حال الطريق في مصر خير مؤشّر

حال الطريق في مصر خير مؤشّر

02 ديسمبر 2021
الصورة

طريق غمرته مياه الأمطار في الجيزة في مصر (12/3/2020/فرانس برس)

+ الخط -

احتفت وزارة النقل المصرية، في منشور لها في صفحة لها في "فيسبوك"، بأحد الطرق الجديدة، فقد نشرت صورة للطريق فيه إضاءة جيدة وحارات مرورية مرسومة. وفي تعليق إن هذا الطريق ليس في أوروبا، بل طريق جديد في مصر في مدينة القاهرة الجديدة، مختتما بـ"تحيا مصر تحيا مصر". وقبل ذلك، كانت صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالوزارة تنشر صورا للمونوريل (طريق القطار) الجديد وخطوط المترو التي تم التعاقد لتنفيذها، مع التعليق إن الصور ليست في أوروبا، إنما في مصر أم الدنيا، وعبارة "تحيا مصر تحيا مصر".

بالطبع، كانت التعليقات متنوعة ومثار خلاف بين مؤيد ومعارض، كما هو متوقع ومعتاد، فالمجموعات هناك أصوات كثيرة مؤيدة، سواء من أشخاص حقيقيين مقتنعين بذلك أو حسابات وهمية للجان إلكترونية، يعلّقون بأنه لا أروع ولا أجمل من ذلك، وأن ذلك إعجاز غير مسبوق يدل على قدرة المارد المصري الذي تحدّى العالم وصنع المستحيل، وأن إنشاء تلك الطرق العظيمة وسط تآمر الكون كله على مصر لهو نصر كبير، وسط تعليقات كثيرة تمتدح القيادة التي أمرت ببناء ذلك الكوبري أو إنشاء خط المترو الجديد.

في المقابل، كانت هناك تعليقات أخرى ساخرة تنتقد كل ذلك التهليل غير المبرّر، فمثلا صورة الطريق الجديد كانت السيارات فيها تسير فوق الخطوط الفاصلة بين الحارات المرورية، في مؤشّر على غياب الثقافة المرورية في الشوارع والطرق، فهذا طريقٌ جديدٌ قد تكون فيه حارات مرورية واسعة، وفيه خطوط للحارات ولافتات إرشادية، لكنه سيصبّ، في آخر الأمر، في نقطة أخرى عشوائية ضيقة مزدحمة، غير مدروسة، وبدون خطوط للحارات المرورية، وبدون لافتات إرشادية.

إنشاء الطرق ليس إعجازا، ففي كل دول العالم يزداد عدد السكان، فيتم إنشاء طرق جديدة وتوسعة طرق قديمة ورفع كفاءتها

علّق آخرون إن هذا هو حال أي طريق جديد في مصر، يبدو رائعا في البداية، ولكن كالعادة ستجد مسؤول الكهرباء يتذكّر، فجأة، أنه كان يجب تعديل كابلات الكهرباء وتجديدها، وبعد أن تنتهي شركة الكهرباء من عملها، ويتم ترميم الطريق وترقيعها بشكلٍ مشوّه، سيتذكّر مسؤول المياه والصرف الصحي أن هناك تعديلاتٍ كان لابد من القيام بها. وبعد مرور عدة أسابيع من المعاناة، يتكرّر الأمر مع تركيبات الغاز، ثم مع تركيبات الإنترنت. وبعد ذلك سنجد مسؤولا جديدا يقرّر فجأة قطع كل الأشجار من أجل التوسيع. وبعد إقالته أو استقالته "عادة يكون بسبب فساد فج زكم بعض الأنوف أو صعب إخفاؤه"، يأتي مسؤولٌ جديدٌ ليقرّر تضييق ما تم توسيعه من قبل، وهكذا.

ولكن هناك أيضا نقطة هامة من وجهة نظري، ربما تكون تلك الطرق الجديدة تم تشييدها بمواصفاتٍ هندسيةٍ سليمة، أقول ربما، لأنها كثيرا قد لا تكون كذلك، وربما أيضا يكون التنفيذ بمهارة وحرفة عالية كما يطابق المواصفات الفنية. هذا ما يعتبره المؤيدون إنجازا وإعجازا، ولكن هذا ليس إنجازا وإعجازا في أوروبا، ولا الولايات المتحدة، ولا دول الخليج، ولا دول جنوب آسيا ووسطها، بل يعدّ أمرا اعتياديا وضروريا. شيء لزوم الشيء، كما يقولون. يزداد عدد السكان، فيتم إنشاء طرق جديدة وتوسعة طرق قديمة ورفع كفاءتها، طبيعيٌّ أن تتقادم الطرق أو تتهالك فتتم صيانتها تلقائيا. تلك مهمة الإدارات المحلية وتلك هي وظيفتهم. في الدول المتقدّمة لا يتم الاحتفاء والتهليل عند إنشاء طريق جديد أو جسر ولا يتم نسبها لشخص، فتلك المنشآت والمشروعات الخدمية وصيانتها تكون طبقا لخطة طويلة المدى، يضعها متخصّصون حسب الاحتياجات والنمو العمراني.

مثير للسخرية أن تتخبط الأجهزة الحكومية كل عام، وتصاب الحياة بالشلل التام بسبب هطول أمطار عدة ساعات

وفي السياق نفسه، أيضا، انتشرت تغطيات إخبارية عن زيارة لولي عهد بريطانيا، الأمير تشارلز، محافظة بورسعيد الساحلية، حيث المنفذ على البحر المتوسط ومدخل قناة السويس، تلك المدينة التي شهدت وجودا بريطانيا كبيرا منذ بدء الاحتلال البريطاني لمصر، وهي المدينة الباسلة التي تصدّت للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر في 1956. قرّر تشارلز زيارة المدينة، فبدأت الحملات الدؤوبة لرصف الشوارع المتهالكة ودهان المباني القديمة وإزالة أكوام القمامة من الشوارع الجانبية. فتساءل كثيرون من متابعي الخبر أنه إذا كانت الحكومة قادرة على ذلك، فلماذا الانتظار حتى زيارة شخص مهم المدينة، ليتم إجراء أعمال الصيانة والنظافة التي تعتبر حقا أساسيا من حقوق المواطنين وسكان المدينة. بعض المتابعين من محافظات ومناطق أخرى، علّقوا ساخرين "ربنا يرزقنا بالأمير تشارلز أو أي أمير يمر على منطقتنا".

خبر آخر أثار السخرية أيضا عن لقاء الأمير تشارلز وزيرة البيئة المصرية، ياسمين فؤاد، التي استعرضت الجهود غير المسبوقة التي تبذلها لمواجهة التغير المناخي، ومن أجل الحفاظ على البيئة وتقليل معدّلات التلوث. السخرية بسبب مجموعات الحفاظ على البيئة ومجموعات حماية الأشجار ورصد ما يتم فعله من حملات قطع الأشجار بهدف توسعة الطرق وإقامة جسور ومنشآت سياحية، فهل استعرضت الوزيرة أمام الأمير ما يتم بذله من حملات تصحّر وإزالة كل ما هو أخضر تحت شعار التطوير، والذي يفوق مجهودات الوزيرة عشرات ومئات المرّات؟

.. وبعيدا قليلا عن زيارة ولي عهد بريطانيا مصر، والتي انتقدها معلقون في مجملها، واعتبرها آخرون من بقايا إرث استعماري أو امتدادا لممارسات استعمارية لبريطانيا العظمى، تكرّرت الأحداث المعروفة التي تتكرّر شتاء كل عام. إنها الأمطار، الخير الذي يرسله الله علينا من السماء. كالعادة، فوجئ المسؤولون، وعجزوا عن التعامل السريع. غرقت الشوارع وانسدّت فتحات الصرف مثل كل عام. المثير للسخرية أن المناطق التي لا تؤثر فيها الأمطار وفيها شبكاتٌ لا تزال تعمل بكفاءة، هي المناطق التي أنشأ الإنكليز شبكات الطرق فيها قديما، أما الطرق الحديثة وكل ما سبق إنشاؤه من طرق في عهود الرؤساء الوطنيين فأمرها مختلف.

قرّر الأمير تشارلز زيارة بورسعيد، فبدأت الحملات الدؤوبة لرصف الشوارع المتهالكة ودهان المباني القديمة وإزالة أكوام القمامة من الشوارع الجانبية

بحكم تخصصي في الهندسة المدنية، درسنا عشرات الأفكار لمشروعاتٍ تعمل على الاستفادة من مياه الأمطار وإقامة منشآت مفيدة لإعادة تدويرها. ولكني لم أشاهد في مصر مثل ما درست. وفي أسفار لي إلى عدة دول ما بعد العام 2011 لحضور بعض المؤتمرات، كنت أشاهد من الطائرة المنشآت الهندسية الخاصة بالري، والتي تجمع مياه الأمطار في خزّانات صغيرة وبحيرات صغيرة، لتستخدمها مرة أخرى في الري أو الشرب. أما في بلادنا الصحراوية التي تعاني من أزمةٍ في المياه، فتتراكم مياه الأمطار في الشوارع الجديدة والقديمة، حتى تتلف السيارات وبضائع المحلات، وبعد ذلك يتم إهدار تلك المياه في البحر، أو تختلط بمياه الصرف الصحي، أو تشربها الرمال.

منذ صغري، وأنا أرى حال الطرق والشوارع مؤشّرا جيدا إلى حال الدولة وسياسة حكومتها، ولا أقتنع بالمبرّرات التي يسوقها بعضهم أن في العالم كله كوارث طبيعية مماثلة، ولذلك يجب أن نلتمس الأعذار للمسؤولين. بالطبع، تحدُث كوارث طبيعية كل عام في دول عديدة، بسبب التغير المناخي، أو بسبب موقعها الجغرافي وطبيعته. هناك دول تحدُث فيها فيضانات أو سيول وأعاصير، وهناك دول تحت حزام زلازل نشط، وهناك دولٌ فيها فوّهات بركانية عديدة تنشط كل عام. وشاهدنا كوارث إنسانية وبيئية عديدة، أخيرا، بسبب التغيرات المناخية والانبعاث الحراري، مثل حرائق الغابات في أماكن أو التجمد وانخفاض درجات الحرارة في أماكن أخرى. أما مصر، فمنذ قديم الأزل وهي دولةٌ ذات مناخ مستقر، مستوية الأرض بنسبة كبيرة، قد تحدُث سيول كل عدة أعوام، لكن الحال لم يصل يوما إلى مستوى كارثة إنسانية أو بيئية، والشكر لله. ولذلك، مثير للسخرية أن تتخبط الأجهزة الحكومية كل عام، وتصاب الحياة بالشلل التام بسبب هطول أمطار عدة ساعات فقط، هل المشكلة كانت عشوائية/ عنترية في اتخاذ القرار، أم بسبب سوء التخطيط، أم فساد وإهمال ومحسوبية، أم تولية المسؤولية لمنعدمي الكفاءة؟ أم خليط من ذلك كله يتراكم عبر سنوات طويلة؟