المؤشّر العربي وفلسطين والتطبيع

09 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

تكشف نتائج الاستطلاع الكبير الذي قام به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تهافت البروباغندا التي تروّجها بعض وسائل إعلام الإمارات والسعودية عن حتمية التطبيع مع إسرائيل وسهولته، وتراجع القضية الفلسطينية في اهتمامات الرأي العام العربي. وجاء في نسخة المؤشر العربي الجديدة، والتي تم إطلاقها يوم الثلاثاء الماضي في الدوحة، أن "المجتمعات العربية ما زالت تعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب جميعا، وليس قضية الفلسطينيين وحدهم". وورد في النتائج أن نسبة 88% ممّن تم استطلاع آرائهم ترفض الاعتراف بإسرائيل. وتوصّل المؤشّر إلى أن نسبة 89% تعتبر أن إسرائيل تهدّد أمن المنطقة العربية واستقرارها، وذلك أكثر من إيران (67%)، وروسيا (55%). ويرى ثلاثة أرباع المشاركين أن السياسات الأميركية نحو فلسطين، سورية، ليبيا، واليمن، سيئة، وثلاثة أخماسهم يرون أن السياسات الإيرانية والروسية تجاه فلسطين، سورية، واليمن، سيئة أيضا.

وتأتي أهمية هذه الأرقام من أن المؤشّر يعتبر أكبر مسح للرأي العام في المنطقة العربية، من خلال حجم العينة (28000)، وعدد البلدان (13 بلدا عربيا) والمحاور، وعدد المشاركين فيه، والذي بلغ 900 باحثة وباحث، واستغرق 69 ألف ساعة عمل. وقبل كل شيء، هناك مسألة جديرة بالاهتمام، أن المؤشّر كسب، عبر سبع دورات، بدأت عام 2011، مصداقيةً وسمعةً عاليتين، وأصبح مصدرا مهما للمؤسسات البحثية العربية والدولية وللأكاديميين والخبراء. وهذا يعود في الدرجة الأولى إلى اعتماد أدوات علمية للبحث، والعمل بنزاهة وشفافية، ومن دون انحياز أو تسييس. وبالتالي، صار من المتعارف عليه أنه حين تجري دراساتٌ أمينةٌ لاتجاهات الرأي، فإن المؤسسات والهيئات ذات المصداقية لا تجد أمامها أدقّ وأوفى وأشمل من أرقام المؤشّر العربي واستنتاجاته. ومن الطبيعي أن لا تأخذ بأرقام المؤسسات الإعلامية التي تعمل على تضليل الرأي العام. وحين يتم رسم السياسات الفعلية تجاه المنطقة العربية، فإن أرقام المؤشر هي التي تُعتمد. وحين تجري دراسة المستقبل وقياس نبض الشارع العربي، فإن المؤشّر هو المقياس الصالح لذلك.

وهناك عناصر قوة إضافية في الأرقام التي تصدر عن المؤشّر في كل دورة، منها أن الاستطلاعات شملت غالبية البلدان العربية. وفي هذه السنة، جرى مسح المغرب، الجزائر، موريتانيا، تونس، مصر، السودان، السعودية، الكويت، قطر، لبنان، الأردن، العراق، وفلسطين. والأمر الثاني الجدير بالاهتمام هو الاستمرارية والمواظبة على هذا العمل المضني، والذي يحتاج إلى عدد كبير من العاملين الذين ينكبّون عليه ما بين نوفمبر/ تشرين الثاني وحتى يوليو/ تموز من كل سنة. والنقطة الثالثة محل الإهتمام تكمن في تعدّد الموضوعات، الأمر الذي يجعل من بياناته مصدرا مهما.

يختصر المؤشّر في كل دورة من دوراته قدرا كبيرا من النقاش بشأن كثير من القضايا الساخنة والخلافية التي تهم العالم العربي. وفي هذه السنة، يحسم الجدل الدائر في عدة قضايا، مثل التطبيع مع إسرائيل والديمقراطية في العالم العربي، وموقف الشارع العربي من الربيع. ولولا أن المؤشّر درس هذه القضايا بأسلوب استبياني لبقيت المواقف متضاربة، وربما ربحت البروباغندا المعركة لصالحها، ولكانت قد نجحت في تضليل العالم، وفرضت عليه أفكارا كثيرة مغلوطة تريد تهريبها في غفلةٍ من الوقت. ومن هنا، يكتسي المؤشّر قيمةً إضافيةً كونه يصحّح الرؤية، ويضع حدودا صارمة بين الصح والخطأ، وهو بذلك يحمي الوعي العام من التلوّث والتسريبات الخطيرة والأفكار المحبطة. وعليه يستحق المركز العربي التحية التي نرفعها له في كل سنة، لأنه سار على هذا الطريق، وحقّق إنجازا استراتيجيا يضاف إلى مشاريعه الريادية في مجال التنمية العلمية والثقافية.