن الإعلام الحر أحد أهم أسس النظام الديمقراطي السليم، والذي يوفر القدرة على التحرّي والمساءلة، ويوفر مرآة حقيقية للرأي العام، عكس المحاولات الفاشلة لتوفير معلومات مضلّلة للقادة أن الشعب يحبّهم، ومستعد للتضحية بحياته من أجل بقائهم في السلطة؟
قد يكون حال العرب كما هو حال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي هنأ الصحافي المستقل المعارض له، منوّهاً بـ "موهبته وشجاعته"، إذ قال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس بوتين للصحافيين "تهنئة. إنه موهوب وشجاع، ومتمسّك بمبادئه". وذلك على الرغم من أن ما ينشره وما يؤمن به مناهض مائة بالمائة لما يؤمن به بوتين، ولكن يبدو أن الوطنية الشوفينية تعلو حتى على المعارضة السياسية.

الأمل في أن نجد في أميركا وإسرائيل صحافيين على مستوى عالٍ من التأثير، لكي يكون للسلطة الرابعة دور في تغيير السياسات الاحتلالية والمنحازة للأقوياء

إحدى أهم مزايا الفوز بجائزة عالمية، مثل "نوبل"، أنها توفر للحاصل عليها قسطاً، ولو صغيراً، من الحماية والحرية في الحركة، لأن تسليط الضوء على صحافي مستقلٍّ وشجاع سيوفر قسطاً من الحرية وإبعاد المخاطر الكبيرة عن ذلك الصحافي أو تلك الإعلامية المستقلة. ولكن على الرغم من أهمية جوائز الصحافة للإعلاميين المستقلين في الدول المختلفة، تبقى أسئلة: كيف يمكن أن تخرج صحف عديدة، وكذلك كتاب مشهورون عديدون وغيرهم من التحيز غير المفهوم للمحتلّ الإسرائيلي والسياسات الأميركية المناهضة للحريات في مناطق عديدة، فهل يمكن أن نقتنع أن الإعلام الأميركي، على الرغم من تحسّن ظهر أخيراً، وخصوصاً بعد أحداث سيف القدس، لا يزال منحازاً، ولم ينشر أي معارضة تُذكر لقرار الكونغرس غير المنطقي بتوفير مليار دولار لإسرائيل بحجة إعادة تسليح القبة الحديدية (التكلفة الحقيقية لذلك عشر المبلغ المرصود)؟ وكيف يمكن أن نفسّر دور الإعلام الإسرائيلي الذي يعتبره القائمون عليه حرّاً، فيما قليلون جداً الكتاب المناصرون لحق الشعب الفلسطيني، فيما السواد الأعظم من الإعلاميين يدعم اليمين والمستوطنين والحكومات المتلاحقة، وجديدها برئاسة من تباهى بأنه قال للرئيس الأميركي لاءات ثلاثاً، للتفاوض مع القيادة الفلسطينية ولحل الدولتين ولوقف الاستيطان؟ هل من الطبيعي أن يكون رئيس حكومة لا يزيد نواب حزبه عن 6% من البرلمان يتباهى بقوله لاءات ثلاثاً للرئيس الأميركي، ولا يحصل انتقاد داخلي أو أي تغيير في السياسة الأميركية تجاه دولته؟
سعدنا، نحن المدافعين عن الحرّيات في العالم الثالث، لتكريم زميلينا الصحافيين، الفليبينية والروسي، ونأمل تسليط الضوء، من خلال تكريمهما، على كل الصحافيين، العرب وغير العرب، ممن يحاولون قول الحق، على الرغم من الصعوبات الجمّة. ولكن يبقى الأمل أن نجد في أميركا وإسرائيل صحافيين بالشجاعة نفسها، وعلى مستوى عالٍ من التأثير، لكي يكون للسلطة الرابعة دور في تغيير السياسات الاحتلالية والمنحازة للأقوياء، ويتم احترام أصحاب الأرض والحق.