روسيا والطريق الوعر إلى الديمقراطية

روسيا والطريق الوعر إلى الديمقراطية

09 فبراير 2021
+ الخط -

يبدو أنَّ الطريق إلى الديمقراطية الذي قرّرت روسيا أن تسلكه، منذ ثلاثة عقود ونصف العقد، على يد ميخائيل غورباتشوف، غدا اليوم مع صرخات المعارض أليكسي نافالني أكثر طولاً وأشدَّ تعقيداً مما خطر ببال صاحب فكرتيْ البيروسترويكا والغلاسنوست، (إعادة البناء والعلنية)، فالاتحاد السوفييتي "العظيم" قد غُيِّب عن الوجود خلال سنوات خمس، كاشفاً عن حقائق لها تأثير بالغ في مسيرة روسيا، منذ ثورة أكتوبر عام 1917! وتعود تعرُّجات طريق الديمقراطية وعثراته إلى بقايا النظام الإقطاعي الممتزج بالعبودية (انتهى نظام القنانة في روسيا بقرار أصدره الإسكندر الثاني عام 1861)، لكن الفلاحين أُجبروا في عهد ستالين على العمل الزراعي التعاوني، الأمر الذي استنبت بذور البيروقراطية السوفييتية، وجعلها تتوالد وتنمو، ثم تترسّخ مع إقرار نظام الحزب الواحد الذي جاء محتواه مناقضاً للديمقراطية الغربية، ذات الأفق الأوسع مما جاء به لينين في ما يسمى "الديمقراطية الشعبية" التي تجلت بسلطة الفرد الواحد، بدءاً من أمين الخلية الحزبية الأصغر إلى الأمين العام للحزب، كما طبقت على عموم الهيئات الإدارية في الدولة والمجتمع .. فلكل هيئة عمالية أو نقابية رأس يدبر أموره ويوجهه.. حتى وإن كان كياناً تشريعياً أو تنفيذياً.. إنتاجياً أو خدمياً ما يبين عمق تلك البيروقراطية لدى مجيء غورباتشوف ومحاولته هدمها، إذ استطاعت أن تحطِّم أحلامه، وإن بدت تلك الأحلام صادقةً في رؤيتها، ومقولاتها، إذ قادت ثورة مضادّة، قافزة فوق تلك الأفكار، لتتجاوز حتى عتاتها "الضباط الأربعة" الذين كانوا يرون أنَّ مؤامرة أميركية تحاك ضدّ وطنهم، إذ الأمور على أحسن ما يرام، فقاموا بانقلابٍ فاشل، تصدّى له الأمين الأول للجنة المنطقية لمنظمة موسكو، بوريس يلتسين، الذي أتى به غورباتشوف ذاته، فقاد تلك البيروقراطية، لا إلى إسقاط الاتحاد السوفييتي وتفكيكه فحسب، بل إلى بيع ثرواته، ونقل معادلها المالي إلى أميركا وأوروبا حيث الأمن متوفر لها!

أدرك غورباتشوف أن السبب الرئيس في تخلف الاتحاد السوفييتي يعود إلى القبضة الفولاذية للبيروقراطية التي تحكم البلاد، وتتحكم بمفاصلها كافة

كان غورباتشوف قد وصل إلى المكتب السياسي عام 1979، وهو في عمر لا يزيد عن 48 سنة، ما يعني عز الشباب إذا ما قيس بأعمار قيادات الحزب الشيوعي والدولة السوفييتية التقليدية التي كانت تراوح بين السبعينيات والثمانينيات. وترأس غورباتشوف مجلس السوفييت الأعلى عام 1985 وهو في الرابعة والخمسين، أي عمر الأحلام الواقعية الزاهية المرتبطة بالقدرة على الفعل، وبخاصة إذا كانت الأداة جاهزة، والهمة عالية، وهو الذي تطلع إلى إعادة البناء لتكون الدولة على قدر المنافسة الشاملة في الحرب الباردة، وكان قد تأثر في الحياة الغربية لدى زياراته المتكررة، عندما كان رئيساً للشبيبة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، فقد أدرك أن السبب الرئيس في تخلف الاتحاد السوفييتي يعود إلى القبضة الفولاذية للبيروقراطية التي تحكم البلاد، وتتحكم بمفاصلها كافة! وأن الحال إذا ما استمر، فسوف يخسر الاتحاد السوفييتي مباراته، وكانت هذه الحقيقة ماثلةً أمام غورباتشوف، ويدركها من يعرف حقيقة الاتحاد السوفييتي من الداخل، وبخاصة بنيته الاقتصادية التي تغطي عجزها مبيعات النفط والغاز، ما يعني أن بنية دعامة الاقتصاد الرئيسة هي أقرب إلى الاقتصاد الريعي، بينما يفترض في الاقتصاد الاشتراكي أن يقوم على وفرة الإنتاج، وجودته، ونموِّه المستمر، فهو وحده ما يؤسس لبنىً ديمقراطية فعلية.. فالديمقراطية لا تتجسد بصندوق الانتخاب ونزاهة القائمين عليه فحسب، بل هي بناء مؤسساتي يفرضه أسلوب الإنتاج نفسه وينعكس، على نحو أو آخر، في الذهنية العامة للمجتمع، وهي التي، من جهة أخرى، تراعي حقوق الفرد، وحقوق الإنسان العامة، وجماعات الأقلية بالقوانين التي تنظم سير مؤسساتها المجتمعية المختلفة. وقد رأى العالم، في الأمس القريب، انتصار مُثِلِ الديمقراطية، ومنظومات قيمها في الولايات المتحدة، على الرغم من كل المحاولات التي قام بها الرئيس السابق، دونالد ترامب، لقلب موازينها، لكنها بقيت على رسوخها، بل الذي اهتز هو ترامب ذاته وحزبه الجمهوري..

طمح الروس إلى الديمقراطية قبل ثورة أكتوبر .. وتجلى ذلك الطموح في ما كان يورده الأدباء الروس من مفردات فرنسية في أدبهم الواقعي، قبل الثورة

اليوم ومن خلال عشرات ألوف الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع، واعتقل منهم أكثر من 3500 شاب، وكلهم نشأوا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ومن المفترض أنهم ترعرعوا في ظلال الديمقراطية البوتينية..! فهل تراه أليكسي نافالني ينجح في قيادة ثورة هؤلاء الشباب ضد بيروقراطيةٍ مترسّخة تحولت إلى نوع من البيروقراطية النهَّابة (معظم الذين استلموا مراكز قيادية مهمة في روسيا أو في الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي كانوا من الشيوعيين السابقين)، وهل يستطيع فعلاً مع هذا الجيل الجديد الانقلاب على بوتين الذي أتقن فن التلاعب بمحتوى الديمقراطية، والوصول إلى ديمقراطية فعلية، لطالما طمح الروس إليها قبل ثورة أكتوبر.. وتجلى ذلك الطموح في ما كان يورده الأدباء الروس من مفردات فرنسية في أدبهم الواقعي، قبل الثورة، تؤكّد تطلع المجتمع الروسي إلى حريات المجتمعات الغربية ورقيها؟! لكنَّ ظروف الحرب العالمية الأولى وخسارة روسيا، ثم انسحابها من تلك الحرب، إضافة إلى حالة النزوع الشعبي في أوروبا كلها نحو الاشتراكية أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين الذي تجلّى لا في السياسة فحسب، بل في الآداب والفنون وعموم ألوان الثقافة.. ساهم ذلك كله في إنجاح ثورة أكتوبر التي قيل إنها ولدت قبل أوانها، إذ ما كان ماركس ليتوقع أن تقوم ثورة اشتراكية في روسيا المتخلفة صناعياً .. وكان أمله معقوداً على بعض الدول الأوروبية، وربما من هذه الزاوية تمكّنت البيروقراطية التي بدأها ستالين، واستمرت حتى بعد وفاته، ولم ينجح خروتشوف في التخلص منها، إذ عزله المكتب السياسي للحزب بتهمة رئيسة هي تفرّده بالسلطة، وجيء بليونيد بريجنيف عام 1964 بعد الانقلاب على خروتشوف، أملاً في أن يسلمهم السلطة! لكنه أبعدهم واحداً بعد الآخر، وبقي على رأس السلطة حتى وفاته عام 1982.
أعود إلى السؤال الذي ربما يدور في أذهان المهتمين بالشأن الروسي اليوم: هل يستطيع أليكسي نافالني إسقاط هذا الركام من نفايات البيروقراطية الروسية المتأصلة؟ فإذا كانت الأولى تكونت بفعل الديمقراطية الشعبية، وبوهم الحرص على الدولة السوفييتية، فإن هذه التي يرأسها بوتين اليوم هي طغمة لصوصية استغلت سقوط الاتحاد السوفييتي، لتنهب ثروات شعبه، وتبيعها بأثمانٍ بخسة، وليثرى أقطابها، في وقت قصير نسبياً، ولم يكن ثراؤها بفعل الإنتاج، بل بفعل الفساد الذي يتلخص بالرشاوى والعمولات المختلفة.. فلا يمكن لها أن تسلم هكذا ببساطة، وخصوصاً أن بوتين الذي كان ضابط أمن صغيرا ينظر إلى نفسه اليوم على أنه قيصر، خصوصا أنه قد بنى مجداً من خلال معارك ربحها في أوكرانيا وعلى حساب دماء السوريين، ولاعتقاده بأنه أعاد لروسيا شيئاً من هيبتها، فلا يستبعد أن يُغرق هذا القيصر روسيا بالدم، وخصوصاً أن نافالني قد فضحه في عديد من قصصه المخزية.