زاهر الغافري .. المارّ بلا لافتة ولا صخب

زاهر الغافري .. المارّ بلا لافتة ولا صخب

26 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

رجل يأنس به المكان من دون أن يدري، أو لعلّه يدري ويخبئ ذلك عن نفسه، زيادة في المكر، ومواصلة في قنص اللذائذ. في وجهه يُتمٌ لا تنكره حياته ولا ينكره هو، إلا أنّ الحظ أحياناً يحالف اليتامى في القبول في الأرض، والأرض أعطت زاهر القبول، هو لم يطلبه ولم يسعَ إليه، ولا رفضه، هو لامسه كما تلامس عاشقة طيّات الحرير لدى بائع عاشق فتح دكّان قلبه، قبل أن يفتح الدكّان. والحرير ليّن، والعاشق مهادن في البيع، والعاشقة عارفةٌ بليونة الحرير وسعره في الأسواق، والكحل يستر فيض المودة ولا يفضحها أبداً.

تخرج العاشقة من الدكّان سعيدة، والعاشق لا ينساها، كأن زاهر هو ذلك التاجر الذي يبدّد مكاسبه في الحرير دائماً. زاهر جوّاب يعشق سعادة العالم، ولا يحمل شنطة الأدب أو الشعر على ظهره، كما يفعل بعضهم بامتهان، على الرغم من أنه يعرف عن الكتابة أكثر مما يكتب بكثير، ويعرف عن السينما أكثر مما يحكيه، والعالم معه حليم. هو هكذا يمشي فوق بساط ريحٍ بلا حساب، ولا بوصلة، وبساط الريح يطاوعه ويعطيه، حتى وإن تعذّب، إلا أنّ زاهر لا يعرض عذاباته أو يستعرضها. زاهر فقط يعيش، يعيش بليونة ويسر، وكأن لا هناك عالم ولا يحزنون، ولا يحمل حقيبة عذابه أبداً، ولا حتى حقيبة كتاباته أبداً، ولا يرميها في وجه أحد، لا هذه ولا تلك.

زاهر فقط يتساند إلى المحبّة والمحبّين كأيّ عابر سبيل يعيش متنقلاً من بلد إلى آخر، ولا خانه الحظ، هل هو ابن مصادفاتٍ جميلة. هو لا يحكي، فقط شذرات من هنا وهناك تلخّص رحلته، ودائماً يقلل من شأن العذاب، لعلّ عدم الحكي جعله حرّاً في التنقل، لأنه دائماً وكأنه يعيش هناك، على الرغم من أنه هنا، كي يكون بعيداً عن الأذى إن حدث.

شخصٌ يتجنّب الأذى قدر الإمكان، حتى وكأن الأذى هو الآخر قد بات يتجنّبه أو هكذا أتخيل، أو كما يبدو فيه دائماً مقدّماً ابتسامة لأي ليل.

كان من الممكن ألا يكون شاعراً، كان من الممكن أن يكون جوّاب آفاقٍ لا يفعل أي شيء، إلا المشي بعيداً حتى يستقرّ في غابةٍ لا يعرفها، وكان يمكن جداً أن يكون عاشقاً خاسراً في كل مرة أو مقامراً، إلا أنه فضّل أن يعيش هكذا بلا رايةٍ ولا صخب ولا حقيبة، يكتب ويعيش بوضوح في العلن بلا مواربة ولا تقيّة ولا أي دفاعات، وكل آنٍ يظهر له كتاب، وكأنه كان يكتمه أو يحاول جاهداً كتمانه، أو كأنه يريد أن ينساه، أو حتى يلقي به من نافذة، كي يستمتع ويعود هو إلى الحياة بلا أحمال من الكتب، كي يستمتع في بقية عمره.

زاهر حكاية أكبر بكثير مما أنجزه، وكأنه يكره الإنجاز ويمقته، وكأنه يكره التراكم، ويكره أكوام الكتب أو حتى أكوام المال، أو الأدب، أو السلطة، أو التعلّق بأذيالها، فالطبيعة وهبته سلطته الخاصة، سلطة روحه، وسلطة رحلته، سلطة لا تباع ولا تشترى، وليس فيها أي طمعٍ من جهة.

يعيش زاهر في هامش مريح من دون أن يخاصم أو يتخاصم مع المتن وجنونه أو أذاه، زاهر في حالة تجنّب دائم لأي أذى، هو سعيدٌ في مركبه الصغير من دون أن يفتعل خصومة مع السفن، فهو ابن ريح، ويعرف جيداً غدر السفن وتبدّلات الفصول وأهوالها. ولذا ظل في مأمن من صنع حساسيته وقدرته على النظر إلى هناك، حتى وهو هنا، كي يتجاوز عطب اللحظة ولؤمها.

هل كان القدر معه لطيفاً أكثر مما طلب أو تمنّى؟ والقدر حينما يصطفي أحداً يعطيه حتى هو ليس له أي علاقة بالزهد، وكأنه صوفي، رغم أنه يمشى إلى جهة الدنيا من أوسع بواباتها وبكل خطواته، وكأنه عارف رغم أنه غير متشبث بأي معرفه. حظّه يجري من غير طلب، كأنه حكيم، رغم أنه لا يمسك أي طرف لحكمة، وكأنه زاهد رغم أن قلبه يسبقه.

حظه يأتيه من البلدان التي تقسو عليه من دون أن تقصده، فكيف تفلّت زاهر من الحكمة والزهد، رغم أنه يحمل في ثنايا وجهه كل تلك المؤشرات، وجه زاهر يخاتل، يخاتله هو أيضاً.

زاهر يشبه الليل، ولا يشبه عُمان، ولا يشبه العراق، ولا يشبه زنجبار، ولا يشبه نكد الشعراء أبداً. زاهر حالة خاصة ومزاج خاص، وقد نال قسطاً وافراً من بركة القبول في العالم، وهذا لا دخل لنا فيه، ولا حتى معرفة، مهما حاولنا.