انتصار طالبان انتصاراً لمحور "الممانعة"؟

انتصار طالبان انتصاراً لمحور "الممانعة"؟

28 اغسطس 2021
الصورة

(منى نخلة)

+ الخط -

يحاول محور "الممانعة" في لبنان الذي يقوده حزب الله وترعاه إيران تصوير السيطرة السريعة والمذهلة لحركة طالبان على الدولة في أفغانستان، بخلاف التوقعات الأميركية عن قدرة السلطات العسكرية والسياسية الأفغانية التي أنفقت الولايات المتحدة المليارات على تدريبها وتسليحها على وقف تقدم "طالبان"، بمثابة انتصار أيضاً للمحور الموالي لإيران في لبنان، ودليل قاطع على ضعف معارضيه السياسيين وتهافتهم، وهم الذين يراهنون على الدعم الأميركي في صراعهم السياسي الداخلي ضد سيطرة حزب الله وحلفائه على الحياة السياسية في لبنان.
قد تكون هذه المقولة صحيحة منطقياً تقوم على معادلة أن كل هزيمة للأميركيين انتصار للمحور الشيعي الراديكالي الذي ترعاه إيران في المنطقة، سيما وأن محادثات فيينا بين إيران والولايات المتحدة بشأن العودة إلى الاتفاق النووي وصلت إلى مرحلة حاسمة. ولكن من منظور جيو سياسي، من السابق لأوانه وضع انتصار "طالبان" في مصلحة المحور الإيراني في المنطقة لسبب أساسي ومحوري، أن هذه الحركة في الأساس تتماهى مع تنظيم القاعدة الذي كان في أساس ولادة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي شنّ حرباً ضارية على نظام بشار الأسد في سورية، وكاد أن يزعزع أنظمة أخرى في المنطقة، لولا الحرب التي شنها الائتلاف الدولي الذي أقامته الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم واقتلاعه من العراق وسورية. فكيف، والحال هذه، تعدّ عودة "طالبان" إلى الحكم في أفغانستان انتصاراً لمحور الممانعة في لبنان؟

لم يشكل لبنان هدفاً في خطة بوش الابن التي رأت أن السبيل لتغيير الواقع في دول المنطقة التي تشهد نزاعات نشر الديمقراطية والنموذج الغربي

يحاول هذا المحور استغلال هزيمة الأميركيين في أفغانستان في خدمة عدة أهداف في آن، منها إحراج خصومه السياسيين اللبنانيين، من خلال زعزعة ثقتهم بحليفهم الأميركي، وإظهار أنه لا يمكن الوثوق به وهو يتخلّى عن حلفائه في الأوقات الصعبة، ويتركهم وحيدين لمواجهة الخطر، والتشديد على أهمية التحالف مع إيران التي لا تتخلى أبداً عن حلفائها، مهما تغيّرت الظروف ومهما كان الثمن. ولكن الدور الأميركي في أفغانستان يختلف تماماً عنه في لبنان. إذ ليس للأميركيين وجود عسكري في الأراضي اللبنانية، ولم يحاول الأميركيون بلورة الواقع السياسي اللبناني بالقوة، كما حاولوا وفشلوا في أفغانستان. ولم يشكل لبنان هدفاً لإيديولوجيا في خطة الرئيس بوش الابن التي رأت أن السبيل لتغيير الواقع في دول المنطقة التي تشهد نزاعات هو من خلال نشر الديمقراطية والنموذج الغربي.
ولكن التدخل العسكري الأميركي في لبنان كان محصوراً بتجربة عام 1958، عندما نزلت قوات المارينز في بيروت لدعم رئيس الجمهورية آنذاك، كميل شمعون، في وجه التمرّد العسكري ضده المدعوم من الرئيس المصري جمال عبد الناصر. أما التدخل العسكري الثاني فقد جاء بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 مع دخول قوات المارينز إلى لبنان ضمن إطار القوات المتعددة الجنسيات التي انتشرت في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي، واضطرت هذه القوة إلى الانسحاب بعد تفجيري مقر قواتها والسفارة الأميركية في بيروت. ولكن التدخل السياسي الأميركي في السياسة الداخلية في لبنان لم يتوقف منذ الاستقلال، ويأخذ أشكالاً مختلفة، يدور بعضها من وراء الكواليس، وبعضه الآخر علني، مثل الوساطة الأميركية التي جرت بمباركة ضمنية من حزب الله وحليفه الشيعي حركة أمل، لحل الخلاف على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

لا يبدو أن شيئاً سيتبدّل في الدور الأميركي في لبنان، والتضخيمات بشأن تأثير الهزيمة الأميركية في أفغانستان في لبنان لا تعدو جعجعة من دون طحين

لذا من الصعب تصوير الانسحاب الأميركي من أفغانستان المخطط له منذ سنوات، ومن الإدارة السابقة للرئيس دونالد ترامب، والذي يخضع لاعتبارات استراتيجية أميركية، في طليعتها التبدل الجوهري في توجهات السياسة الخارجية الأميركية، وتغير سلم أولوياتها، بأنه دليل على انتصار إيران في معركتها، سواء على صعيد السباق للحصول على سلاح نووي ورفع العقوبات الاقتصادية عنها أو حيال الحرب الدائرة بينها وبين إسرائيل على أكثر من جبهة. لكن الأكيد أن لانسحاب لأميركيين المخزي من أفغانستان الذي يذكّر بانسحابٍ لا يقل خزياً هو الانسحاب من فيتنام تداعياته المؤثرة على صورة أميركا، وربما أيضاً على دعمها المطلق إسرائيل الذي يمكن أن يؤثر في المواجهة الدائرة منذ سنوات بين إسرائيل وإيران وحزب الله.
التداعيات التي يمكن ملاحظتها للانسحاب الأميركي تزايد الجرأة لدى حزب الله على استفزاز إسرائيل وأميركا معاً، بالإعلان عن قدوم بواخر إيرانية محملة بالمحروقات إلى لبنان، لمساعدته على مواجهة الأزمة الخانقة لهذا البلد الذي كاد يدخل في حالة شلل جرّاء النقص والشحّ في كل المواد الأساسية الحيوية من أجل تسيير عجلة الاقتصاد. باستثناء ذلك، لا يبدو أن شيئاً سيتبدّل في الدور الأميركي في لبنان، والتضخيمات بشأن تأثير الهزيمة الأميركية في أفغانستان في لبنان لا تعدو كونها جعجعة من دون طحين.