خطاب سياسي في فرنسا عن تحالف يساري إسلامي

22 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

لم تكتف السّاحة السّياسية الفرنسية بإقرار قانون الأمن الشامل، قبل أيام، بل سعت إلى إطلاق تصريحاتٍ تقصد من ورائها توجيه العقل السياسي والاجتماعي الفرنسيين إلى جدليةٍ جديدةٍ بين الجماعات الاجتماعية في فرنسا وعدم المساواة، ولكن في ثوب أيديولوجي، تتقابل فيه الأفكار غير السوية، وتُوجّه الانتقادات إلى تياراتٍ بعينها، لأنّها التي تقوم على إثارة الإشكالات الحقيقية في فرنسا، على غرار الجرائم ضد الإنسانية، الاستعمار والماضي المقيتين للكولونيالية، وهو ما تريد القيادات السياسية الفرنسية، الماكرونية واليمين المتطرّف، إلى جانب تيارات من اليسار الاشتراكي، بصفة خاصّة، تركيز الحديث عليه، من الآن إلى انتخابات 2022 الرئاسية، من ناحية. ومنعا، حتى بالوسائل القانونية والحرمان من التمويل، من ارتفاع صوت تّيارات فكرية حقيقية لانتقاد الحالة الاقتصادية/ الاجتماعية، وازدياد وتيرة تعمّق الهوّة بين الأقلية الاقتصادية - الماليـة وبقيّة المجتمع في فرنسا، من حيث مؤشّر الدّخل المالي، ونوعيّة الحياة المتأتّية من وراء ذلك، من ناحية أخرى.

بداية، يأتي الاهتمام بهذه الإشكالات السياسية الفرنسية، في أكثر من مقالة نشرها الكاتب في "العربي الجديد"، لأنّها تمسّ، بصفة خاصّة، المغتربين من أصول مغاربية وأفارقة، إضافة إلى أنّها تقوم بإحداث قطيعة مع جانب من الهوية الفرنسية التي كانت، إلى عقود سابقة، قريبة منا، بفضل الفن، الثّقافة والرياضة، متعدّدة الأعراق والأصول الثّقافية، لتصبح، على وقع الأزمة الاقتصادية وتحالف المال مع السّياسة، ذات الصّلة بالتّيارات اليمينية، الوسط واليسار الاشتراكي، في إطار تفكير ولغة يعمل هؤلاء على نشرها على وسائل الإعلام، وتعويد الفرنسيين على التّعامل بها عوض رفع الصّوت باللامساوة والهوّة الكبيرة التي تزداد عمقا، من حيث نوعية الحياة، المداخيل المالية والوُلوُج إلى دائرة دورنة/ تجديد النّخب في فرنسا، وفق معطيات اللّون، الأصـــل و الثقافة/ الدّين، محدّدة المعالم، بيضاء اللّون، فرنسية أصيلة، كاثوليكية/ يهودية الدّيــــن وغربية الثّقافة/ القيم تشكّل ما بات يُعرف، الآن، بالهوية الفرنسية النقية، وفق تعبيرهم الإعلامي والثّقافي.

بالنظر إلى عمل علمي تقوم به الجامعات للكشف عن حقائق التّاريخ، فإن الباحثين فيها وُصموا بالانتماء للتحالف الأيديولوجي اليساري - الإسلامي

استغلّت تلك الدّوائر أسوأ الاستغلال مقتل المدرس صموئيل باتي على يدي إرهابي من القوقاز، لتوسع رقعة ذلك الفكر الجديد الذي لم يولد من فراغ، بل كان نتيجة تحويل بوصلة الأيديولوجيات التي على العقل الفرنسي أن يُعبّأ بها في إطار التغطية على الحقيقة الاقتصادية الرّأسمالية التي تزداد بها الهوة بين الطّبقات الاجتماعية في فرنسا، مولّدة الحاجة لعقول جديدة، وصراعات من طبيعة تلامس حقائق خاطئة لكنّها، بقيادة تلك الدّوائر لها، وبالنظر إلى حجم التأثير الذي تمكّن الشّاشات ووسائل التّواصل الاجتماعي، فإنّها تصل إلى الآذان، وتصمّها على سماع فكر آخر مضاد لها أو مقابل لما تطرحه.

بدأ هذا الاستغلال الإعلامي من وزير التربية، ثمّ تبعته وزيرة التّعليم العالي، متحدّثين عن تداعيات انتشار الأيديولوجية اليسارية – الإسلامية، وانغماسها في نشر أفكارها بين التّلاميذ (في المدارس) والطّلبة (الجامعات)، في إشارة إلى فكر يساري يوجّه اهتمامه إلى الرّأسمالية، ومقاربتها في كسر البناء الاجتماعي الفرنسي بخنق الطّبقة الوسطى وبتعطيل المصعد الاجتماعي أي إمكانية للانتقال بين الطّبقات، لإحداث عملية تجديد النخب، بتكافؤ الفرص، ومن خلال التّعليم أو العمل، وهي حقائق لا يريد عالم المال وحليفه في الحكم، النّخب الفرنسية السياسية، أن تبقى قائمة، وتشكّل قاعدة للاحتجاجات ومداخل للتّغيير السياسي من خلال تزكية برامج انتخابية توقف تلك الممارسات.

طاولت الهجمة الكبيرة الجمعيات والمساجد، بغرض بناء صورة نمطية تربط بين التراجع الفرنسي وعدم الاستقرار 

كما وُجّهت الانتقادات إلى الطّرف الثاني في المعادلة أي التيار(أو الوجود) الإسلامي في فرنسا، باعتبار أنّ هذا الطّيف يحمل قيما معادية لقيم اللائكية والجمهورية، إضافة إلى أنّه تيار يؤثّر، اجتماعيا وسكانيا، على البناء والانسجام السكانيين في فرنسا بالمعطيات التي أتينا على ذكرها ثقافياً/ دينياً، اجتماعياً ومظاهر خارجية (اللون) بل، أبعد من هذا وذاك، فهو تيار يذكّر فرنسا بماضيها الاستعماري بمطالباته المتكرّرة، اعتماداً خاصة على التعليم والجامعات من خلال التّاريـــخ والدّراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، لفرنسا بالاعتراف، الاعتذار ثم التعويض على الجرائم الاستعمارية/ الاستيطانية، خصوصا في شمال أفريقيا والقارّة الإفريقية، عموما.

بالنظر إلى العمل العلمي الذي تقوم به الجامعات للكشف عن حقائق التّاريخ، فإن الباحثين فيها وُصموا بتلك التسمية، الانتماء للتحالف الأيديولوجي اليساري - الإسلامي، بقصد تحميلهم كل ما يحصل في فرنسا من المنعرج الفكري، وفق زعمهم، بتخلي الفرنسيين عن قيمهم الليبرالية واعتناقهم الفكر الذي يريد مراجعة رسالة فرنسا الحضارية، عبر الربط بين تلك الرسالة الحضارية والأدوات القمعية الإجرامية التي أُريد لها أن تكون حاملةً لها للبحث، في الحقيقة، عن أسواق وموارد أولية، وليس لبناء بلدان أو ترقية مجتمعات وتطويرها. وهذا عين ما يريد الفكر الجديد اجتثاثه من مناهج التعليم وبرامج البحوث في المخابر ومراكز البحث الجامعية.

احتدم النّقاش الإعلامي، ووصل إلى مطالبة النّخب الجامعية، عبر رسالةٍ نشرتها يومية لوموند، باستقالة وزيرة التعليم العالي، وقّعها قرابة 500 جامعي، في حين أنّ الطّرف الثاني، مواجهة لذلك ودفاعاً عن زعمه، جنّد صحفاً ومجلات، إلى جانب قنوات إخبارية، لنشر مضمون الأيديولوجية الجديدة والبناء عليها، لإيجاد تحالفاتٍ سياسيةٍ تُبقي على ماكرون في الحكم وتوجد له السند السياسي، البرلمان والطبقة السياسية، خصوصا أن تداعيات جائحة كورونا والانقلابات الاقتصادية العالمية سيكون لها وقع على خريطة التنافس العالمي التي برز فيها، حقا، توجّه فرنسا نحو التراجع، بل الفشل في أصعدةٍ كثيرة، لعل أقلها بروزا، الآن، أن القوى الاقتصادية والعلمية تمكّنت من تطوير لقاح ضد الجائحة، في حين أن فرنسا هي الوحيدة التي بقيت في تبعية للمخابر الألمانية والبريطانية والأميركية.

الإعلام الفرنسي يستنتج أنّ الإسلام خطر كامل، لا يجب أن يترك له مجال للتحرّك، حتى لا يستفحل، ويؤدّي إلى ضمور القيم الغربية

على المستوى الإسلامي، طاولت الهجمة الكبيرة الجمعيات والمساجد، والغرض بناء صورة نمطية تربط بين التراجع الفرنسي وعدم الاستقرار، إضافة إلى المساس بصورة فرنسا التاريخية/ الحضارية، حيث لا تخلو نشرة أخبار، صفحات مجلة أو جرائد، بل والمحتويات السينمائية - الفنية من النيْل من صورة المسلمين والإسلام والربط بين هذا الدين والإرهاب، من ناحية، وتوجيه الغرب إلى خطر القيم الإسلامية، على الأصعدة كافة، على الحضارة الغربية، برمتها، مادّيا وفكريا، من ناحية أخرى.

قد يكفي للتّدليل على هذا التّصميم لبناء صورة نمطية سلبية للإسلام والمسلمين الحديث عن تركيز وسائل الإعلام الفرنسية على الصراع في شرق المتوسط، بين تركيا واليونان، وإلقائها الضوء على مأساة الأرمن في الحرب أخيرا مع أذربيجان، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، تحمل مضمون خطر الإسلام في أوروبا وعليها، وخصوصا أنّ للصراع في شرق المتوسط وحرب أرمينيا، أخيرا، مع أذربيجان، قاسم مشترك، هو تركيا التي تدافع عن مصالحها في شرق المتوسط في مواجهة اليونان، وساندت أذربيجان، بقوّة، في الحرب، بما يؤدّي بالإعلام الفرنسي إلى الاستنتاج أنّ الإسلام خطر كامل، لا يجب أن يترك له مجال للتحرّك، حتى لا يستفحل، ويؤدّي إلى ضمور القيم الغربية، وفق زعمهم.

يجدر التّذكير، هنا، بأنّ فرنسا، بوجودها داخل الاتّحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب أنها عضو دائم في مجلس الأمن، فهي تتخذ من كلّ هذه المنافذ طرقا لتأييد هذا التوجّه، ثلاثي المقاصد، أيديولوجـيا/ سياسيا/ استراتيجيا، بما يعني أنّ الاهتمام بمضمون الرّسالة الإعلامية والفكرية الفرنسية شيء حيوي بالنسبة لنا، لأنّ تلك السّياسات والأفكار موجهة لإيجاد صورة نمطية وإدراك مضرّين، أيّما ضرر، بالمنطقة، بمصالحنا وبجاليتنا، في فرنسا وفي الغرب، وهو ما يجب أن نقف له، ونكشفه باستمرار.