"بينوشيه السودان" شامتٌ من وراء القضبان

09 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

(1)

تشهد الساحة السياسية في السودان اضطراباً مطرداً، وزعازع تنذر بتحولات خطيرة مقبلة، قد تفضي، في أقل التوقعات، إلى تفكيك ترتيبات هياكل السلطة القائمة في البلاد. وقد قامت الترتيبات الانتقالية التي بنيت على أنقاض نظام عمر البشير على ثلاثة أضلع: مجلس السيادة وتسيّده العسكر ومجلس للوزراء من المدنيين وائتلاف فضفاض ضمّ فئات من ممثلين لكيانات حزبية وأخرى مهنية وثالثة من المجتمع المدني، أطلق عليه اسم "قوى الحرية والتغيير". يصف مراقبون ذلك الجسم الفضفاض بأنه "حاضنة" الثورة والفترة الانتقالية. وقد قاد الحراك الشعبي، ودفع فيه فتيان الثورة ونساؤها الثمن الغالي من دم شهداء سقطوا برصاص "بينوشيه السودان"، الجنرال عمر البشير الذي حكم السودان ثلاثين عاماً، وسقط في إبريل/ نيسان من عام 2019. 

ألقت الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية مهاما جساما على عاتق الحكومة الانتقالية، فيما كان الأوفق تركها للحكومة المنتخبة والمستدامة

كان "بينوشيه السودان" يعدّ العدّة ليترشح عبر انتخاباتٍ، برع هو وأزلامه بتزويرها كلَّ مرّة، لينصّب نفسه رئيساً لحقبة رئاسية بعد عام 2020، ولكن التاريخ قال لا له، وكأن ذلك الحراك الشعبي تفاجأ بسقوطه، فتوافقت أطراف ذلك الحراك وقياداته لترتيباتٍ شارك في رسمها الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، ووضعت ترتيبات حكم البلاد بعد سقوط الطاغية باعتماد ثلاثة أضلاع، شكلت هياكل الحكم في الفترة الانتقالية، وفق وثيقة دستورية كتبت على عجلٍ، وخرجت مليئة بالثقوب وبالألغام، فكانت هياكل الحكم الانتقالي من مجلسٍ سيادي ومجلس للوزراء وقضاء مستقل، هياكل فطيرة وهشّة، لكنها حملت مسؤولية التمهيد، خلال 39 شهرا، لتأسيس نظام ديمقراطي حر، يترك للشعب دستورا يختار عبره من يتولّى حكم البلاد حكماً رشيداً بعد انتخابات حرّة نزيهة. وثمة ملاحظات لن تفوت على المراقب.

(2)

أولى تلك الملاحظات هي التي تتصل بتوصيف مطلوبات المرحلة الانتقالية، وأولى المطلوبات توفر الثقة وتعزيز التوافق على برامج هذه المرحلة، ووضع تعريف دقيق لمهامها ولصلاحيات أطرافها المشاركة في الحكم، حتى تصل البلاد إلى المرحلة المستهدفة، بعد انقضاء الفترة الانتقالية. على هياكل الفترة الانتقالية القيام بالتمهيد لتأسيس دولة الديمقراطية والتنمية والعدالة، عبر انتخاباتٍ حرّةٍ تجرى بعد انقضاء فترة الحكم الانتقالي الحالية، ثم ينخرط الجميع، أحزاباً وكيانات مدنية وجبهات معارضة، في تمرين ديمقراطي لانتخاب السلطات الثلاث التي ستدير حكم البلاد: الهيكل السيادي والجهاز التنفيذي والهيكل التشريعي، فتخرج البلاد من صفة الحكم الانتقالي إلى مرحلة الحكم الرشيد المستدام.

الأيام المقبلة في السودان حبلى بمواجهاتٍ وتصعيدٍ لن يزيد الخلافات إلا اشتعالاً، ولربما يفضي إلى حالةٍ من الاضطراب

وقد ألقت الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية مهاما جساما على عاتق الحكومة الانتقالية، فيما كان الأوفق تركها للحكومة المنتخبة والمستدامة، منها التفاوض من أجل تحقيق السلام بين الأطراف السودانية التي كانت تعارض حكم البشير معارضة مسلحة. ولعل مهمة الحكومة الانتقالية إقناع أولئك المعارضين بإلقاء أسلحتهم جانبا، ثم الانخراط لإعداد أنفسهم لمرحلة الانتخابات القومية بعد انقضاء الفترة الانتقالية، غير أن أولئك المعارضين فضلوا إلقاء السلاح ثم الدخول للمشاركة الفعلية في حكم البلاد عبر هياكل الحكم الانتقالي. رأى أكثر المراقبين في ذلك تكالبا لاقتسام سلطةٍ هي بطبيعتها انتقالية، ومؤقتة مدتها لا تتعدّى عامين. تُرى، ما الذي دفع ممثلي المعارضة المسلحة الذين قاتلوا الطاغية سنوات، وقد عادوا الآن بعد سقوطه، ليطالبوا بنصيبٍ في الحكومة الانتقالية؟ اشتملت مطالبهم، وفق اتفاق السلام الموقع أخيرا، على مناصب وزارية، بل ووظائف أدنى، مثل رئاسة هيئات ومفوضيات وسفارات خارجية. ومثل هذه المطالب ترفع إلى حكومة منتخبة ومستدامة، وليس إلى حكومة انتقالية محدودة الصلاحيات. 

(3)

تتصل ثاني الملاحظات أيضاً بثغراتٍ في الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية، ومدتها 39 شهراً، مضى أكثر من نصفها. إلزامية بنود تلك الوثيقة لم تحكمها ضوابط ولا هياكل عليا يمكن الاحتكام إليها. ولأن المجلس السيادي يضم عسكريين ومدنيين، فقد غلب صوت العسكر، في أداء ذلك المجلس، على صوت المدنيين من أعضائه، بذهنية ضباطٍ عملوا تحت عمر البشير في الثلاثين عاما الماضية، يقودون الآن المجلس السيادي، مسنودين بانتمائهم للقوات المسلحة، فبدا عسيراً التوافق المطلوب بين المكونين، المدني والعسكري. وليس عدم توافق فيما بين أعضاء المجلس السيادي، بل تمدّد ذلك المسلك إلى تجاوز ما قرّرته الوثيقة الدستورية، فاتسعت دائرة الخلاف إلى جنوح ضباط المجلس السيادي إلى التوغل في صلاحيات مجلس الوزراء، خصوصا في مجال العلاقات الخارجية والتعامل مع المجتمع الدولي. لعلّ المتابعين قد لاحظوا أن زيارات رئيس المجلس السيادي وبعض أعضائه إلى الخارج هي لمهام تتعلق بعلاقات السودان الخارجية، ثمّ لا تكون لوزارة الخارجية علاقة بتلك الزيارات. تنفي وزيرة الخارجية علمها بتفاصيل ملف تطبيع السودان علاقاته مع دولة إسرائيل، بل وتصرّح أنه لم يحدث أن تناولته وزارتها بالتداول، إذ كان واضحا أن من يمسك به هو رئيس المجلس السيادي. وقس على ذلك ما يحدث في وزارة المالية ووزارات أخرى. وجديد ما برز في الساحة السياسية إعلان العضو في المجلس السيادي، عائشة السعيد، في رسالة مفتوحة تناقلتها وسائل الإعلام، عن استيائها، وهي في موقعها السيادي الحساس، من تهميش تتعرّض له في المجلس، وهو موقفٌ جندريٌ سالب، فيه تجاهل إن لم يكن استخفافا برمزية دور المرأة في الحراك الذي أسقط حكم البشير.

(4)

القشّة التي يتوقع أن تقصم ظهر البعير تمثلت في إقدام المجلس السيادي على تشكيل مجلسٍ سمّوه "مجلس شراكة"، التبس توصيف صلاحياته على الناس، هل بقصد التنسيق أم التنفيذ أم التشريع، أم ذلك كله مجتمعا. وقد أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة رفضها الجسم الجديد. وهذا الخلاف مفصلي خطير إن لم يتم تداركه بحكمة. 

الأيام المقبلة في السودان حبلى بمواجهاتٍ وتصعيدٍ لن يزيد الخلافات إلا اشتعالا، ولربما يفضي إلى حالةٍ من الاضطراب والزعزعة، لن تحمد عقباها. أما "بينوشيه السودان" فإنه شامتٌ من وراء قضبان سجنه.