خواطر في ذكرى ثورة 23 يوليو

خواطر في ذكرى ثورة 23 يوليو

24 يوليو 2021
الصورة

حشود تحيط بسيارة عبد الناصر وشكري القوتلي قبيل الوحدة المصرية السورية (1/2/1958/Getty)

+ الخط -

تطل علينا هذه الأيام الذكرى التاسعة والستون لثورة 23 يوليو 1952. وعلى الرغم من مرور ما يقرب من سبعة عقود على هذا الحدث الذي ترك بصمته على تاريخ مصر والمنطقة والعالم، إلا أنه لم يحظ بما يستحقه من تقييم موضوعي متجرّد. ولأن السياسات التي انتهجتها ثورة يوليو، على الصعيدين الخارجي والداخلي، أوجدت لها أعداء كثيرين في الداخل والخارج، فقد كان من الطبيعي أن ينتهز هؤلاء كل فرصة متاحة للانقضاض على منجزاتها وتشويهها. على الصعيد الخارجي، تصادمت الثورة مع إسرائيل، ودخلت معها في عدة حروب ومواجهات مسلحة، وتصادمت مع الولايات المتحدة إلى حد القطيعة الدبلوماسية في بعض المراحل، بل وتصادمت أحيانا مع الاتحاد السوفييتي الذي لم تكن العلاقة معه سلسة دائما أو تعاونية على طول الخط. ناهيك عن صداماتها المتكرّرة مع أنظمة عربية وصفت بالرجعية والتحالف مع القوى المناوئة للحركة القومية العربية. وعلى الصعيد الداخلي، تصادمت الثورة مع كبار الملاك الذين تضرّروا من سياسة الإصلاح الزراعي، ومع كبار الرأسماليين الذين تضرّورا من التوجه الاشتراكي الذي جسّدته سياسات التأميم والمصادرة، ومع شرائح عديدة من النخب السياسية والفكرية الحاكمة أو المستفيدة من النظام القديم. لذا لم يكن غريبا أن تدخل الثورة، وبمجرد رحيل زعيمها وقائد مسيرتها جمال عبد الناصر، عملية ممتدة لتصفية حسابات يبدو أنها ما زالت مستمرّة.

نظام ما قبل الثورة كان قد وصل إلى حالة من التفسّخ جعلته يبدو غير قابل للاستمرار، على الرغم من كل ما تمتع به من ميزات نسبية في مرحلة سابقة

يلفت النظر هنا أن بريق ثورة يوليو لم ينطفئ قط، بل وظل يومض بين الحين والآخر، حتى بعد اندلاع ثورة يناير التي تصوّر بعضهم أنها كانت ثورة على ثورة يوليو، أو على ما تبقى منها على الأقل. فوجئ كثيرون، وربما صدموا أيضا، وهم يرون صور جمال عبد الناصر ترفع في ميدان التحرير على أكتاف شبابٍ يطالب بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية! كما يلفت النظر أيضا أن معظم الكتابات التي تتناول ثورة يوليو بالتعليق والتحليل ما زالت عاجزة عن التحرّر من سطوة تأثيرها على العقول والقلوب، سلبا أو إيجابا. ومن ثم تطغى عليها نغمة إما معادية بالمطلق، تصوّرها مسؤولا وحيدا عن كل ما أصاب مصر والعالم العربي من خراب، أو موالية بالمطلق، تصورها كترياق ما زال صالحا للخلاص من كل ما ألمّ بالعالم العربي من أمراض وعلل. .. في سياق كهذا، أظن أن ثورة يوليو ما زالت بحاجة ماسّة إلى نظرةٍ محايدةٍ تعيد تقييم تجربتها التاريخية بإنصاف وتجرّد، في ضوء جملة من الحقائق والمعطيات، نعرضها على النحو التالي:

الحقيقة الأولى: تتعلق بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي ساد في مصر في مرحلة ما قبل الثورة، فمن المعروف أن نظام ما قبل الثورة كان قد وصل إلى حالة من التفسّخ جعلته يبدو غير قابل للاستمرار، على الرغم من كل ما تمتع به من ميزات نسبية في مرحلة سابقة، فعلى الصعيد الخارجي، كان هذا النظام قد فشل، ليس فقط في تحرير مصر من الاستعمار البريطاني، ولكنه مني أيضا بهزيمة قاسية في حرب 1948. ومن ثم ساهم بعجزه في ترسيخ وازدهار دولة إسرائيل التي أصبحت تشكل أهم مصادر تهديد أمن مصر الوطني. وعلى الصعيد الداخلي، كانت قاعدته الشعبية الرئيسية، ممثلة في حزب الوفد، قد بدأت تضعف وتتآكل نتيجة صراعات داخلية عديدة، أمسكت بخناق قيادات غير مدركة طبيعة السياسات الاجتماعية والاقتصادية الإصلاحية المطلوبة لوضع المجتمع المصري على طريق التقدّم والازدهار، ما مهّد لظهور أحزاب وقوى سياسية جديدة بدت أكثر حيوية وشبابا، ربما كان أهمها حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين. وأظن أن اندلاع حريق القاهرة الكبرى في 26 يناير/ كانون الثاني 1952، أي قبل أقل من ستة أشهر على تحرّك الجيش للاستيلاء على السلطة، كان علامة لا تخطئها العين، تشير إلى أن النظام القديم بدأ ينهار تحت وطأة تناقضاته الداخلية، ودخل بالفعل مرحلة احتضار أو موت سريري!

الحقيقة الثانية: تتعلق بطبيعة التنظيم الذي كان يعد العدة من داخل الجيش للاستيلاء على السلطة، وهو "تنظيم الضباط الأحرار"، فقد ضم هذا "التنظيم" عناصر أغلبها مستقلٌّ عن الأحزاب والقوى السياسية القائمة، لكن بعضها كان منخرطا تنظيميا أو منتميا فكريا لأهم الحركات والتيارات الفكرية الموجودة على الساحة المصرية في ذلك الوقت، خصوصا أحزاب الوفد ومصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين وبعض التنظيمات اليسارية .. إلخ. ما جعله يبدو أقرب ما يكون إلى "جبهة وطنية" تؤمن بأن الجيش بات الوسيلة المتاحة لإحداث تغيير سياسي طال انتظاره. بل يمكن القول، من دون تجاوز، إن الأهداف الستة التي تم الإعلان عنها، عقب نجاح التنظيم في الاستيلاء على السلطة، كانت تعكس، بشكل واضح، مجمل مطالب الحركة الوطنية في ذلك الوقت، وهو ما يفسّر التفاف الشعب المصري، بما في ذلك معظم الأحزاب والقوى السياسية القائمة، حول الحركة التي انطلقت من الجيش، ما ساعد على تحوّلها من انقلاب عسكري إلى ثورة سياسية واجتماعية كبرى، قادرة على إحداث تغييرات عميقة في بنية الدولة والمجتمع والمنطقة أيضا.

معظم الكتابات التي تتناول ثورة يوليو بالتعليق والتحليل ما زالت عاجزة عن التحرّر من سطوة تأثيرها على العقول والقلوب، سلباً أو إيجاباً

الحقيقة الثالثة: تتعلق بالقيادة السياسية والفكرية لثورة يوليو. من الثابت تاريخيا أن جمال عبد الناصر، على الصعيد العام، لم يكن مجرد رئيس لتنظيم سرّي نجح في الاستيلاء على السلطة، ولكنه كان الزعيم غير المنازع للحركة التي صنعت التغيير في مصر والعالم العربي، وصانع القرار الحقيقي الذي لم ينافسه أو يشكّك في مكانته أحد طوال مسيرته، وظل كذلك حتى رحيله المفاجئ في سبتمبر/ أيلول عام 1970. وعلى المستوى الشخصي، لم يكن عبد الناصر مجرّد ضابط طموح يصبو نحو السلطة، كان شخصية تمتلك كل المقومات التي تؤهلها للزعامة، فقد شارك بنفسه، وهو طالب في المرحلة الثانوية، في المظاهرات السياسية التي اندلعت قبل الثورة للمطالبة بالاستقلال، وجرح في إحداها، ووقع اختياره على كلية الحقوق، قبل أن يلتحق لاحقا بالكلية الحربية، ومارس نشاطا حزبيا لفترات قصيرة، عضوا في جماعة الإخوان المسلمين أو في حزب مصر الفتاة أو في غيره من الأحزاب. وسعى، بعد تخرجه من الكلية الحربية، إلى التطوع للقتال في فلسطين حتى من قبل أن تشارك مصر رسميا في حرب 1948، ما يعني أنه تكوّن سياسيا وفكريا قبل ان ينخرط في السلك العسكري. وعرف عنه اهتمامه الكبير بالعلم والرغبة في المعرفة والتحصيل، خصوصا في كل ما يتصل بالقضايا ذات الطابع الجيوسياسي. لذا، يمكن القول إن جمال عبد الناصر امتلك من الصفات ما جعله مختلفا كل الاختلاف عن جميع القيادات العسكرية التي تعاقبت على حكم مصر من بعده، بدءا بأنور السادات، مرورا بحسني مبارك، وانتهاء بعبد الفتاح السيسي. ولأن هذا الاختلاف لم يكن قاصرا على الخصائص والسمات الشخصية والمزاجية والنفسية، وإنما تعلق، أولا وقبل كل شيء، بالتكوين السياسي والفكري، فسوف يكون من الخطأ البالغ تقييم الحقبة "الناصرية" باعتبارها مجرّد حلقة في سلسلة "حكم العسكر"! فالواقع أن عبد الناصر تمتع بكاريزما هائلة، جعلت من الارتباط الجماهيري به أمرا يقع خارج نطاق المألوف، ففي دمشق، اندفعت جماهير الشعب السوري لحمل سيارته على الأعناق في أثناء زيارته الأولى لها عقب إعلان الوحدة بين مصر وسورية عام 1958. وعقب هزيمة 1967، وعلى الرغم منها، نزل ملايين المصريين إلى الشوارع لمطالبته بالعدول عن قرار التنحّي. وحين توجّه إلى الخرطوم لحضور مؤتمر القمة العربي عام 1967، اصطف الملايين على جوانب الشوارع لاستقبال وتحية "البطل المهزوم". وفور الإعلان عن وفاته المفاجئة عام 1970، خرجت الجماهير إلى الشوارع في كل العواصم العربية تذرف الدموع وتلطم الخدود. ليس معنى ذلك أن عبد الناصر كان بلا أخطاء، فالواقع أن أخطاءه كانت في مستوى عظمة إنجازاته، لكنها كانت كلها أخطاء في الحسابات، وليست أخطاء مطامع أو شهوات.

النظام السياسي لثورة يوليو هو الذي اغتال مشروعها الوطني والقومي، وتلك إحدى المفارقات

الحقيقة الرابعة: تتعلق بطبيعة العلاقة التي جمعت بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، فقد كان الأخير، والذي ربطته بعبد الناصر علاقة صداقة عميقة، بدأت عقب التحاقهما معا بالكلية الحربية، هو نقطة الضعف الأساسية في حياة عبد الناصر، وتسببت في ارتكاب الأخير سلسلة أخطاء سياسية واستراتيجية تسببت في كوارث وطنية وقومية فادحة، فافتقاد عبد الحكيم عامر إلى معايير الكفاءة المهنية التي تؤهله لقيادة الجيش، وأيضا إلى المهارات التي تؤهله للقيام بأدوار سياسة هامة، تجلى بوضوح إبّان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ومع ذلك، أدّى حرص عبد الناصر على الإبقاء على عامر إلى جانبه في أعلى المناصب القيادية والمهام الحساسة، ربما لدوافع أمنية أونفسية، إلى تكرار الأخطاء نفسها التي تسببت في أفدح الأضرار، فهذه العلاقة غير الصحية وغير المفهومة تعد مسؤولة، إلى حد كبير، ليس فقط عن انفصام عرى الوحدة المصرية السورية عام 1961، وإنما أيضا عن الهزيمة الكبرى التي لحقت بالجيش المصري عام 1967، وهي العلاقة التي لم تنفصم وتنقطع إلا حين انتهت بمأساة جسّدتها عملية انتحار (أو اغتيال؟) عبد الحكيم عامر عام 1968.

الحقيقة الخامسة: تتعلق بضرورة التمييز بين مشروع ثورة يوليو ونظامها السياسي، فالمشروع الوطني والقومي لثورة يوليو جسدته معارك عديدة خاضها عبد الناصر من أجل تحقيق الاستقلال الوطني، والتطلع نحو الوحدة العربية، وتبنّي سياسة عدم الانحياز، والوقوف في وجه الأحلاف الأجنبية والتصدّي للأطماع الاستعمارية والصهيونية .. إلخ. وحظي بتأييد واسع النطاق من مختلف روافد الحركتين، الوطنية المصرية والقومية العربية. أما النظام السياسي لثورة يوليو فجسّده حكم الرجل الواحد، والحزب الواحد، وسطوة الأجهزة الأمنية، وغياب دولة القانون. وربما كان في مقدور نظام ثورة يوليو أن يتعايش مع مشروعها الوطني والقومي تحت قيادة عبد الناصر، مهندس الثورة وزعيمها. ولكن ما أن رحل القائد، حتى تبين أن النظام أصبح عبئا على المشروع، فما أن تمكّن السادات، عضو مجلس قيادة الثورة وخليفة عبد الناصر، من قطف ثمار الإنجاز العسكري الذي حققه الجيش في حرب 73، حتى شرع في تبنّي سياساتٍ سرعان ما تبيّن أنها ترسي دعائم لمشروع سياسي وفكري، يكاد يكون نقيضا لمشروع ثورة يوليو على المستويين الوطني والقومي. وإذا كان مشروع يوليو قد انتهى برحيل عبد الناصر، فإن نظامها السياسي ظل في جوهره قائما. ولا أظن أنني أتجاوز الحقيقة حين أقول إن النظام السياسي لثورة يوليو هو الذي اغتال مشروعها الوطني والقومي، وتلك إحدى المفارقات التي ينبغي التوقف عندها بالتحليل والتفسير! فمتى يصبح لدى كل شعب عربي مشروعه الوطني والقومي المحمي ذاتيا بآليات ديمقراطية؟. .. تلك هي المسألة.