رؤية كالعماء

07 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

"إدارة بايدن ترى أن حل النزاع العربي الإسرائيلي يتمثل بالدولتين"، وهذا من حسن حظّ العرب، أقلّه لأنهم يضمنون أن الإدارة الجديدة ليست "ضريرة"، على عكس نظيرتها السالفة التي لم تكن "ترى"، ما يعني أن "الرؤية" قد ثبتت أخيراً، ولم يعد يفصلنا عن حلّ الدولتين سوى اجتماع أو اجتماعين لإعداد ترتيبات شحن الأمتعة والأثاث، بعد إجراءات الكنس و"الشطف" وإعادة تعبيد الشوارع ودهن الأرصفة.

هي محض ترتيباتٍ لا أزيد، لأن الأهمّ قد تحقق، وما علينا إلا أن نسارع إلى القبض على هذه "الرؤية" قبل انقشاعها، وتأويلها بما يلائم الخراف، على عكس رؤية ترامب التي كانت تنحاز إلى الذئب.

والحال أنه لا يسعنا، بعد بذل آيات الشكر والامتنان للإدارة الأميركية الجديدة لقاء رؤيتها "اليماميّة"، إلا أن نعضّ على رؤياها بطقم أسناننا المتهالك، فقد أنصفتنا، وأنصفت "كبيرنا" محمود عباس، الذي وضعته الإدارة السابقة على الرفّ، وحطّت من شأنه، ولم تكن "تراه"، لا عيانيّاً ولا بالمجاهر الإلكترونية؛ بدليل أنها لم تأخذ سائر تهديداته على محمل الجدّ، بشأن وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل في حال إقرار "صفقة القرن"، كما لم تُعر اهتماماً لآهاته وأنّاته إبّان اندلاق موجة التطبيع العاتية بين دول عربية وإسرائيل، ولا حتّى عندما استبدل الآهات بالابتسامات، والامتعاض بالترحيب، فبارك التطبيع، وأعاد سفيريه إلى أبوظبي والمنامة، واستأنف التنسيق الأمني مع إسرائيل الذي لم ينقطع أساساً. ذلك كله لم يشفع له بمغادرة الرفّ، حتّى أتى أخيراً من ينصفه، ويعيد الاعتبار إلى "حلّ الدولتين"، بفضل "الرؤية" الأميركية الجديدة، كما أسلفنا.

إذاً، لعبّاس، وسواه من عرب "الرّفوف"، أن ينفضوا غبار المخازن عن جلودهم، لا بفضل "الرؤية" الأميركية، بل بفضل جهلهم بمرامي اللغة الدبلوماسية، وعجزهم عن الترجمة الصائبة لهذه اللغة الغازيّة. فدبلوماسياً، أن "ترى" لا يعني ثبوتاً ولا وجوباً ولا تأكيداً، ولا تحركاً فعليّاً لتحقيق "الرؤية"، ولا حتى موقفاً راسخاً، بل هو أشبه بعبارة عابرة يلفظها شخص مغرقٌ في الانهماك، للتخلّص من أيّ سؤالٍ يمكن أن يفسد عليه انهماكه.

ولا حاجة للتذكير بأن مثل هذه "الرؤية" ليست جديدة على الفلسطينيين والعرب، فقد رآها زعماء أميركيون كثرٌ قبل بايدن، ديمقراطيون وجمهوريون، رآها نيكسون وريغان وجورج بوش الأب وكلينتون وأوباما، لكنهم جميعاً لم يجاوزوا حدود رؤية كالعماء. لم يترجم أحدٌ منهم رؤيته، ولم ينقلها من حدود العين إلى حدود الأرض. أما نحن، فكنا نعوم على شبر تلك "الرؤية" كلما تلفّظ بها أحدهم، وتصبح قشّة نجاتنا الجديدة أربعة أعوام، بعد أن يتعمّدوا إلهاءنا بها بوصفها "رضّاعة" وهميّة لفطمِنا عن فلسطين كاملة.

لا فرق بين رؤيتين في ما يتعلّق بالإدارات الأميركية، إلا كالفرق بين النصل والحدّ، فالجمهوريون يشجّعون إسرائيل على عمليات القضم والضمّ، والديمقراطيون يغضّون الطرف عنها، ويمنحوننا في المقابل تلك "الرؤية" المغلفة بإطار مطاطي، يكفي لتسوير الكرة الأرضية مئات المرات، فلإسرائيل منهم وعد بلفور وترامب، ولنا منهم وعد عرقوب وبايدن، وشتّان بين وعدين ورؤيتين.

لا لوم إن رأت أميركا أو ذهب بصرها، بل اللوم على عربٍ محكومين بـ"طول الأمل"، يتقافزون كالبهاليل كلما تغيرت إدارة أميركية، لعل عينَي الرئيس الجديد تلتقط صورهم خارج العنابر والرفوف. ذلك خيارهم الوحيد كما يبدو، بعد أن أضرموا النار في كل خياراتهم الأخرى، ولم يعد أمامهم غير المراوحة بين "طرفة عين أميركا وانتباهتها"، وانتظار حلّ أميركي لن يشطر فلسطين من أجلهم، بل ستعطى من النهر إلى البحر لعيون الصهاينة، فيبصم على ذلك المطبّعون، وعندها ستثبت "الرؤية" الأميركية الحقيقية التي لن يراها عميان العرب.