تونس .. سياحة تحت حصار الوباء

تونس .. سياحة تحت حصار الوباء

14 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

منذ ستينيات القرن الماضي، ومع أول المخططات التنموية والاقتصادية التي وضعها بناة دولة الاستقلال في تونس، بدا الرهان واضحاً على جعل السياحة قطاعاً استراتيجياً في اقتصاد البلاد. وكان هذا قراراً جريئاً، خصوصاً أنّ تونس كانت تفتقد إلى جلّ مقومات الصناعة السياحية من بنية تحتية، وموارد بشرية مختصة، ولا تملك غير شواطئ ذهبية وشمس حارة...
عرفت البلاد أول منشأة سياحية في بداية سبعينيات القرن الماضي في جزيرة جربة، وكانت تنتمي إلى القطاع العام. كان الرهان على استثمار الموقع الطبيعي الخلاب للجزيرة، وكثير من التنوع الثقافي والإثني الذي يميز سكانها، فضلاً عن كرم ضيافتهم. سرعان ما راكمت البلاد تدريجياً الموارد الخاصة بهذه الصناعة السياحية، إذ تخرّج العاملون من مدارس التكوين المهني والجامعات، وبدأت الوحدات السياحية تنتشر في كامل الشريط الساحلي، وتجتهد في تنويع طرازها المعماري وخدماتها، حتى بدت تونس وجهةً لها جاذبيتها وقادرة على المنافسة في محيط متوسطي شرس في هذا المجال. وتواصَل هذا الجهد الحثيث إلى أن بدأت الدولة تدريجياً، منذ أكثر من عقدين، ترافق، في مرحلة أولى، القطاع الخاص، حتى يستثمر في هذا الميدان المربح، لتنتقل في ما بعد إلى خصخصة جلّ منشآتها السياحية. حدث ذلك في مناخاتٍ ربما تفتقد الشفافية، وما زال قطاع السياحة، مثل غيره من القطاعات، يشكو من تلك الشبهات التي طاولته.

عند اكتشاف أولى إصابات فيروس كورونا في تونس، أغلقت أغلب الوحدات الفندقية أبوابها، وأصبحت المناطق السياحية مدناً بلا روح، وتراجع النشاط السياحي بشكل لافت

حققت تونس نتائج مهمة، ساهمت في تغيير المشهد العمراني. كما أصبح القطاع مشغّلاً ليد عاملة مهمة، فضلاً عما يدرّه من موارد ماليةٍ تساهم في تغطية العجز التجاري... إلخ. لكن، مع الثورة (2010- 2011) سينقلب المشهد إلى حدّ كبير، إذ ستشهد البلاد حالةً من انعدام الاستقرار السياسي والأمني، علاوة على الاضطرابات الاجتماعية، والضربات القاسية للعمليات الإرهابية، خصوصاً سنة 2015 (هجمات نزل سوسة، ومتحف باردو...)، وهو ما فاقم من أزماتها الخانقة. وعلى الرغم من هذه الضغوط، سعت الحكومات المتتالية، بالتعاون مع أهل المهنة ومختصّيها، إلى إنعاش القطاع، من خلال جملة من المبادرات، على غرار تنظيم حملات دعائية مكثفة، وسنّ جملة من الإجراءات، بهدف كسب ثقة الأسواق السياحية التقليدية، واستكشاف أخرى، والبحث عن بدائل جديدة. وقد أتت هذه المساعي بعضاً من أكلها، ابتداء من 2019، حين عادت الرحلات السياحية تدريجياً، لتزور أفواج سياحية عديدة البلاد، مقتربة، نسبياً، من الرقم المرجعي لسنة 2010 (قرابة 10 ملايين سائح). إلا أنه، منذ مارس/ آذار 2020، عند اكتشاف أولى إصابات فيروس كورونا في تونس، أغلقت أغلب الوحدات الفندقية أبوابها، وأصبحت المناطق السياحية مدناً بلا روح، وتراجع النشاط السياحي بشكل لافت، ما نتج عنه أزمة غير مسبوقة في انعكاساتها الوخيمة على جلّ الأصعدة، وتحديداً مئات آلاف العائلات التي أصبحت بلا مورد رزق. ونتيجة هذا التراجع، اعتبر قطاع السياحة أحد أكثر القطاعات تضرّراً من جائحة كوفيد - 19، بل يعتبره أهل المهنة منكوباً. اتُخذت تدابير متنوعة لمحاولة إنعاشه، تواؤماً مع موجات الفيروس وانتشاره، تراوحت بين فرض قيود صارمة أحياناً وتخفيف الإجراءات أحياناً أخرى، إلاّ أنّ جلّ المؤشرات السياحية واصلت انخفاضها بشكلٍ حاد، ما عدّها بعض الخبراء كارثة حقيقية تهدّد بنسف ما تحقق خلال أكثر من خمسة عقود.

60% من عمال القطاع والحرفيين الناشطين في الأسواق السياحية مهدّدون بالفقر

تكبّد المهنيون خسائر كبيرة خلال الموجتين، الأولى والثانية، من الجائحة، ويتوقع ارتفاع ديون النزل والمؤسسات الفندقية، وفق بيانات البنك المركزي، إلى خمسة مليارات دينار (مليار و820 مليون دولار) بسبب عدم قدرة المهنيين على الإيفاء بتعهداتهم تجاه البنوك. وأفادت دراسة للجامعة التونسية للفنادق بأنّ 60% من عمال القطاع والحرفيين الناشطين في الأسواق السياحية مهدّدون بالفقر بسبب توقف النشاط، وأنّ قرابة 27 ألف عامل خسروا وظائفهم.
وبما أنّ القطاع السياحي من القطاعات الأساسية في الاقتصاد التونسي، وفي الموازنات المالية والاجتماعية، إذْ يشغّل قرابة نصف مليون شخص، ويسهم بنحو 8% في الناتج المحلي الخام، ويعدّ مصدراً مهماً للعملة الصعبة، فإنّ سعي الحكومة والهياكل المشرفة عليه إلى الحدّ من تداعيات الجائحة، والتقليص من الكلفة الباهظة لتعطل القطاع السياحي، يظلّ أكثر من مشروع للدراسة، بل يعدّ أحد أبرز الأولويات الملحّة أمام المسؤولين السياسيين.

يعتقد المهنيون وخبراء السياحة أنّ الأمل ما زال معقوداً في اتجاه تخفيف الأضرار ومحاصرة الآثار في مرحلة أولى

وبعيداً عن النزعات المتشائمة، يعتقد المهنيون وخبراء السياحة أنّ الأمل ما زال معقوداً في اتجاه تخفيف الأضرار ومحاصرة الآثار في مرحلة أولى، ثم الإقلاع من أجل التفرّغ لمعالجة الأزمات الهيكلية، ورسم توجهاتٍ استراتيجيةٍ تمكّن من مراجعة المنتوج السياحي، والتعويل على رافعاتٍ أخرى، من شأنها أن تثري المشهد السياحي، وتستقدم سائحين ذوي ملامح مغايرة لما عرفته السياحة التونسية عقوداً (سياحة صحية، وبيئية، وثقافية...) فضلاً عن مراجعة الجودة والتكوين والتحسين في ظروف العمل وشروطه.
الرهان العاجل لبلدٍ ظلّ يعتمد، إلى حد كبير، على السياحة، هو محاصرة الآثار الوخيمة للجائحة على القطاع: موارد مالية وبشرية وبنية تحتية (أكثر من 70% من الوحدات تم إغلاقها، ما سيجعل تشغيلها يتطلّب موارد مالية باهظة)، غير أنّ هذا لن يدرَك، بحسب بعض الجمعيات والخبراء، إلا ضمن إعادة صياغة ميثاق جديد للسياحة التونسية: مصالحة السياحة مع بيئتها، ومصالحة السياحة مع الرأي العام، حتى لا تبدو لدى بعضهم زائدة دودية تنهش قدرات البلاد وخيراتها، وابتكار أشكال سياحية وثقافة مختلفة، عما تقدّمه الوحدات الفندقية الآن، حتى تعزّز قيم الغيرية والضيافة بالمعنى الذي قصده جاك دريدا ذات يوم.