صفقة إف - 35 .. السلاح بيد "إسبرطة الصغرى"

13 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

رسميا، أخطرت الإدارة الأميركية الكونغرس بأنها تخطط لبيع 50 طائرة من طائرات الشبح المقاتلة إف - 35، الأكثر تطوراً، إلى دولة الإمارات، لتكون جزءا من صفقة أوسع تزيد قيمتها عن 23 مليار دولار. تشكّل الصفقة، في حال إتمامها، خروجا عن تقليد سياسي أميركي رفض دائما الموافقة على طلباتٍ من دول شرق أوسطية لشراء الطائرة التي يتعارض بيعها مع التزام واشنطن بالتفوق العسكري النوعي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو الالتزام الذي بات قانونا في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن أي صفقة مبيعات عسكرية لجهات أجنبية يتم إخطار الكونغرس بها لا تحوز بالضرورة ضمانات المضي فيها، فإن الصفقة المعلنة يبدو أنها تسير على قدم وساق، لتصبح الإمارات ثاني دولة تحصل على نظام الجيل الخامس بعد إسرائيل (حصلت على طائرة إف - 35 في العام 2016). يعود ذلك إلى جملة من المحفزات لدى مختلف الأطراف، تضافرت لتوفير فرص إتمام الصفقة.

قبل خسارته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، احتاج دونالد ترامب "انتصارات" يقدمها إلى ناخبيه لتعزيز فرص إعادة انتخابه رئيسا، فأعلن عن الصفقة التي أبلغ بها الكونغرس، بشكل غير رسمي، في 29 من الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، أي قبل خمسة أيام من الانتخابات. ولكن التعجيل في الصفقة لا يقف عند حدود تلبية المطالب الانتخابية، وقد وضعت وزارة الخارجية الأميركية الصفقة، لحظة الإخطار الرسمي بها، في سياق مواجهة التهديدات الإيرانية المحتملة، وتعزيز "جهود السلام" في الشرق الأوسط، بعد موافقة دول عربية على تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. ورأى وزير الخارجية، مايك بومبيو، أن الصفقة "تتسق تماما" مع السياسة الأميركية طويلة الأمد في الحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي.

على الرغم من معارضة واشنطن مشاركة الإمارات العسكرية في اليمن، إلا أن المواءمة العامة بين الدولتين بقيت عالية

من ناحية أخرى، تبدو الإمارات مساهماً موثوقاً به في عمليات الولايات المتحدة وحلفائها. أدّت الأدوار الموكلة إليها أميركيا في مناطق مختلفة، خصوصا في ليبيا، حتى وصفها وزير الدفاع الأميركي الأسبق (المستقيل)، جيمس ماتيس، بـ"إسبرطة الصغرى". وعلى الرغم من معارضة واشنطن مشاركة الإمارات العسكرية في اليمن، إلا أن المواءمة العامة بين الدولتين بقيت عالية. وعلى الرغم من اعتراضات المشرّعين الأميركيين، وانتقاداتهم لدور الإمارات في قتل المدنيين هناك، تدخل "فيتو" أصدره الرئيس ترامب، الذي جعل مبيعات الأسلحة الأميركية جزءا أساسيا من برنامجه الاقتصادي، لإفشال إجراءات منع مجلسي النواب والشيوخ مبيعات الأسلحة لأبوظبي. وقد سبق لترامب أن تفاخر، أمام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في البيت الأبيض، بمئات مليارات الدولارات التي حصل عليها من بيع معدّات عسكرية للرياض. ويبدو توقيت الصفقة بالنسبة للإدارة الأميركية منطقيا؛ إذ تحتاج شركات الدفاع إلى تأمين الصفقات، واسترضاء مساهميها، في ظل منافسة روسية صينية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي المرجّح أن يُلحق خسائر كبيرة بالصناعة العسكرية في السنوات الخمس المقبلة، فقد واجهت شركة لوكهيد مارتن، المصنّعة لطائرة إف - 35، صعوبات تجارية، واضطرت إلى إبطاء عمليات التسليم في عام 2020 بعدما عطّل وباء كورونا سلسلة التوريد الخاصة بها. 

تبدو صفقة إف - 35 نصرا ديبلوماسيا إماراتيا أكثر من كونه إنجازا تجاريا عسكريا

بعد أيام من موافقة الإمارات على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في أغسطس/ آب الماضي، بدأت تقارير عن الصفقة بالظهور، رأت أنها كانت جزءا من اتفاقية التطبيع. وبينما حرصت أبوظبي على النفي، كي لا تبدو الصفقة مقايضةً لاتفاق السلام الموقع مع إسرائيل، أبدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي استبعدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من المفاوضات مع أبوظبي، قلقها إزاء مضمون تلك التقارير. حاول نتنياهو، بإخفاء الصفقة، تقديم اتفاقية التطبيع بوصفها "سلاما مقابل سلام" من دون أي تنازلات إسرائيلية. ناور بإعلانه الاعتراض على الصفقة، قبل أن يعلن، الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، موافقته عليها. ويبدو أنه في حال لم تقتصر الصفقة الأميركية الإماراتية على بيع نسخ من طائرة إف - 35 لا تشمل كل التقنيات المتقدمة، فإن "الاتساق التام" مع التفوق العسكري الإسرائيلي النوعي، وفق تعبير بومبيو، سوف يعني الكثير؛ فقد ذكرت صحيفة هآرتس أن الحكومة الإسرائيلية طلبت من المسؤولين الأميركيين بيع طائرات إف - 22 المقاتلة لسلاح الجو الإسرائيلي للحفاظ على تفوقها الجوي. وربما تزوّد واشنطن إسرائيل بطائرات إف - 15 إكس الجديدة، وناقلات التزود بالوقود كي- سي 46؛ يمكن للولايات المتحدة، أيضا، زيادة كمية الذخائر الموجّهة بدقّة في مخزون احتياطي الحرب الذي تحتفظ به الولايات المتحدة داخل إسرائيل، لاستخدامه في حالات الطوارئ. وربما الأهم من ذلك كله، بالنسبة لإسرائيل، أنه مع مزيد من التقدّم في تطبيع العلاقات مع أعداد متزايدة من الدول العربية، قد تجد واشنطن أن الوقت قد حان لتوقيع معاهدة دفاع مشترك رسمية مع دولة الاحتلال. وطبعا، سوف تعزّز الموافقة الإسرائيلية على الصفقة فرص تمريرها في الكونغرس الأميركي الذي يقلق أعضاؤه، الديمقراطيين خصوصا، حيال إخلالها بالتفوق العسكري الإسرائيلي، وإمكانية تسرّب أسرار تلك التقنيات الحديثة للمنافسين الروس والصينيين.

تظهر أحدث مشتريات الأسلحة الإماراتية تغيرا في الاستراتيجية الإماراتية، لتنتقل من التركيز على القوة الجوية إلى تعزيز قدراتها في مجال الأمن البحري والحرب الإلكترونية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، فقد اشترت في العام 2019 قطعتين من الكورفيت الفرنسي جوويند 2500، إلى جانب صواريخ إكزوسيت المضادة للسفن، وأنظمة صواريخ بحر- جو أميركية. ولا تبدو الإمارات في حاجةٍ ملحةٍ لقدرات جوية إضافية، بعدما تحولت إلى أنظمة جديدة منها، نحو الطائرات بدون طيار الصينية الصنع، وتلك البرازيلية المصنّعة محليا، كما قرّرت ترقية أسطولها الحالي من طائرات الجيل الرابع، فأعلنت في فبراير/ شباط من العام الماضي (2019)، عن صفقة تحديث طائراتها المقاتلة من طراز ميراج 2000-9 الفرنسية.

تبدو الإمارات مساهماً موثوقاً به في عمليات الولايات المتحدة وحلفائها. أدّت الأدوار الموكلة إليها في مناطق مختلفة

تبدو صفقة إف - 35 نصرا ديبلوماسيا إماراتيا أكثر من كونه إنجازا تجاريا عسكريا. وتأمل الإمارات أن يوقع الرئيس الأميركي على الصفقة قبيل الثاني من الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، الذي تحتفل فيه الإمارات بيومها الوطني، ما يخدم توظيفها في معرض الفخار القومي الذي يسعى حكام الإمارات في السنوات الأخيرة إلى إيقاظه. 

طائرة إف - 35، بتقنياتها الكبيرة، سلاحا في يد "إسبرطة الصغرى" يفتح أبوابا جديدة للصراع، حين يُخلّ بميزان القوى الإقليمي الحالي، ما يضيف بُعدًا جديدًا للعسكرة إلى منطقة الخليج. ستلبي هذه المقاتلات جموح الإمارات المُعسكَرَة والمُتَعسكِرَة، وطموحاتها المتنامية بعد خروجها من ظل القيادة العسكرية للشريك السعوي في اليمن، وتعزيز موقعها في القرن الأفريقي، وقيادتها التهافت نحو التطبيع عربيا، لكنه سيتعارض مع جهات عديدة فاعلة إقليمية، فإيران ستنظر إلى الطموحات الإماراتية المعزّزة بالتفوق الجوي أنها استفزازية، وستكون أكثر عدوانية، وسيثير التحوّل المفاجئ في موازين القوى حفيظة كل من العربية السعودية، وتركيا التي استبعدت عن برنامج إف - 35 بعد حصولها على منظومات صواريخ روسية. 

التحالفات التي تتشكل سريعا في المنطقة، وإنفاق دول الخليج الضخم على التسلح، ومنافسات بيع الأسلحة بين الأميركيين والصينيين والروس، تعيد تشكيل ديناميات المنطقة بسرعة، محوّلة منطقة الخليج إلى خط المواجهة الجديد، والأول، للتنافس بين القوى العظمى.